أصبح النظام الغذائي العالمي، وهو شبكة مُعقدة من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، محور نقاش في ظل تغيّر المناخ والنمو السكاني والمخاوف الأخلاقية التي تُعيد تشكيل فهمنا للاستدامة. يتناول كتابان صدرا مؤخرًا، بعنوان "كيف يأكل العالم.. فلسفة غذائية عالمية" للفيلسوف والصحفي البريطاني جوليان باغيني، و"كيف نطعم العالم.. تاريخ ومستقبل الغذاء" للكاتب والعالم التشيكي فاكلاف سميل، هذا الموضوع الحيوي من زوايا مختلفة تمامًا. فبينما يتبنّى "باغيني" منظورًا فلسفيًا لاستكشاف الأبعاد الثقافية والأخلاقية للغذاء، يستخدم "سميل" نهجًا قائمًا على البيانات لتحليل التحديات القائمة.
يرى جوليان باغيني في كتابه "كيف يأكل العالم؟"، أن العلاقة بين الإنسان والغذاء تتجاوز فكرة النظام الغذائي البسيط، فهي جزء من "وجود بشري" مُعقد يوجّه ويضبط عملية الطعام ضمن ما يُسمِّيه "عالم الغذاء". يشبه هذا العالم نظامًا بيئيًا عضويًا مترابطًا؛ إذ تؤثر جميع مكوناته بعضها في بعض. وفي ظل هذا الترابط، يبرز تناقض صارخ: أكثر من ربع سكان العالم يعانون نقص الطعام المغذي الضروري للبقاء، وفي الوقت نفسه، ترتفع معدلات السمنة إلى مستويات مماثلة تقريبًا. يكشف هذا التوازي بين الجوع والسمنة عن خلل عميق في منظومة الغذاء العالمية.
ينتقل "باغيني" في استعراضه لتاريخ الطعام من مجتمعات الصيد وجمع الثمار، مثل قبيلة هادزا في تنزانيا، التي يتميز أفرادها بتنوع غذائي كبير وميكروبيوم أمعاء أغنى من كثير من سكان الدول الصناعية، إلى عصر الفضاء؛ إذ يعاني رواد الفضاء فقدان الوزن بسبب اعتمادهم على وجبات محفوظة تفتقر إلى القيمة الغذائية الكافية. كما يتناول "باغيني" تعقيدات إنتاج الغذاء، فيوضح أن الزراعة العضوية، وإن ظهرت بصورة مثالية، لكنها ليست حلًّا عالميًا ولا يمكنها وحدَها تلبية احتياجات سكان العالم الذين يتزايدون باستمرار. ويُشير إلى أن بعض ممارسات الزراعة الحديثة، مثل الزراعة بلا حرث واستخدام الأسمدة الصناعية المدعومة بالطاقة المتجددة، قد تكون أكثر استدامة مما يُعتقد عادةً.
ولا يغفل "باغيني" عن قضايا العدالة والإنصاف في توزيع الغذاء، فيُبرز الفوارق الصارخة بين المنتجين والمستهلكين، مثل مزارعي الكاكاو في غانا، الذين يحصلون على أجور زهيدة مقارنة بالأرباح الضخمة التي تحققها الأسواق الغربية من منتجاتهم. كما يلفت الانتباه إلى الاستغلال وظروف العمل السيئة التي يواجهها عمال الزراعة حول العالم، ويناقش كيف أن كثيرًا من العمال، مثل عمال جمع الفاكهة والخضراوات المهاجرين في جنوب إسبانيا، لا يزالون يعانون سوء بيئات العمل والمعيشة القاسية دون المستوى المطلوب، على الرغم من إلغاء أشكال العبودية التاريخية.
في نهاية المطاف، يدعو "باغيني" إلى تبني فلسفة غذائية عالمية إنسانية وواعية، تعتمد على التعددية والمرونة في مواجهة التحديات المعاصرة، مع ضرورة وجود حوكمة رشيدة للغذاء لا تترك الأمر بالكامل لآليات السوق.
أمَّا فاكلاف سميل، فيعتمد تحليله في كتابه "كيف نطعم العالم؟" على البيانات التجريبية الدقيقة ويقدم دليلًا موضوعيًا يرتكز على الأرقام والإحصاءات بدلًا من السرد القصصي. يبدأ كتابه بتأكيد أن "الأرقام هي ضد التمني"، وهو ما يُمهّد لمنهجية تعتمد على بيانات تشمل نسب تحويل السعرات الحرارية، ومساحات الأراضي الصالحة للزراعة، وكميات هدر الطعام التي تُقدَّر بألف سعرة حرارية يوميًا لكل شخص. يستخدم "سميل" بيانات دقيقة من دول مختلفة لتفنيد الأفكار الخاطئة، مثل سبب استمرار سوء التغذية في الدول الغنية على وفرة الغذاء فيها . كما ينتقد الحلول المبسطة التي لا تراعي تعقيدات الواقع، مثل الدعوة إلى اعتماد نظام نباتي عالمي. بالإضافة إلى أنه يعالج موضوعات مثل عدم المساواة الغذائية والاستدامة عبر فصول مركزة حول مسائل رئيسة. ويرى، على سبيل المثال، أن إطعام 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050م، يتطلب تحسينات تدريجية في كفاءة الإنتاج والتوزيع، وليس تغييرات جذرية مفاجئة. ويركز، بوجهٍ خاصٍ، على قضايا ما بعد الإنتاج، مثل التوزيع الفعَّال، وتقليل هدر الطعام، ووضع السياسات المناسبة، عادًّا أن المشكلة ليست في كمية الغذاء المنتجة، بل في كيفية توزيعه واستخدامه.
يقول "سميل" إن الأجيال السابقة تكيّفت مع مواردها المتاحة، في حين يواجه العالم اليوم تحديات جديدة تتطلب تكيفًا مختلفًا مدعومًا بالتكنولوجيا والابتكار. فمثلًا، توسَّعت تربية الأحياء المائية خلال الأعوام الأربعين الماضية لتصبح مصدرًا أكبر للمأكولات البحرية مقارنة بالصيد التقليدي، وهو ما يجعلها خيارًا قابلًا للتوسع لتلبية الطلب العالمي على البروتين. كما كانت الثورة الخضراء في الستينيات مثالًا على كيف أن الابتكارات في المحاصيل والأسمدة والري قد أسهمت في منع المجاعات في دول مثل الهند والمكسيك، على الرغم من أن هذه التغييرات كانت تبدو في السابق مستحيلة.
يُشكّل هذان الكتابان وجهين لعملة واحدة: يحثُّ كتاب "باغيني" على التفكير الفلسفي في الغذاء بوصفه ظاهرة ثقافية وأخلاقية، بينما يُقدِّم كتاب "سميل" خطة إصلاحية قائمة على البيانات. وفي ظل التحديات المناخية والاجتماعية الراهنة، تؤكد رؤاهما المشتركة أن إطعام البشرية مسؤولية تتطلب تأملًا أخلاقيًا ودقة علمية؛ إذ لا تُعَدُّ الاستدامة ترفًا أو مجرد تحدٍّ تقني، بل واجبًا مشتركًا.
يرى جوليان باغيني في كتابه "كيف يأكل العالم؟"، أن العلاقة بين الإنسان والغذاء تتجاوز فكرة النظام الغذائي البسيط، فهي جزء من "وجود بشري" مُعقد يوجّه ويضبط عملية الطعام ضمن ما يُسمِّيه "عالم الغذاء". يشبه هذا العالم نظامًا بيئيًا عضويًا مترابطًا؛ إذ تؤثر جميع مكوناته بعضها في بعض. وفي ظل هذا الترابط، يبرز تناقض صارخ: أكثر من ربع سكان العالم يعانون نقص الطعام المغذي الضروري للبقاء، وفي الوقت نفسه، ترتفع معدلات السمنة إلى مستويات مماثلة تقريبًا. يكشف هذا التوازي بين الجوع والسمنة عن خلل عميق في منظومة الغذاء العالمية.
ينتقل "باغيني" في استعراضه لتاريخ الطعام من مجتمعات الصيد وجمع الثمار، مثل قبيلة هادزا في تنزانيا، التي يتميز أفرادها بتنوع غذائي كبير وميكروبيوم أمعاء أغنى من كثير من سكان الدول الصناعية، إلى عصر الفضاء؛ إذ يعاني رواد الفضاء فقدان الوزن بسبب اعتمادهم على وجبات محفوظة تفتقر إلى القيمة الغذائية الكافية. كما يتناول "باغيني" تعقيدات إنتاج الغذاء، فيوضح أن الزراعة العضوية، وإن ظهرت بصورة مثالية، لكنها ليست حلًّا عالميًا ولا يمكنها وحدَها تلبية احتياجات سكان العالم الذين يتزايدون باستمرار. ويُشير إلى أن بعض ممارسات الزراعة الحديثة، مثل الزراعة بلا حرث واستخدام الأسمدة الصناعية المدعومة بالطاقة المتجددة، قد تكون أكثر استدامة مما يُعتقد عادةً.
ولا يغفل "باغيني" عن قضايا العدالة والإنصاف في توزيع الغذاء، فيُبرز الفوارق الصارخة بين المنتجين والمستهلكين، مثل مزارعي الكاكاو في غانا، الذين يحصلون على أجور زهيدة مقارنة بالأرباح الضخمة التي تحققها الأسواق الغربية من منتجاتهم. كما يلفت الانتباه إلى الاستغلال وظروف العمل السيئة التي يواجهها عمال الزراعة حول العالم، ويناقش كيف أن كثيرًا من العمال، مثل عمال جمع الفاكهة والخضراوات المهاجرين في جنوب إسبانيا، لا يزالون يعانون سوء بيئات العمل والمعيشة القاسية دون المستوى المطلوب، على الرغم من إلغاء أشكال العبودية التاريخية.
في نهاية المطاف، يدعو "باغيني" إلى تبني فلسفة غذائية عالمية إنسانية وواعية، تعتمد على التعددية والمرونة في مواجهة التحديات المعاصرة، مع ضرورة وجود حوكمة رشيدة للغذاء لا تترك الأمر بالكامل لآليات السوق.
أمَّا فاكلاف سميل، فيعتمد تحليله في كتابه "كيف نطعم العالم؟" على البيانات التجريبية الدقيقة ويقدم دليلًا موضوعيًا يرتكز على الأرقام والإحصاءات بدلًا من السرد القصصي. يبدأ كتابه بتأكيد أن "الأرقام هي ضد التمني"، وهو ما يُمهّد لمنهجية تعتمد على بيانات تشمل نسب تحويل السعرات الحرارية، ومساحات الأراضي الصالحة للزراعة، وكميات هدر الطعام التي تُقدَّر بألف سعرة حرارية يوميًا لكل شخص. يستخدم "سميل" بيانات دقيقة من دول مختلفة لتفنيد الأفكار الخاطئة، مثل سبب استمرار سوء التغذية في الدول الغنية على وفرة الغذاء فيها . كما ينتقد الحلول المبسطة التي لا تراعي تعقيدات الواقع، مثل الدعوة إلى اعتماد نظام نباتي عالمي. بالإضافة إلى أنه يعالج موضوعات مثل عدم المساواة الغذائية والاستدامة عبر فصول مركزة حول مسائل رئيسة. ويرى، على سبيل المثال، أن إطعام 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050م، يتطلب تحسينات تدريجية في كفاءة الإنتاج والتوزيع، وليس تغييرات جذرية مفاجئة. ويركز، بوجهٍ خاصٍ، على قضايا ما بعد الإنتاج، مثل التوزيع الفعَّال، وتقليل هدر الطعام، ووضع السياسات المناسبة، عادًّا أن المشكلة ليست في كمية الغذاء المنتجة، بل في كيفية توزيعه واستخدامه.
يقول "سميل" إن الأجيال السابقة تكيّفت مع مواردها المتاحة، في حين يواجه العالم اليوم تحديات جديدة تتطلب تكيفًا مختلفًا مدعومًا بالتكنولوجيا والابتكار. فمثلًا، توسَّعت تربية الأحياء المائية خلال الأعوام الأربعين الماضية لتصبح مصدرًا أكبر للمأكولات البحرية مقارنة بالصيد التقليدي، وهو ما يجعلها خيارًا قابلًا للتوسع لتلبية الطلب العالمي على البروتين. كما كانت الثورة الخضراء في الستينيات مثالًا على كيف أن الابتكارات في المحاصيل والأسمدة والري قد أسهمت في منع المجاعات في دول مثل الهند والمكسيك، على الرغم من أن هذه التغييرات كانت تبدو في السابق مستحيلة.
يُشكّل هذان الكتابان وجهين لعملة واحدة: يحثُّ كتاب "باغيني" على التفكير الفلسفي في الغذاء بوصفه ظاهرة ثقافية وأخلاقية، بينما يُقدِّم كتاب "سميل" خطة إصلاحية قائمة على البيانات. وفي ظل التحديات المناخية والاجتماعية الراهنة، تؤكد رؤاهما المشتركة أن إطعام البشرية مسؤولية تتطلب تأملًا أخلاقيًا ودقة علمية؛ إذ لا تُعَدُّ الاستدامة ترفًا أو مجرد تحدٍّ تقني، بل واجبًا مشتركًا.
كيف يأكل العالم
فلسفة غذائية عالمية
How the World Eats: A Global Food Philosophy By Julian Baggini
تأليف: جوليان باغيني
الناشر: 2025م، Pegasus Books
كيف نطعم العالم
تاريخ ومستقبل الغذاء
How to Feed the World: The History and Future of
Food by Vaclav Smil
تأليف: فاكلاف سميل
الناشر: 2024م، Viking