تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld
اللغة المالطية، هي اللغة السامية الوحيدة في أوروبا، وتتكوَّن أساسًا من مزيج من العربية وشيء من الإيطالية والإنجليزية، ويتردَّد في حروفها صدًى لعهد أُسرٍ عربية حكمت الجزيرة فيما مضى.
لا ينسى محمد قاسم ذلك الموقف حين خاطبه موظف الجوازات في مطار مالطا الدولي قائلًا: (Għandek viża għal ħmistax-il jum).
يقول محمد: "أخبرني الموظف أن مدة تأشيرتي خمسة عشر يومًا، فانتابتني الدهشة لأنه خاطبني بالعربية".
إلا أن الواقع كان خلاف ذلك، إذ كان محمد، الذي نشأ في مدينة حمص السورية، على موعد مع أول احتكاك له باللغة المالطية، المؤلَّفة من خليط من لهجةٍ عربية، واللغتين الإيطالية والإنجليزية، وتُعدُّ هي اللغة السامية الوحيدة في أوروبا.
وبلمح البصر، أصبحت هذه المجموعة الصغيرة من الجُزر بين صقلية والساحل الإفريقي الشمالي بمثابة وطن له، بل إنه اليوم لا يبعد سوى خمس عشرة دقيقة بالسيارة عن المكان الذي وطأته قدماه لأول مرة قبل عشرين عامًا، حيث يقضي وقته مع أصدقائه في مطعم شاورما يسمّى "أليبو فود" أي: الأكل الحلبي.

الحضور الطاغي للعربية في اللغة المالطية ساعد محمدًا على أن يشعر وكأنه في موطنه بعد هجرته من سوريا.
يقول محمد: "أتحدث المالطية بطلاقة، لكن سرَّ سهولة تعلّمي إياها يكمن في أن العربية تشكل جزءًا كبيرًا منها".
تشكل اللغة العربية 32% من المالطية، ويؤكد الباحثون أن نسبتها ترتفع ارتفاعًا ملحوظًا في الحديث اليومي، لتصل إلى 60% تقريبًا. ويؤكد محمد على ذلك قائلًا: "معظم ما تعلمته من اللغة كان من حديثي مع الناس في الشارع. حتى إن اسم المنطقة التي نسكن فيها، حمرون، قريب من كلمة' حمراء ' العربية". ووفقًا لإحدى النظريات، يعود اسم المدينة إلى التربة الحمراء الموجودة في المنطقة.
تحديات تتبُّع التاريخ العربي لمالطا
استقرت سلالة الأغالبة العربية، الراجعة أصولها إلى أجزاء من دول ليبيا والجزائر وتونس الحديثة، في مدينة حمرون التي تضم حاليًّا عشرة آلاف نسمة، بعد تمكّنهم من انتزاع حكم مالطا من البيزنطيين في عام 870م.
إلا أن العثور على أدلة أثرية في مالطا تخلّد ذكرى هذه الإمبراطورية التي امتدت لقرون، يبدو أمرًا شبه مستحيل حسب مقولة السيد ماثيو غريما، وهو أحد الباحثين الرئيسين في هيئة التراث المالطية التي تتولّى حفظ القطع الأثرية في البلاد، إذ يؤكد: "إن سبب عدم إجراء أبحاث كافية على الحقبة الإسلامية في مالطا يعود لخلوِّ مجموعتنا من القطع الأثرية لتلك الحقبة".
ويعتقد غريما أن الغزو النورماندي لمالطا، الذي حدث في عام 1091م، أدى إما إلى تدمير بقايا العمارة الإسلامية في البلاد، وإما إلى تدهورها وتلاشيها تدريجيًّا.
ومع ذلك، فإن السوق الرئيسة في العاصمة فاليتا تحمل اسم (Is-Suq Tal-Belt) "سوق المدينة". ويدرك المتحدثون بالعربية فورًا أن جزءًا من هذا الاسم مطابق تقريبًا لكلمة "السوق" العربية. وفي مناطق أخرى من المدينة، تستقبل اللافتات الزوَّار بكلمة (merhba)، المشتقة مباشرةً من الكلمة العربية "مرحبًا". ويطلق اسم (Dar l-Emigrant) "دار المهاجرين" على مؤسسة محلية غير ربحية أُنشِئت لمساعدة المهاجرين المالطيين، حيث تتضمن في اسمها كلمة (Dar) التي تعني "منزل" في اللغتين.

من اليمين إلى اليسار: صورة السوق الرئيسة في فاليتا، وهي (Is Suq Tal-Belt)، بقراءتهم لكلمة (sūq) المُستمَّدة من "سوق" العربية؛ ثم لافتة تستقبل زوار مدينة غزيرا وتحمل عبارة (merhba) المشتقة من "مرحبًا" العربية؛ وبوابة في فاليتا تحمل لافتة عليها العبارة المالطية (Il-Bejta)، أي "العش" عند الحديث عن منزل مريح ودافئ، والعبارة مستمدة من كلمة "بيت" العربية.
“
تتفرَّد اللغة المالطية بأنها اللغة السامية الوحيدة في قارة أوروبا، كما تتفرَّد بأنها اللغة السامية الوحيدة التي تستخدم الحروف اللاتينية.
صمود اللغة العربية في مالطا عبر القرون
يقول أستاذ اللغويات المتقاعد من جامعة مالطا، وأحد أكبر علماء الجذور العربية للّغة المالطية في البلاد، جوزيف م. برينكات، إن جماعةً من الناطقين بالعربية استقرَّت في مالطا سنة 1048م، وهم وإن كان لا يُعرف الكثير عن موطنهم الأصلي، فإن لغتهم ظلّت صامدة في الجزيرة رغم الظروف الاستثنائية.
وبالرغم من أن الإيطالية اللغة الرسمية لمالطا لعدة قرون، يعلّق برينكات عن سلسلة الحكام الذين تعاقبوا على مالطا قائلًا: "لم يكلف النورمان وشعب شوابيا والأنجويون والأراغونيون والقشتاليون أنفسهم أبدًا عناء التدخل في طريقة تحدث الناس، طالما التزم السكان المحليون بالقوانين. كان الحكام راضين، وهكذا بقيت العربية صامدة في مالطا وحدها دون سائر البلدان المسيحية".
ويُفيد بأن إحدى اللهجات العربية القادمة من صقلية، التي كانت تُستخدم بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلاديين، وتُعرف بالعربية الصقلية، واصلت تطورها حتى في عهد فرسان الهيكل، وهو تنظيم مسيحي نشأ في العصور الوسطى وسيطر على الجزيرة من 1530م إلى 1798م. ويقول برينكات: "بما أن فرسان مالطا لم يكونوا منتمين إلى أي دولة أوروبية بعينها، فلم يكُن لديهم اهتمام بتغيير لغة كانت موالية لجهة خارجية".
وتظهر أبحاثه أن مالطا فقدت الاتصال الخارجي بالناطقين بالعربية في عام 1446م، ويقول: "منذ ذلك الحين بدأت اللغة المالطية تتطوَّر من تلقاء ذاتها، فأصبحت قواعدها اللغوية أيسر، وتبنّت الكتابة بالأحرف اللاتينية". وهذا ما يفسر جزئيًّا كونها اللغة السامية الوحيدة في العالم التي تكتب بالأبجدية اللاتينية مع إضافة علامات التشكيل (رموز تُضاف للدلالة على الأصوات المسموعة بشكل خاص في المالطية).
كما أن السياسة قد اضطلعت بدورٍ رئيس آخر في انتشار اللغة المالطية. حيث يقول برينكات: "استخدمها البريطانيون أداةً لفصل مالطا عن صقلية"، مشيرًا إلى أن التوترات السياسية بين البريطانيين والإيطاليين بدأت تتصاعد في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1934م، انضمَّت المالطية إلى الإنجليزية لغةً رسمية في البلاد.
ويوضّح برينكات أن البريطانيين لم يتوقفوا عن الترويج لأساطير تاريخية محرّفة صارت مدحوضةً اليوم، لكنها لا تزال عالقة بالأذهان. ويقول: "إذا رجعت إلى الموسوعة البريطانية في خمسينيات القرن الماضي، ستجد المقالة تصر على أن المالطية من أصل بونيقي وأن المالطيون هم عرق بونيقي".

على اليمين، شارع في فاليتا يحمل اسم الأسقف المالطي الكاثوليكي الراحل، ماورو كاروانا، ويستخدم الكلمة المالطية للطريق (triq) المشتقة من كلمة "طريق" العربية. كما أن كلمة (L-Isqof) قريبة أيضًا من كلمة "أسقف" العربية.في الوسط إشارة عبور تحذر المشاة باللغتين المالطية والإنجليزية: (stenna) المالطية، تشبه إلى حدٍّ كبير الكلمة العربية "استنَّى"، وأسفلها كلمة (wait) الإنجليزية، وكلاهما بمعنى "انتظر". على اليسار، أوريانا كاشيا، سيدة مالطية، تدرس العربية في منزلها في بلدة مارساسكالا الساحلية الجنوبية.
في بلدة مارساسكالا الواقعة على الساحل الجنوبي، تتصفح أوريانا كاشيا، البالغة من العمر سبعة وعشرين عامًا، كتاب تمارين اللغة العربية، وهي تُعرِب عن رغبتها في تعلُّم العربية التي لازمتها منذ طفولتها قائلةً: "كنت أعلم أنها قريبة للغاية من لغتي، ولكن ما دفعني فعليًّا للبدء في التعلُّم كانت رحلتي إلى المغرب قبل عامين".
وتُردف قائلة بأن تحدثها بالمالطية كان يلفت الناس من حولها في مدينتَي مراكش والصويرة، قائلةً: "كانوا سعداء للغاية بسماعهم للغة قريبة من لغتهم، وهذا ما جعلني أرغب في فهم اللغة العربية فهمًا كاملًا".

أٌنشئت مؤسسة (Dar l-Emigrant) غير الربحية لمساعدة المهاجرين المالطيين. وتتضمن في اسمها كلمة (dar)، التي تعني "منزل" في المالطية والعربية.
“
لقد شيّدت لغاتنا جسرًا بين ثقافاتنا.
عامر فريد
وقلّبت كاشيا صفحات كتابها لتصل إلى فصل عن الأرقام، فبدأت تشرح كيف أن العدّ في لغتها الأم يكاد يكون مطابقًا للعربية من حيث النطق، ولكن عندما يُطلب منها كتابة الأرقام صوتيًّا بالمالطية تضطر إلى الاستعانة بتطبيق ترجمة. وتقول: "عند تحدثي مع أصدقائي، أستطيع نطق كل شيء بالمالطية بنحوٍ ممتاز، ولكنها في الواقع لغةٌ منطوقة أكثر منها مكتوبة". وتتسع هذه الفجوة بسبب كثرة اللهجات المحلية المالطية التي لا يتحدثها سوى نصف مليون نسمة، في جزيرة صغيرة لا تستغرق الرحلة من أحد طرفيها إلى الآخر أكثر من أربعين دقيقة.
وقد أدى ذلك، إلى جانب تدفق أعداد كبيرة من الناطقين باللغة الإنجليزية إلى الجزيرة مؤخرًا وهيمنة وسائل الإعلام الصادرة بالإنجليزية، إلى دفع المسؤولين الحكوميين إلى التحذير مما يصفونه بالأزمة الوطنية، كما يظهر في عناوين صحف تايمز أوف مالطا ومالطا توداي. ويُشير المسؤولون أيضًا إلى ضعف إجادة المالطية حتى بين معلمي المرحلة الابتدائية.
إرث لغوي يمتد عبر التاريخ
يتجسد مزيج مالطا المتعدد الثقافات من المهاجرين، سواءً أولئك الذين قضوا في الجزيرة عقودًا من الزمن أو الذين تمتد جذورهم لقرون مضت، في شارع سانت جوزيف الرئيسي بمدينة حمرون.
حيث يقع متجر "إن شاء الله ميني ماركت" لبيع البضائع الإفريقية، بين كنيسة كاثوليكية ومطعم أفغاني. وعلى بعد بضعة مبانٍ فقط، وبعد المرور بمطعمٍ يرفع أعلامًا أمريكية وجزّارٍ أسترالي، ثمة محل اسمه "حلويات" لبيع المكسرات.
وصحيح أن منتجات الشوكولاتة المعروضة للبيع في هذا المحل مستوردة من تركيا، إلا أن صاحبه، عامر فريد، سوريٌّ بلا شك. وهو ما لا تخطئه العين عند تقليب النظر في بقلاوتهِ التي تفتقر لكمية العسل السخية التي يشتهر بها الأتراك.

صاحب المتجر السوري، عامر فريد، يعمل في محل "حلويات" لبيع المكسرات في مدينة حمرون، مالطا.
وإذ يوافقه عامر الرأي، لكنه يُشير إلى أمرٍ أعمق من مجرد التشابه اللغوي. ويقول: "لقد شيدت لغاتنا جسرًا بين ثقافاتنا، وأعتقد أن هذا هو سر الترحيب الذي أجده من الشعب المالطي". ويضيف: "لهذا السبب تحديدًا، بغض النظر عن أني سوري النشأة، تعلمت اللغة المالطية في غضون بضعة أشهر لا سنوات".
كتابة: جاك زاهورا، صحفي حائز على عدة جوائز.
تصوير: تارا تودراس-وايتهيل، مصورة صحفية حائزة على عدة جوائز.

