فرقة بوم ديوان الموسيقية تُحيي أغاني صيد اللؤلؤ في الخليج العربي.
تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld
واقفًا على حافة القارب الشراعي (الدّهو)، خلع غازي المليفي قطعة القماش التي يلفها حول خصره، ووضع قدمه داخل حلقة في نهاية حبلٍ مربوطة به صخرة ثقيلة بما يكفي كي تغوص به إلى الأعماق، قبل أن يقفز إلى مياه الخليج العربي قبالة سواحل الكويت ليجمع المحّار في سلّة، على أمل أن يحتوي بعضها على اللؤلؤ.
يرى المليفي، وهو عازف غيتار كويتي وباحث في علم الموسيقى العِرْقية، أن مهمة الغوص كانت أكثر من مجرد بحث عن الجواهر. حاول المليفي أن يعيش تجربة الحياة التي عاشها جدّه (وهو من أواخر "نواخذ" سفن صيد اللؤلؤ)، ليجمع ما تفرّق من تاريخ عائلته الذي لم يكُن يعرف عنه شيئًا.

المليفي يؤدي عرضًا في نيويورك عام 2022م، مع أرتورو أوفاريل وأوركسترا الجاز الأفرو-لاتينية. تصوير: مايك كروجر.
"كنت قريبًا من جدّي"، قال المليفي مستذكرًا، ثم أردف: "كان رجلًا اجتماعيًّا ومرحًا للغاية. فطلبت منه ذات يوم أن يحدّثني عن حياة البحر. وأجابني ببساطة: كل الرجال ماتوا في البحر". ولم يطلب المليفي معرفة المزيد. ومع ذلك، بَقيتْ تلك الذكرى عالقة في ذهنه. وتابع حديثه قائلًا: "منذ ذلك اليوم، تَولَّد فضولي لمعرفة طريقة العيش هذه بكل تفاصيلها".
وبعد عقدين من الزمن، عَلِم المليفي أن الموسيقى لعبت دورًا محوريًّا في صيد اللؤلؤ، إذ يقول: "لقد جعلت الموسيقى من الحياة في مهنة صيد اللؤلؤ ممكنة". وقادته أغاني صائدي اللؤلؤ إلى تكوين واحدة من أكثر الفرق الموسيقية تَفرُّدًا في منطقة الخليج: غازي المليفي وفرقة "بوم ديوان" بمصاحبة أرتورو أوفاريل.
واليوم، يؤدي هؤلاء الموسيقيون مزيجًا متنوّعًا من أجواء الموسيقى، يبعث على البهجة أحيانًا، ويجمع بين الإيقاعات الخليجية التراثية والأداء الصوتي الجَهُوْري، إلى جانب معزوفات موسيقى الجاز المُرتَجَلة على البيانو والساكسفون والغيتار الكهربائي.
قد لا يبدو الارتباط واضحًا بين مهنةٍ تقوم على الغوص المحفوف بالمخاطر في أعماق البحر بحثًا عن اللؤلؤ، وبين موسيقى إيقاعية غامرة تُعزف على أوانٍ فخّارية وطبول برميلية الشكل، ويقودها صوتٌ رجالي يغني عاليًا بمصاحبة جوقة تردّد خلفه بصوت رتيب وعميق.
وكان "النَّهَّام" من أعلى الأفراد أجرًا من بين كل طاقم السفن التي تخرج في رحلات صيد اللؤلؤ. والنهام هو مُغَنٍّ كان النواخذة يتنافسون على المتميّزين منهم، كما يقول المليفي موضّحًا: "ذلك لأنهم يُبْقون معنويات البحّارة مرتفعة طوال الرحلة".
وأغاني النهّام هي الضابط لإيقاع الأنشطة المعقَّدة خلال رحلات صيد اللؤلؤ، إذ تحدِّد مواعيد رفع الأشرعة وإنزالها، ومتى تُلقى المراسي، ومتى ينزل الغوّاصون في الماء، والأهم من ذلك، متى يُعادون إلى سطح السفينة بأمان.
كان الطلب على اللؤلؤ مرتفعًا للغاية في عالم الموضة حول العالم، والسواحل قبالة البحرين والكويت هي مصدرها الأساس. وقبيل اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، كان صيدُ اللؤلؤ العمودَ الفقري لاقتصاد المنطقة، ويمكن القول إن النهّام والموسيقيين المصاحبين له حظوا بالأهمية نفسها لدعم الحياة في منطقة الخليج، شأنهم في ذلك شأن أي موسيقي في أيّ مكان آخر.
يدرس الباحث في علم الموسيقى العِرْقية، الموسيقيُّ والملحن البحريني حسن الحجيري، موسيقى صيد اللؤلؤ في مقر إقامته في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يشير الحجيري إلى أن أكثر أشكال موسيقى صيد اللؤلؤ أصالةً في الوقت الحالي تُؤدى في مناسبات خاصة داخل غرفٍ ضيِّقة وطويلة، تُحاكي سفينة صيد اللؤلؤ من حيث الشعور المصاحب والتسلسل الهرمي الاجتماعي.
تم حظر هذا المحتوى
تحتاج إلى إعطاء الإذن.

ليزا أوركيفيتش
وتقول ليزا أوركيفيتش، أستاذة علم الموسيقى وعلم الموسيقى العِرْقية، المتخصصة في موسيقى شبه الجزيرة العربية وتراثها:
"يعود تاريخ صيد اللؤلؤ في الخليج إلى العصر الحجري الحديث، ربما قبل نحو 7,000 عام، إلا أنه من المستحيل تحديد أصول هذه الموسيقى بدقة، ولكن ذلك لا يمنع وجود قصصٍ عن منشأها".

رئيس البَحَّارة (المَجدمي) لسفينة البيان وطاقمها يغنّون ويقرعون الطبول في أثناء إبحارهم إلى ميناء مطرح في عُمان عام 1939م. المصدر: المتحف البحري الوطني، غرينيتش، لندن.
صائدو اللؤلؤ وأغانيهم
فن الفجري (موسيقى البحر): نوع من أنواع موسيقى صيد اللؤلؤ يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر.
الصوت: غناء جاذب من خلال نداء واستجابة بين المغني الرئيس والجوقة، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بالتصفيق والرقص الإيقاعي بالقدمين وقرع الطبول.
الاستخدام: ترافق هذا الفن أنشطة مثل التجديف، ونشر الأشرعة عند الإبحار، ورفع المراسي.
المواضيع: الحنين إلى الأحبة، ومخاطر البحر، والتسبيح لله، ورجاء التوفيق.
المصادر: تسجيلات مؤسسة سميثسونيان فولكوايز، اليونسكو.
كانت المخاطر على متن القوارب عالية، إذ إن الغواصين بطبيعة عملهم يواجهون خطر الغرق، أو الإصابة بداء تخفيف الضغط (داء الغواص) إذا أخطأ توقيت النّهام. ويصف الحجيري الأغاني بأنها "مسألة حياة أو موت". ويشير أيضًا إلى أن ثقافة صيد اللؤلؤ لها آثارٌ أوسعُ نطاقًا؛ إذ يقول: "نتحدّث كثيرًا عن الأغاني، لكن صناعة اللؤلؤ لا تؤثر فقط في الموسيقى، بل يمتد تأثيرها إلى اللغة، وإلى الطعام".
ويرى الحجيري أن البحر لم يشكّل حاجزًا بين الناس، بل ربط بينهم. يقول: "حين كان الناس يسافرون عبر البحر، اصطحبوا معهم لغاتهم وثقافاتهم، وعبر البحر أيضًا، وجدت الآلات والأنماط الموسيقية التي نشأت في بلاد فارس والهند وكينيا وزنجبار موطنًا جديدًا لها على ساحل الخليج العربي".
وبغضّ النظر عن أصولها الدقيقة، فقد أثارت التعقيدات الثقافية لموسيقى صيد اللؤلؤ اهتمام الكثيرين، من بينهم بيل براغن، المدير الفني التنفيذي لمركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي. ففي عام 2019م، وضع براغن تصوّرًا لمشروع موسيقي بعنوان المشروع الكوبي-الخليجي، وهو ما دفعه للتفكير في المليفي باعتباره فنّانًا على دراية واسعةٍ بإمكانيّات الموسيقى الخليجية.
وتؤكد هذه الفكرة أن هذا النوع من الموسيقى يحمل طابعًا عالميًّا بفضل ما له من روابط ثقافية تتجاوز منطقة الخليج.

الغواصون يتفقّدون صيد اليوم السابق قبل العودة إلى البحر. المصدر: المتحف البحري الوطني، غرينيتش، لندن.
قدّمت فرقة المليفي الموسيقية، في بداياتها، مزيجًا من موسيقى صيد اللؤلؤ وموسيقى الجاز. وتمثّلت فكرة براغن في دعوة قائد أوركسترا الجاز الأفرو-لاتينية في نيويورك، أرتورو أوفاريل (وهو ملحن وعازف البيانو أيضًا)، للتعاون مع موسيقيي فرقة المليفي المتخصصين في موسيقى صيد اللؤلؤ، للتعرف على ما يمكن أن يتمخّض عنه هذا التعاون.
وازداد اهتمام أوفاريل حين قرأ كتاب نيد سابليت الشامل بعنوان "كوبا وموسيقاها"، الذي يستهلّه المؤلف باستعراض متعمّق لفترة ما قبل التاريخ. وهنا، يستذكر أوفاريل لحظة إدراكه قائلًا: "في الحقيقة، لم أفكر قط أن إسبانيا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط كانت جميعها جزءًا من طريقٍ تجارة واحد للعبيد والتوابل وغيرها. ولهذا السبب، هناك الكثير مما يسميه سابليت بالممارسات الموسيقية العربية والإسبانية في شمال إفريقيا وغربها".فعلم أنه يتعيّن عليه أن يفعل شيئًا حيال ذلك.
التقى أوفاريل لأول مرة بموسيقيي صيد اللؤلؤ في غرفة معيشة المليفي، حيث جرت جلسة عزف جماعي رائعة، تبادل خلالها العازفون إيقاعاتهم المألوفة. ويتذكر أوفاريل تلك اللحظة قائلًا: "لقد ذُهلت عندما أدركت أن هؤلاء المهرة في إيقاعات موسيقى صيد اللؤلؤ يذكّروني بإيقاعات الغواغوانكو (إيقاع شعبي كوبي)، وبجميع ممارسات النداء والاستجابة التراثية الجميلة المنتشرة في جميع أنحاء إفريقيا وأمريكا اللاتينية".
وكان المليفي مندهشًا مثله قائلًا: "قال أرتورو: يا إلهي! هذا إيقاع بومبا أو بلينا (إيقاعات بورتوريكية)، فردّ زملائي: بل هذا إيقاع 'بنّاتي' "، وجميعهم كان يعزف الإيقاع نفسه. كانت لحظة إدراك عظيمة بدت فيها إفريقيا في القلب، تربط بين كل هذه العوالم الموسيقية".

قبيل اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، كان صيد اللؤلؤ العمود الفقري لاقتصاد المنطقة. المصدر: المتحف البحري الوطني، غرينيتش، لندن.
الغوص بحثًا عن اللؤلؤ
المعدات: معدات أساسية (مثل مشابك أنف من أصداف السلاحف، وواقيات للأصابع، وحبال للسحب، وأحجارٍ وسلال).
الطاقم: من 10 رجال إلى 30 رجلًا.
العمق: من 12 قدم إلى 40 قدمًا (3.6 -12 مترًا) في مياه الخليج الهادئة عادة.
عدد الغطسات: 50 غطسة يوميًّا، وتستغرق كل واحدة منها دقيقة تقريبًا.
الذروة: عام 1912م، والمسمى بـ "عام الوفرة العظمى"، قبل صعود النفط وانتشار صناعة اللؤلؤ المُستزرَع.
المصادر: فرونتيرز الولايات المتحدة الأمريكية، وكالة الأنباء الكويتية.
يُطلق على أهم أنواع قوارب صيد اللؤلؤ في الكويت اسم "بوم"، أما كلمة "ديوان" فمأخوذة من التركية وتعني الصالون أو المجلس. يقول المليفي: "ترمز سفينة البوم إلى الانطلاق، بينما يرمز الديوان إلى الترحيب بالناس واستقبالهم". فردد أرتورو الاسم بتمعن: "بوم... بوم!" يبدو الاسم رائعًا، هذا هو! هذا اسم فرقتك، 'بوم ديوان' ".
قد يكون إحجام جدّ المليفي عن تذَكّر تلك الفترة من حياته التي قضاها في صيد اللؤلؤ مرتبطًا بما هو أكثر من مجرد ذكريات تتعلق بأصدقاء فُقدوا في البحر. يشير الحجيري إلى أنه خلال شهور التوقف عن الصيد، يعزف موسيقيو صيد اللؤلؤ نمطًا من الموسيقى الطقسية يُعرف باسم "الفجري"؛ فما إن يتحرّر الموسيقيّون من قيود العمل في صيد اللؤلؤ، يقيمون جلسات عزفٍ تستمر أحيانًا طوال الليل، ينفتحون فيها على طيف أوسع من الإيقاعات والمشاعر الموسيقية، ولكن مع المحافظة على التسلسل الهرمي الذي يحكم السفينة، حيث يكون النهَّام والأشخاص الأكبر سنًّا على قمة الهرم.
وتحدث الحجيري عن الحقبة الاستعمارية قائلًا: "كان البريطانيون يخشون صائدي اللؤلؤ، إذ رأوا في تجمعات الفجري خطرًا محتملًا، لأنها تضم رجالًا يجتمعون للغناء والحديث ليلًا، مما قد يعني رغبتهم في التمرد أو الاحتجاج".
ولتجنّب انكشاف أمرهم، كان موسيقيو الفجري يحفرون أرضيات منازلهم حتى لا يتمكن رجال الشرطة من رؤية رؤوسهم عبر النوافذ في أثناء تجوّلهم في الشوارع. وتعليقًا على ذلك، قال الحجيري: "وهكذا، ظلّ الفجري بعد ذلك نشاطًا سريًّا للغاية لعدة عقود في البحرين".
عند تأسيس فرقة "بوم ديوان"، تعيّن على المليفي اكتساب ثقة موسيقيي صيد اللؤلؤ، وعلى وجه الخصوص حمد بن حسين، وهو إيقاعيٌّ كان جدُّه أول من أدخل الطبول البرميلية الهندية إلى هذا التراث في أوائل القرن الماضي. ويستذكر المليفي قائلًا: "تردّد حمد في العزف معنا في البداية، لأنه لم يكُن واثقًا إن كان ما أفعله يتسم بالاحترام بالقدر الكافي. كل هؤلاء الموسيقيين ينتمون إلى ديوانيات الموسيقى الكويتية التراثية (والديوانية هي صالونٌ للتجمّع)"، وقد تبيّن أن إخلاصهم للتراث لم يمنع التعاون المشترك بين الثقافات.

فرقة "بوم ديوان" تعزف بمشاركة أرتورو أوفاريل عام 2022م بجامعة نيويورك في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة. تصوير: وليد شاه.
على المسرح، تقدم الفرقة بأكملها عرضًا أخّاذًا، حيث يصطفُّ موسيقيو صيد اللؤلؤ مع طبولهم على جانب، وأوفاريل والبيانو خاصته على الجانب الآخر، بينما يقف المليفي، حاملًا غيتاره، ومعه عازف الباص وعازف الساكسفون في فرقته بالوسط.
إنه عمل متواصل ومتجدّد بطبيعته. وقد سجّلت فرقة "بوم ديوان" وقدّمت عروضًا موسيقية بمشاركة مايسترو الجاز الجنوب أفريقي ندودوزو ماخاتيني. ويندرج هذا المشروع ضمن موجةٍ جديدةٍ من العمل التجريبي في موسيقى الخليج.
وتقول أوركيفيتش: "إن الموسيقى مثل تلك التي تقدمها فرقة 'بوم ديوان' تلعب دورًا فريدًا، إذ تقدم تعبيرًا حديثًا عن الهوية الإقليمية، وتوفّر مدخلًا سهلًا يمكن للجماهير من خلاله، على المستويين المحلي والدولي، التعرَّف على الأصوات والإيقاعات والأنغام الخليجية".
ربما تكون مهنة صيد اللؤلؤ قد طواها التاريخ وباتت من الماضي، لكن الموسيقى التي منحت تلك المهنة الروح والإيقاع لا تزال حية، وتُعاد صياغتها بما يتناسب مع عصرنا الحالي.
بقلم: بانينج آير، كبير المنتجين لبرنامج أفروبوب وورلدوايد (afropop.org) الذي تبثه الإذاعة العامة الدولية (Public RadioInternational).
