تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld
خلفَ الخزائن المصنوعة من خشب الماهوجني والجدران المُغطاة بالبلاط الأبيض، وفي أحد المطابخ في حي نويدا بمدينة دلهي، يعيد الطاهي “صادف حسين” إحياء وصفات كانت تُقدَّم على مائدة السلطان. تتحرك أصابعه الماهرة في تناغم وهو يشكل قطعًا مثلثة من عجين الفيلو الرقيق، كما لو كان يرتب طيات من الحرير.
وفي أقل من ساعة، تُقلى نحو 20 قطعة من الساموسة -المعروفة باسم "سمبوسك" في بعض مناطق الشرق الأوسط، وباسم "سمبوسة" في شمال إفريقيا- محشوَّة بلحم الماعز المفروم، إلى أن تصبح مقرمشة ثم تُصف في طبق.
يُعِدُّ حسين كل سمبوسة من الصفر، يشكلها ويحشوها وفقًا لوصفة يعود تاريخها إلى 500 عام، مدوَّنة في صفحات كتاب مصوَّر لفنون الطهي، هو كتاب "نعمت نامه" أو كتاب "الأطباق الشهيّة" (1495م-1505م).
قد أُنجز هذا الكتاب بتكليف من السلطان غياث شاه (المعروف أيضًا باسم غياث الدين شاه، أوغياث الدين، أو السلطان غياث الدين خلجي)، وهو الحاكم غير التقليدي لسلطنة مالوا، فيما يُعرف اليوم بولاية ماديا براديش في الهند.
تخرج معجنات الطاهي الذهبية، ذات الطبقات الرقيقة وحشوة اللحم المُتبَّلة والقشرة المقرمشة، كما كانت منذ قرون مضت، محتفظة بنكهاتها التي لم تتغيَّر عبر الزمن.
يقول الطاهي وهو يفتح سمبوسة بين يديه ليكشف عن حشوتها المطهية بشكل مثالي "لقد ظل جوهر الطبق على حاله إلى حدٍّ لافت".

الطاهي صادف حسين يشرح طريقة تحضير الخيتشدي، وهو طبق من الأرز والعدس المنكّه بالحلبة، وتظهر إحدى نسخه القديمة في كتاب "نعمت نامه". وفي المقدمة كومة من البصل الأحمر المفروم جرى تقطيعه وتركه جانبًا لاستخدامه في حشوة السمبوسة من اللحم المفروم.
لم تقتصر المخطوطة التي يستند إليها في عمله (وهي كتاب يعود إلى القرون الوسطى في أواخر القرن الخامس عشر، يضم وصفات ورسومات توضيحية) على تقنين أطباق ما زالت محبوبة حتى اليوم فحسب، بل أسهمت في الارتقاء بالطهي إلى فن من فنون البلاط الحاكم، ولا يزال صداه يتردد في جميع أنحاء جنوب آسيا، من المطابخ المنزلية إلى أكشاك الشوارع وموائد الاحتفالات، محافظًا على قرون من التقنيات والنكهات.
يحتوي كتاب "نعمت نامه" أيضًا على نسخ قديمة من أطباقٍ أخرى لا تزال تُقدَّم على الموائد في دول جنوب آسيا، مثل: حلوى السميد وهي حلوى غنية بالزبدة، والخيتشدي وهو طبق من الأرز والعدس المنكّه بالحلبة، وكذلك القيمة وهي لحم مفروم مُتبَّل قليلًا.
“
كتاب نعمت نامه هو جسر يربط بين مطبخ القرون الوسطى والمطبخ المعاصر.
صادف حسين

أطباق من وصفات في كتاب الطهي.
"نعمت نامه"، كتاب طهي للبلاط الحاكم
عندما اعتلى السلطان غياث شاه العرش عام 1469م، أصدر بيانًا لافتًا قال فيه: "ستُفتح أبواب السلام والراحة والمتعة والبهجة"، وفقًا للمؤرِّخ المعاصر نظام الدين أحمد.
تقول مؤرخة العصور الوسطى والحقبة المغولية رنا سافي، وهي مؤلفة للعديد من الكتب حول دلهي عن اهتمام غياث شاه غير المألوف بالثقافة وفنون الطهي: "في العصور الوسطى كان يُنظر إلى الحكام على أنهم مثاليون إذا ما جمعوا بين القوة والرقي".
حينما تولى ابنه ناصر إدارة شؤون المملكة اليومية، كان السلطان غياث شاه يجمع الطهاة والموسيقيين والشعراء والرسامين وناشري الكتب من مختلف أنحاء العالم، وكان كثيرٌ منهم من النساء. وفي هذا البلاط الحيوي وغير التقليدي، وجَّه السلطان اهتمامه إلى الطعام، فأمر بكتابة مخطوطة تخلد ذوقه الرفيع.

بائع فواكه مجفَّفة يعمل في شوارع دلهي الصاخبة. تستخدم هذه الفواكه مع قشطة الحليب في أطباق تقليدية عريقة مثل سمبوسة الخويا.
النسخة الوحيدة المتبقية من كتاب "نعمت نامه" موجود في المكتبة البريطانية في لندن. وقد كُتبت هذه المخطوطة بخط نقش عريض، وهو أسلوب خطيٌّ أنيق يمزج بين تقاليد اللغة الفارسية والأردية، وتضم 50 لوحة مُصغَّرة بألوان زاهية، يُظهر العديد منها اهتمام السلطان غياث شاه بإعداد الطعام.
تقول أستاذة الأدب العالمي في جامعة يورك، والمحررة المشاركة لكتاب "الأطعمة المنسية: ذكريات ووصفات من جنوب آسيا المسلمة" كلير تشامبرز: "لقد سهَّلت المخطوطاتُ الغنية بالصور نقلَ المعرفة المتعلِّقة بفنون الطهي إلى جمهور من الحاشية والخدم، إذ كانت شريحة منهم غير ملمة بالقراءة والكتابة عمومًا". وأضافت: "فكان يمكن لأحدهم الإشارة إلى طبق أو مكون دون الحاجة إلى قراءة الخط الفارسي الدقيق. وأخيرًا، تحتفظ هذه الرسومات بتفاصيل أدوات المطبخ وطقوس تناول الطعام وحتى ترتيبات الموائد، وهي بيانات مرئية لا يمكن لأي وصفة مكتوبة أن تنقلها".

استخدام التوابل المعروضة هنا في سوق خاري باوري لبيع التوابل بالجملة. وإلى حدٍّ كبير، لا تزال هذه السوق كما كانت عليه في الفترة التي سبقت البلاط الحاكم للمغول والديكان. ريقة مثل سمبوسة الخويا.
يُعدُّ كتاب "نعمت نامه" أكثرَ من مجرد وصفات للطهي، إذ يشمل وصفات للأدوية والعطور والمنشطات الجنسية وطرق تحضيرها، مصحوبةً في أغلب الأحيان بتوجيهات مُفصَّلة لاستخدامها. وسيلاحظ القارئ نزعة من الطرافة تعكس أذواق غياث شاه غير العادية، حيث لم يكُن الطعام مجرد غذاء، بل كان أيضًا وسيلة للمتعة والاستعراض وحتى المزاح.
وعلى عكس كتب الطبخ الحديثة، لا يُصنَّف هذا الكتاب العتيق حسب فئات الوصفات. فقد يُتبع طبق الحساء (الشوربة) بطبق من المثلجات، أو قد تجد طبق اللحم المفروم بجانب الحلوى. لعل هذا الترتيب العشوائي ظاهريًّا يعكس طبيعة مطبخ غياث شاه الغريبة، فهو سِجِلٌّ حي للأطباق المُعدَّة وفقًا لما يشتهيه السلطان؛ ففي يومٍ قد تُقدَّم السمبوسة، والحلوى في اليوم التالي، وحساء لحم في اليوم الذي يليه. ومن الجدير بالذكر أن النص لا يقدم مقادير دقيقة للمكونات، مما يشير إلى أنه كان موجَّهًا للطهاة الماهرين المُطَّلعين على طرق الإعداد والتقنيات.
وتضيف تشامبرز: "أعتقد أن الابتكار الحقيقي لغياث شاه وابنه ناصر كان مُمنهجًا. لقد ارتقوا بالطهي من مجرد حرفة مطبخية غير معروفة إلى فن للبلاط الحاكم يستحق التوثيق، ومن خلال طلب الوصفات وإضافة الرسوم التوضيحية، وضعوا سابقة حذا حذوها لاحقًا البلاط الحاكم للمغول والديكان، مما أدى إلى إنتاج سلسلة متواصلة من كتب الطهي الأميرية".
ولم تحتَج الوصفات إلى تعليمات مكتوبة وواضحة لكي تصمد أمام اختبار الزمن. حيث انتقلت من الرَّقِّ إلى المطابخ، محمولةً في الذاكرة أكثر من المخطوطات.

تذكر المؤرِّخة رنا سافي أن من المهم للحكام في عهد السلطان "الجمع بين القوة والرقي".
من المخطوطة إلى أطعمة الشوارع
في جَنَبات دلهي القديمة المزدحمة، حيث تتطاير قطرات الزيت من مقلاة هنا وهناك، وتفوح روائح طيبة من محلات الحلويات في الشارع، لا تزال أصداء كتاب "نعمت نامه" حاضرة، حتى وإن لم يُسمع معظم الطهاة والمتذوقين باسمه قط. وتُعد الأسواق بمثابة أرشيف حي للسمبوسة، والبوري (الخبز المقلي)، والحلوى، وطبق اللحم، والأرز المعروف بالبرياني، حيث يحتفظ كل كشك فيها بجزء من ذاكرة الطهي.
في محل حلويات شيام في سوق تشاوري، الذي تأسس عام 1910م، يواصل صانع الحلويات سانجاي أغاروال من الجيل الرابع إحياء إرث عائلته عبر إعداده حلوى ناغوري الشهيرة، وهي عبارة عن قطع صغيرة بحجم اللقمة من البوري حلوة المذاق قليلًا، إلى جانب حلوى السميد. يقول أغاروال: "هنا تُطهى الحلوى على نار هادئة دائمًا. لا تتجاوز حرارتها حرارة شمعتين".
وعلى بُعد بضعة أزقة في حي تشيتلي كبار، يحافظ صهيب حسَّان على وصفات جَده في محل حلويات أمير.

أطباق السمبوسة والبوري الشهيرة، وهي من الأطباق الرئيسة على مائدة الإفطار.

تُعَدُّ الأسواق أرشيفًا حيًّا للأطباق المستوحاة من كتاب "نعمت نامه".
الختشدي والحلوى
الطاهي حسين، يجمع بمطبخه في دلهي حفنات من العدس والأرز لتحضير الختشدي، وهو طبق بسيط وتقليدي من الأطباق المدوَّنة في المخطوطة.
"ما نعدّه في المنزل يحتوي على نسبة أعلى من الأرز وأقل من العدس"، يقول حسين وهو يحمِّص الحبوب معًا قبل أن يضيف بضع حبات من بذور الحلبة (ميثي دانا) ورشة من الملح. ويتابع قائلًا: "أما في الكتاب، فالنسبة هي ثلاثة أجزاء من العدس (موونغ دال) إلى جزء واحد من الأرز".
يُنظر إلى الختشدي على أنه "طعام خفيف للمرضى"، فهو يحتوي على قليل من التوابل وسهل الهضم. ومع ذلك، يتساءل حسين عما إذا كان الختشدي "يُعَد آنذاك على أنه طعام خفيف للمرضى! أم أن مفهومنا عن 'الوجبة الصحية' قد تغير مع مرور الوقت".
وقد توصّل إلى أنها وجبة مُشبِعة بما يكفي لأي شخص. وأضاف أنه ليس من المُستغرب أن يتبنَّى المسافرون الأوروبيون هذا الطبق، ويحولونه إلى طبق تقليدي أنجلو-هندي وهو "الكيدجيري".

الحلوى المنزلية المستوحاة من كتاب نعمت نامه تُطهى وتُقدَّم مع رشَّة من المكسرات.
ينتقل حسين الآن إلى طاولة في الزاوية لتحضير مكونات الحلوى (halva)، وهو طبق حلوى محبوب في جنوب آسيا تعود جذوره إلى الكلمة العربية (الحلوى)، التي تشير إلى الطعم الحلو. ويشرح أن هذه النسخة من الطبق هي حلوى متعددة الحبوب، تجمع بين دقيق الأرز ودقيق الحمص المحمَّص ودقيق القمح الكامل لإضفاء قوام غني ومتعدد الطبقات.
ويضيف حسين: "كان العنصرُ المفاجئ [من الكتاب] استخدامَ ثلاثة مكونات تحلية في طبق واحد؛ الدبس والسكر والتمر. فأنا لم أتذوق حلوى مصنوعة من الدبس من قبل، لذا، فهذا بالنسبة إليَّ اكتشاف جديد. وباستثناء غياب الكافور والمسك اللذين استبدلتهما بـ"ميثا عتار" (وهو مستخلص عطري يٌستخدم في الطهي)، كان هناك توافق جوهري مع نعمت نامه في القوام وغنى المكونات والنكهة."
“
سهَّلت المخطوطات الغنية بالصور نقل المعرفة المتعلقة بفنون الطهي إلى جمهور كانت شريحة منه غير ملمة بالقراءة والكتابة عمومًا.
كلير تشامبرز
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
لا تزال تقاليد كتاب نعمت نامه حية في دلهي القديمة وأرجاء جنوب آسيا، حتى وإن لم يَسمع معظم الطهاة والمتذوقين باسمه قط.
حتى عند الباحثين أيضًا، فالكتاب القديم يقدم رؤًى تتجاوز النكهة.
تعلق تشامبرز بقولها: "وصفاتُ الطعام هي وثائقٌ حية"، متأملةً كيف يَذْكر كتاب "نعمت نامه" طرق التجارة والمكونات المحلية والغريبة وشبكات الثقافة التي رسمت ملامح سلطنة مالوا في القرن الخامس عشر.
بيدين ماهرتين، يضع حسين آخر ملعقة من الحلوى، قائلًا: "تقنيات إعداد الطعام تبقى خالدة، لكن جوهر الطبق يكمن في طريقة تحضيره". في مطبخ حسين، لا يزال كتاب "نعمت نامه" حيًّا، يضم خمسة قرون من تاريخ الطهي ما زالت محفوظة ومنتشرة حتى اليوم.
بقلم: نيلوسري بيسواس، كاتبة ومُخرجة أفلام ومُحررة صحفية.
وعدسة: عرفان نبي، مُصور عُرضت أعماله في العديد من الكتب والمعارض العالمية.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)