Hero image

من ستراتفورد إلى الأردن: أصداء شكسبير عند العرب

فبراير 12, 2026

شارك

تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld

 


الفصل الرابع، المشهد الأول

أطلال مدرّج روماني قديم، ليلًا. نسيم المساء يعانق الأعمدة. بريق النجوم يلامس الحجارة العتيقة، ومن مكانٍ ما، يتردّد صوت:

"أأنت متيقّن أننا مستيقظون؟ يبدو لي أننا لا نزال نيامًا، نحلم".

 

حلم ليلة منتصف الصيف

 

المشهد لا يدور في لندن، بل يتردد صداه بين مسارح حديثة وأطلال المدرّجات الرومانية المنتشرة في أرجاء الشرق الأوسط، حيث ينساب صوت مألوف – صوت شكسبير.  فكلماته، وإن وُلدت تحت سماء بعيدة، تجد لها أصداءً جديدة في الحجر وعلى خشبة المسرح على حدٍّ سواء. وفي ذلك السكون الرقيق القائم بين الثقافات وتعاقب الأزمنة، تستأنف الدراما الخالدة مسيرتها.

غدت أعمال شكسبير جزءًا من النسيج الثقافي العربي، بيد أن التأثير ينساب من الاتجاهين، إذ تشكّلت ملامح بعض مسرحياته، بصورة جزئية، بالحضور الثقافي للعالم الإسلامي، بدءًا من تقاليد السرد القصصي ووصولًا إلى واقع الشرق الأوسط السياسي. وذلك العمق ذاته من التبادل لا يزال ينبض حتى يومنا هذا. ومن أول العروض المسرحية الموثَّقة على المسارح العربية، لا تزال موضوعات شكسبير (الحب، والخيانة، والعدل، والطغيان، والمنفى، والخلاص) باقية. ومن خلال الترجمة والتكييف وإعادة الابتكار، ضربت مسرحياته جذورها في أرجاء المنطقة.


ومن مسارح القاهرة إلى استديوهات بيروت، يواصل الفنانون إعادة تشكيل حكاياته وبثّ نَفَس جديد فيها.

 

وبينما تُعرف شخصية "عُطيل"، التي تحمل المسرحية اسمها، أنها شخصية إفريقية مسلمة، أسهمت أمثلة أخرى من الثقافات الإسلامية في صياغة الحبكات والموضوعات في عدد من أعماله ذات الطابع الكوميدي والمأساوي.

المسرح في سياق التجارة

 
عندما وطئت قدم شكسبير خشبة مسرح لندن، لم يكُن العالم الإسلامي خيالًا بعيدًا، بل كان منسوجًا بعمق في الخيال العالمي والسياسي لعصره. فإنجلترا، في عهد الملكة إليزابيث الأولى، قد دخلت في علاقات دبلوماسية مع سلطنة المغرب، وانخرطت في التجارة مع الإمبراطورية العثمانية.

وترى الباحثة في أدب شكسبير والأدب الإنجليزي في بدايات العصر الحديث في جامعة هارفي مود في الولايات المتحدة، أمبرين دادابهوي، أن الثقافات الإسلامية تؤدي دورًا لا يمكن وصفه بـ "نص الظل" في مسرحيات شكسبير، فهي حاضرة ومؤثرة، لكنها نادرًا ما تُسمَّى.

وفي كتابها "شكسبير عبر العوالم الإسلامية" تبحث في الكيفية التي أسهم بها الإسلام والثقافات الإسلامية في تشكيل الحبكات والموضوعات والنسيج العاطفي لأعماله، من مآسي البحر الأبيض المتوسط إلى التاريخ الإنجليزي.
ومن خلال تركيزها على حضور المسلمين في هوامش أعمال شكسبير، تكشف كيف أسهم الإسلام في إثراء الخيال الثقافي الذي أسس عالم الكاتب المسرحي ورؤيته.

شخصيات مثل "أمير المغرب" في "تاجر البندقية" و"سيكوراكس" في "العاصفة"، ترتبط جغرافيًّا بالثقافات الإسلامية. ومع ذلك فإن عقيدتهم لم تُذكر بوضوح قط. تقول دادابهوي: "إذا كان [أمير المغرب في المسرحية] أميرًا للمغرب، فلا بدّ أن يكون مسلمًا"، مشيرةً بذلك إلى الغموض الاستراتيجي الذي يعتمده شكسبير. أما "سيكوراكس"، الساحرة التي لا تظهر مباشرة، فتوصف بأنها "من الجزائر" باعتبارها منطقة ذات أغلبية مسلمة، مما يشير مرة أخرى إلى وجود إسلامي دون تحديد مباشر.

وترى أن هذا الإغفال ليس عارضًا، بل يعكس بعمومية أكبر "إفراغًا لحضور المسلمين" من الأماكن التي كانت على مر التاريخ متعددة الأديان والأعراق، وينطوي ذلك على نسيان انتقائي يُبقي الإسلام في السياق ولكن دون تناوله مباشرة. وقد جاء هذا الإقصاء الثقافي على خلفية تفاعل دبلوماسي حقيقي وفعلي. ويشير الأستاذ مايكل دوبسون، مدير معهد شكسبير في جامعة برمينجهام في المملكة المتحدة، إلى أن "القلق كان واسع الانتشار في أوروبا المسيحية إزاء توسّع الإمبراطورية العثمانية. وأن التحالفات والمخاوف في شمال إفريقيا كانت جزءًا من المشهد الجيوسياسي المحيط بشكسبير". 

كان جمهور شكسبير على علمٍ تام بما شهده عصره من تبادل دبلوماسي حديث مع العالم الإسلامي. ويضيف دوبسون قائلًا: "في عام 1600م، استقبلت إليزابيث الأولى وفدًا دبلوماسيًّا من سلطان المغرب، أحمد المنصور. ويُقال إن سفيره، عبدالواحد بن مسعود، قدم لها لوحة فنية ترسم السفير، نجدها اليوم معلقةً الآن على جدار في معهد شكسبير"، وذلك في خضم نقاشاتٍ دارت حول تحالفٍ محتمل.

وبعد أربع سنوات فقط، كتب شكسبير مسرحية "عُطيل"، وهي مسرحية تصور حملة عسكرية مسيحية ضد العثمانيين في قبرص. والمعركة وإن كانت خيالية إلا أنها تثير المخاوف التي تعكس توتراتٍ دبلوماسية ودينية حقيقية في ذلك الوقت.

ترك هذا الواقع السياسي آثارًا في مسرحيات شكسبير. تشير سيكوراكس، كما ذكرنا أعلاه، إلى هوية إسلامية غير مباشرة من خلال جغرافيتها. أما "أمير المغرب" المعتد بنفسه فيدخل المسرح بوقارٍ نبيل وإشارات مشفرة للثقافة الإسلامية، دون أن يُسمّى مسلمًا قط.

ويقول دوبسون إن هذه الروابط أغنت خيارات شكسبير الدرامية. "فهذه الشخصيات كانت تتحرك ضمن سياقٍ سياسي أوسع ميَّزهُ الجمهور الإليزابيثي بوضوح".
ويتناقض هذا الحضور غير المباشر مع غزارة تقاليد السرد القصصي في العالم الإسلامي التي تركت بصمتها في النسيج العاطفي والشعري لمسرحيات شكسبير (وهي التقاليد التي يغفلها النقد الأدبي الغربي في كثير من الأحيان مع أنها تُعد أساسًا لفهم سبب استمرار صدى شكسبير القوي عند العرب).

فحكايات الانتقام والمنفى والتنكر والخلاص، التي تمثل أهم ما في السرد العربي وأكثر موضوعاته انتشارًا، تجد تعبيرات جديدة في دراما شكسبير، كما تفسّر سبب استمرار أعماله في أسر الجماهير والفنانين والمفكرين العرب على حدٍّ سواء.

تذكرنا هذه الشخصيات، الآتية من الشرق والغرب معًا، بأن ساحة المعركة الحقيقية غالبًا ما تكون في ذاتنا.
لقمان علي

مفترق الحب والمأساة

لم تقتصر التقاليد الأدبية العربية على تشكيل الخيال السياسي لشكسبير فحسب، بل أسهمت كذلك في البنية العاطفية لرومانسياته.
وتشير أستاذة الدراسات الإسلامية وشاغلة منصب كرسي أبحاث مالاس في جامعة كليرمونت للدراسات العليا، رقية خان، إلى أوجه تشابهٍ عميقة بين "روميو وجولييت" وقصة العشق العربية الأسطورية "مجنون ليلى" المدوَّنة للمرة الأولى في القرن التاسع.

تقول رقية خان: تتمحور القصتان حول مأساة عاشقين شابّين. وبوحهما الصريح عن الحب ينتهي بخيبة، بسبب صراعاتٍ اجتماعية وأسرية، فالاضطرابات العاطفية، والمنعطفات المأساوية، والموت في النهاية، ولا سيما يأس العاشق الرجل، متشابهة في مأساويتها".

وشكسبير، وإن كان لم يطّلع -على الأرجح- على "مجنون ليلى" مباشرةً، إلا أنه ورث تقليدًا أدبيًّا، تشكّل عبر قرون، من الرومانسية العربية والفارسية.
كذلك الأمر في قصة "خسرو وشيرين"، وهي ملحمة فارسية وجدت لها صدى في السرد القصصي العربي وفي الشعر العذري العربي، وهو نوع أدبي يقوم على حب عفيف ومأساوي، حيث يلتقي الشغف العميق بانفصال محتوم.
وقد شكلت هذه التقاليد جزءًا من الجو الثقافي الثري، الذي انتقل عبر إسبانيا وإيطاليا وشرق البحر المتوسط، والذي ألقى بظلاله على الرؤية المأساوية لشكسبير بأصداء قصص الحب الشرقية.

تبلور فكر شكسبير، في جانب من تجربته، بتأثير من تقاليد السرد القصصي في العالم الإسلامي والواقع السياسي في منطقة البحر المتوسط، وهي معطيات كان جمهوره على وعي بها.

الحضور المؤثر لشكسبير  عند العرب 

توضح دادابهوي أسباب استمرار التفاعل العميق عند الفنانين والجماهير العرب مع أعمال شكسبير. وتشير إلى أن: "سياق البحر الأبيض المتوسط الشكسبيري لا يتناول الإسلام، رغم حضوره الجغرافي والتاريخي الراسخ في تلك المنطقة". وترى أن إعادة قراءة شكسبير من زاوية عربية لا تمثل بعدًا فنيًّا فحسب، بل هي أيضًا ذات بعد تكيفي يعيد إلى خشبة المسرح أصواتًا طال تهميشها.

ولا تزال مسرحيات شكسبير اليوم تنبض بالحياة في السياقات العربية من خلال اهتماماتها الإنسانية المشتركة، كالعدالة والولاء والحب والكبرياء، فضلًا عن أنها ركيزة فاعلة للنقد السياسي والحوار الثقافي.
ووفقًا لما قاله يوسف أبو عامرية عوض، المتخصص في أثر شكسبير في الثقافة العربية، أن الكُتّاب العرب تعاطوا تاريخيًّا مع شكسبير بطرق متنوعة. "سعى بعضهم إلى محاكاة أعماله بطريقة تعكس فهمهم في السياق الأصلي. بينما عمد آخرون إلى تقديم طرحٍ جديد لمسرحيات شكسبير لتتناسب مع الأذواق والتقاليد المحلية".

فعلى سبيل المثال، يضع الكاتب المسرحي السوري ممدوح عدوان في مسرحيته "هاملت يستيقظ متأخرًا" (1976م) تصوَّرًا جديدًا لشخصية "هاملت" بوصفه مثقفًا وغير قادر على التعاطي مع النقاشات الأخلاقية وعاجزًا عن التصرف بشكل حاسم.  وفي مسرحية "روميو وجولييت في غزة" (2016م)، يعيد المخرج الفلسطيني، علي أبو ياسين، صياغة القصة الكلاسيكية للحب المُحرَّم ضمن سياق محلي، فيما يضع المخرج العراقي مناضل داوود في عمله "روميو وجولييت في بغداد" (2012م) قراءة جديدة لعشاق شكسبير ولكن في المجتمع العراقي المعاصر.

يصف يوسف عوض هذا الطرح الجديد أنه جزء من "علاقة متشعبة"، تتفرّع فيها نصوص شكسبير إلى قصص ثقافية محلية، تولِّد أعمالًا جديدة وتعيد تأويل أساليب الطرح الجديدة، مثل مسرحية الكاتب المسرحي الأردني زيد خليل مصطفى "هاملت، بعد حين" (2018م)، التي تأتي حكايتها امتدادًا للطرح الجديد الذي قدمه ممدوح عدوان، لا للنص الأصلي لشكسبير.

ويمتد نطاق هذا الأسلوب ليشمل الأدب أيضًا، إذ يوظف الكُتّاب العرب في المهجر مواضيع شكسبير لتقصي أزمات العصر الحديث. فكل من رواية "الطريق من دمشق" (2018م) للروائي السوري البريطاني روبن ياسين كساب، ورواية "الهاربون" (2021م) للروائي السوداني البريطاني جمال محجوب، ورواية "دخول الشبح" (2024م) للروائية الفلسطينية البريطانية إيزابيلا حماد، استأنست جميعها بمسرحية "هاملت" لتناول موضوعات التهجير السياسي والهوية الثقافية والمقاومة. يشير يوسف عوض إلى أن هذه الأعمال عبارة عن "روايات استئناسية بذكاء"، ولكنها مستقلة بذاتها، وفي الوقت نفسه تستحضر هموم شكسبير الإنسانية الخالدة.

 

في عام 2004م، استضاف مسرح جلوب في لندن موسم "شكسبير والإسلام"، الذي قدم معالجة جديدة لحكايات شكسبير الخالدة حول الحزن والفرح والحب والفقد.

التطلع الروحي في أعمال شكسبير والأدب الإسلامي

 

تتسم أعمال شكسبير بجانب روحي يتناغم بعمق مع التقاليد الإسلامية. ويشير لقمان علي، مؤسس شركة خيال المسرحية في المملكة المتحدة، إلى أن الشخصيات في أعمال شكسبير وفي الأدب الإسلامي الكلاسيكي، تخوض صراعًا مع أسئلة الأخلاق والقدر والروح الإنسانية. "ومثلما أن عشّاق الرومي ومريديه لا بد أن يفقدوا ذواتهم ليجدوا المحبوب، فإن خشبة مسرح شكسبير تصبح مرآة لرحلة الروح الخفية، وهي دعوة، حتى اليوم، للبحث عمّا يتجاوز ظاهر العالم".

ويعقد علي مقارنات واضحة في هذا السياق: تُستخدم "بورشا"، بطلة مسرحية "تاجر البندقية" مثل "شهرزاد" في "ألف ليلة وليلة"؛ الحكمة والعطف لتحويل الظلم إلى رحمة. ويشترك "هنري الخامس" في مسرحية شكسبير في صفاتٍ مع الأبطال الفرسان في حكايات العجائب وملحمة "حمزة نامة"، فهي شخصيات لا تُعرَّف بالانتصار فحسب، بل بالخصال الأخلاقية التي تتمتع بها. ويقول علي: "تُذكِّرنا هذه الشخصيات، من الشرق والغرب، بأن ساحة المعركة الحقيقية تكون غالبًا داخل ذواتنا". وتقدم نماذج "تلبي التطلع العميق لدى الإنسان تجاه الغاية ومعرفة الذات".

وفي مسرح خيال، قدم علي معالجة جديدة لشكسبير من خلال جوهر الحكواتي العربي، أي راوي الحكايات التقليدي في الأسواق. وخلال موسم شكسبير والإسلام في مسرح جلوب في لندن في عام 2004م، جسدت "حكايات السوق" للخيال قصصًا عن الحزن والفرح والحب والفقد ضمن مساحات ثقافية نابضة بالحياة.

ويوضح علي "من خلال روح السوق، تعود مسرحيات شكسبير إلى جوهرها الحقيقي، أي حكايات إنسانية كُتبت لتُروى وتُتأمّل وتُعاش تفاصيلها.
وفي هذه العروض، تصبح شخصيات شكسبير قريبة منّا، وتغدو معضلاتها تجارب نعايشها جميعًا. 

وبدلًا من أن يكون شكسبير من بقايا الإمبراطورية، فإنه يَبرُز حلقةَ وصل حية ومؤثرة، شاهدةً على الصراعات الأخلاقية والأحلام والمعضلات المشتركة التي تجمع البشر. ومع استمرار الجماهير والفنانين والباحثين العرب في قراءة أعمال شكسبير وعرضها، وتقديم معالجات جديدة لها، فإنهم يذكِّرون العالم بأن شكسبير ينتمي إلى السوق بقدر ما ينتمي إلى خشبة المسرح، وإلى الرياض والقاهرة بقدر ما ينتمي إلى لندن، وإلى كل روحٍ تسعى لفهم أعماق النفس البشرية.

 

بقلم: إندليب فارازي، صحفية وكاتبة قصص.

ورسوم: إيفي جونسون، رسّامة وفنانة كاريكاتير.