تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld
التطوير المستمر للمواد التي تصنع منها الكرة وتركيبتها يؤثر في حركتها على أرض الملعب، مغيرًا بذاك معالم لعبة كرة القدم شيئًا فشيئًا.
تبدو كرة القدم في ظاهرها بسيطة، لكنها أبعد ما تكون عن ذلك؛ ففي الزمن الذي سبق عصر تتبع بيانات الكرة وهندستها وتحليلها، كانت الكرة أقل إتقانًا بكثير.
قبل أن تُحدث الرقائق الإلكترونية المدمجة والهندسة الدقيقة تحولًا جذريًّا في اللعبة بوقت طويل، كانت الكرات تتميز بالهياكل الجلدية البسيطة والخياطة اليدوية، كتلك المعروضة بجانب الأحذية التراثية في متحف بيميش المفتوح بمدينة دورهام الإنجليزية.
في العصور الوسطى في إنجلترا، حيث ترسخت جذور اللعبة، كانت الكرة مجرد جلد مخيط يُحشى بالطحلب أو الفلين، أو مثانة خنزيرٍ تُنفخ وتُلف بجلد حيواني، ونادرًا ما كانت الكرات مستديرة وتفتقد للتماثل في التصميم.
مع بداية نشأة اللعبة الحديثة في القرن التاسع عشر، لم تتطرَّق قوانينها إلى مواصفات الكرة من حيث الحجم أو الوزن، تاركةً هذا الأمر لاتفاق الفِرَق. تغيّرت الكرة تدريجيًّا حتى بلغ محيطها قياسًا موحدًا يتراوح بين 68 و70 سم، ووزنًا ما بين 410 و450 غرامًا، وظلت هذه الأرقام ثابتة بنحوٍ ملفت منذ ذلك الحين.

كرة قدم مصنوعة من الجلد.
تُعد كرة القدم اليوم من أكثر العناصر إتقانًا وإحكامًا في تصميمها الهندسي في المجال الرياضي؛ فسطحها، وخيوطها، بل وحتى الهواء غير المرئي الذي ينساب حولها، كلها تُختبر اختبارًا دقيقًا بغية إجراء التحسينات اللازمة عليها. رغم كل هذا، فإن هذه العملية في جوهرها مجرد محاولةٍ لحل مشكلة لا تزال قائمة.
يقول عالم الفيزياء في مجال الرياضة جون إريك غوف: "في حين أننا نعي ما تعنيه الكرة في سياق علم الرياضيات، فإن تجسيدها في الواقع، بحيث تكون كل نقطة على سطحها متساوية البعد تمامًا عن مركزها هو ما لم نستطِع فعله حتى الآن".

كرات قدم في مصنع لتصميم كرة القدم.
قبل أن تصل الكرة إلى أرض الملعب بفترةٍ طويلة، تبدأ مسيرتها مثل قطع الأحجية.
ففي مدينة سيالكوت شمال شرق باكستان، التي تنتج 70% من كرات القدم في العالم، تُقصُّ القطع التي تشكّل سطح الكرة، وتُرتَّب، ويؤلَّف بينها بدقة اكتُسبت مع مرور السنين. وتتم هذه العملية بتكرارٍ فائق الدقة وتعتمد على الذاكرة العضلية للصانع واتّباعه للتعليمات بالقدر نفسه.
تشرح صغران بيبي، وهي إحدى كبار العاملات في سيالكوت، تلك التقنية التي ظلّت ثابتة إلى حدٍّ كبير منذ بدايات القرن العشرين، وإن تغيرت المواد المستخدمة قائلةً: "نخيط الكرة من جهتها الداخلية لضمان متانة الخياطة وعدم ظهورها".
يشدُّ العمال الخيط المُشمَّع بأيديهم بإحكام عبر طبقات من المواد الصناعية، قطعةً تلو الأخرى، إلى أن تبدأ هيئة الكرة في التشكُّل. ولأن للخبرة مكانتها، تُسند القطع الأخيرة في بعض الورش إلى أمهر الأيدي العاملة.
تقول عائشة، إحدى الخيّاطات، التي اكتفت بذكر اسمها الأول: "إن الجزء الأخير يحتاج إلى قوة أكبر".
وعلى الرغم من تطور قطاع التصنيع، تظلُّ هذه التقنيات جزءًا لا يتجزَّأ من العمل. وفي كثيرٍ من الأُسر، تُورَّث الحرفة للأجيال القادمة بالمشاهدة والتكرار، لا بالتدريب المنهجي.

مدينة سيالكوت شمال شرق باكستان تنتج 70% من كرات القدم في العالم.
منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين، كانت الأيدي العاملة في باكستان تصنع كرات القدم من قطع سميكة من الجلد المحلي، تُخاط حول قربةٍ مطاطية. وكانت تلك الكرات تمتص الماء في الظروف الرطبة، مما يجعلها أثقل والسيطرة عليها أصعب.
بدأ الأمر يتغير بدخول عصر الإنتاج الصناعي الضخم للكرات الحديثة على يد شركات مثل نايكي وبوما وميتري وأديداس، وتولَّت الأخيرة من بينها صناعة كرات بطولة كأس العالم منذ عام 1970م. وبينما تحسَّنت المواد وحلَّ الطلاء الصناعي محل الجلد، بدأ تغييرٌ آخر أقل وضوحًا في إعادة تشكيل الكرة. فمع سعي المُصنِّعين إلى تحقيق قدرٍ أكبر من الاتساق والمتانة، أصبحت كيفية خياطة القطع التي تشكل سطح الكرة محط النظر.
وبمرور الأيام، حققت الآلات الاتساق المطلوب، إلا أن الخبرة البشرية ظلت ضرورة لا غنى عنها.
ويشرح غوف قائلًا: "يساعد الربط الحراري في الحفاظ على جفاف القطع واتساقها، إذ إن أقل قدرٍ من الرطوبة يغير مسار الكرة وإحساس اللاعب بها".
ويُبدي فخره بعمليات الأتمتة في مصنعه حاليًّا، ويصفها بأنها "لا تُضاهى".
ويضيف: "نحن نستخدم تقنية القطع بالليزر والروبوتات... كما أصبحت الطباعة مؤتمتةً أيضًا، إذ تتطلَّب من المُشغِّل فقط إدخال التصميم في الآلة أولًا، ثم التراجع وترك المجال لها لتؤدي عملها".
كشفت المواد الحديثة عن سلوكيات مختلفة، مما استدعى تطوير عمليات ومهارات جديدة. وتوجب على الأيدي العاملة التي أمضت سنوات في إتقان أسلوب معين أن تتأقلم. وبمرور الأيام، حققت الآلات الاتساق المطلوب، إلا أن الخبرة البشرية ظلت ضرورة لا غنى عنها.

تصميم كرة القدم للعام 1930م.
لكن العبرة لا تكمن في هيئة الكرة، بل في حركتها عبر الهواء.
يصرح غوف قائلًا: "الكرة التي كانت نقطة انطلاقة مسيرتي حقًّا هي الجابولاني"، في إشارة إلى الكرة الرسمية لكأس العالم 2010م في جنوب إفريقيا. وكلمة "جابولاني" تعني "الاحتفال" في لغة الزولو، وهي لغة تنتمي إلى لغات البانتو الجنوبية. إذ مثلت هذه الكرة، التي يتكون سطحها من ثماني قطع فقط، تغييرًا جذريًّا عن المتعارف عليه.
ترى حراس المرمى الآن كثيرًا ما يضطرون لصد الكرة دون الإمساك بها، وذلك لكثرة حركتها في الهواء.
مارك أوفرول

الكرة الرسمية لمونديال كأس العالم 1974م.
ولا تخفى تلك الفروقات على لاعبي الميدان أيضًا
تصرّح قائدة أحد الأندية الإنجليزية للسيدات، مونيكا باولي: "تنطلق الكرات الأخفُّ وزنًا في كل اتجاه، وتزداد سهولة انزلاقها وسرعتها على أرضية الملعب، خاصةً عند تعرُّضها للبلل حيث تكون أشبه بالبلاستيك".
في المقابل، تختلف الكرات ذات الملمس الأكثر خشونة في أدائها، وتوضح ذلك قائلةً: "تنخفض سرعتها بشكل طفيفٍ بفضل الاحتكاك الأكبر لسطحها، مما يمنحك تحكمًا أفضل في التمريرة".
وتفيد بأن لتلك الفروقات الصغيرة أثرًا تراكميًّا. إذ يتأثر مسار الكرة وكيفية فهم اللاعبين له بملمس سطحها، والمادة التي صُنعت منها، بل وحتى نوع أرضية الملعب.
وتضيف: "تؤثر أرضية الملعب في سير الكرة أيضًا؛ ففي ملاعب الجيل الثالث الاصطناعية، قد تتحرَّك الكرة بانسيابية، في حين قد تتذبذب وتفقد سرعتها على العشب الطبيعي".
ثمَّة تفاعل متواصل بين الكرة وما يحيط بها.

كرة القدم المعتمدة لمونديال كأس العالم 2026م.
ما وراء القطع
واصل المصممون في السنوات الأخيرة سعيهم لخفض عدد القطع التي تغطي سطح الكرة، فتراجعت من اثنتين وثلاثين إلى ثماني قطع، ثم ست، حتى باتت أربعًا فقط في كرة "تريوندا"، وهي الكرة الرسمية لبطولة كأس العالم هذا العام.
وللوهلة الأولى، توحي هذه التغييرات بكرة أكثر ملاسة ولكن أقل ثباتًا. إلا أن التقدم في مجال هندسة الأسطح عوّض ذلك. إذ أصبحت التعرُّجات السطحية والملمس ومواضع الخياطة تؤدي دورًا أكثر أهمية من عدد القطع بمفردها.
يقول غوف: "الغاية هي الاتساق، فاللاعبون يريدون من الكرة أن تسلك السلوك ذاته الذي يتوقعونه".
والاتساق لا يقتصر على كونه غاية تقنية فحسب، بل هو استجابة لخبرة اللاعبين المكتسبة أيضًا. فحين تسلك الكرة سلوكًا غير مُتوقَّع، يختل إيقاع المباراة. وهو الأمر الذي تسعى التصاميم الحديثة إلى تفاديه. حيث زُوِّدت الكرات التي تلت كرة الجابولاني بنسيجٍ سطحيٍّ أكثر خشونة؛ ليتحسن استقرار تدفق الهواء حولها. هذه التغييرات طفيفة، لكنها تصنع الفارق على أعلى المستويات.
ويضيف غوف: "يدرك نخبة اللاعبين هذه الاختلافات فورًا، ونحن نقترب من نهاية مرحلة خفض عدد القطع، فالحد الأدنى هو قطعة واحدة، لكن المجال لا يزال متاحًا لضبط الديناميكية الهوائية من خلال تصميم السطح".
وفي النهاية، لا يمكن تحقيق أي تغيير جوهري إلا بجهود اللاعبين والجماهير والاتحادات المنظمة.
ويشير أوفرول قائلا: "تقف قدرة المصنعين عند سقف مُعيَّن، فليس بالإمكان الاستمرار في تخفيف وزن الكرة إلى الأبد، إذ تصل إلى نقطة تحدد فيها اللعبة هويتها".
غير أن التقنيات المطورة التي طرحتها أديداس سيمتدُّ تأثيرها إلى ما هو أبعد من تحليق الكرة وحركتها.
تحتوي كرة تريوندا على جهاز استشعارٍ مُدمَج في قطعة من قطعها بدلًا من المركز، لتتبُّع حركة الكرة وإرسال البيانات فوريًّا. حيث تستطيع هذه الأنظمة رصد لحظة ركل الكرة بدقة، لتوفر معلومات دقيقة للحكام تسهم في دعم اتخاذهم لقرارات التسلل وغيرها.
المجال لا يزال متاحًا لضبط الديناميكية الهوائية من خلال تصميم السطح.
جون إريك غوف
ويضيف أن وزنها لا يتعدَّى بضعة غرامات، فلا تكاد تُلاحَظ. ومظهر الكرة لم يتغير، لكنها أصبحت الآن تنقل المعلومات إلى جانب حركتها.
تبدأ الكرة رحلتها من الورش والمصانع، فتقطع القارَّات، وينتهي بها المطاف في الملاعب المحلية وميادين التدريب، وفي أكبر الملاعب حول العالم. وحينئذٍ، تكون قد مرت بأيدٍ عديدة وأفكارٍ كثيرة، شكَّلت ملامحها الحرفة وأتقنتها الهندسة واختبرها العلم وصقلها اللاعبون.
وفي الختام، تظلُّ الكرة شيئًا غير مكتمل، لم تصل إلى التماثل التام في صنعها، ولا يُرجح أن تصل إليه. أما بالنسبة إلى صانعيها، فتبقى تلك الرحلة بعيدة وقريبة من القلب في آنٍ واحد.
وتقول صغران بيبي: "عندما نرى الكرة على التلفاز، تغمرنا فرحة لا توصف؛ فنحن نعلم أنها بدأت بين أيدينا".
الكاتبة: سنيّة أحمد بيرزاده، صحفية حائزة على جائزة بيبودي العالمية للإعلام المرئي والمسموع والرقمي.
.webp?cx=0.5&cy=0.5)