Hero image

الشيخوخة

يناير – فبراير | 2026

فبراير 18, 2026

شارك
سعى الإنسان منذ زمن بعيد إلى تحقيق حلم الشباب الأبدي، والعثور على "حجر الفلاسفة" من أجل صناعة إكسير الحياة الذي "يمنح الخلود" ويشفي من الأمراض. حلمٌ يبدو وكأنه مشهد درامي من نسج الخيال. غير أن هذا الخيال قد يكون أقرب إلى الواقع مما نظن. فثمّة تفاؤل علمي بأننا قد نتمكن من استخدام العقاقير لإبطاء مسار تقدُّمنا في السن أو عكسه.
 
في وقت يرتفع فيه متوسط العمر المتوقع للبشر حول العالم، يتزايد الاهتمام بمسعًى آخر أكثر جاذبية؛ ليس أن نعيش أطول فحسب، بل أن نعيش أفضل. إذ لا قيمة حقيقية لطول العمر إن قضينا تلك السنوات في إدارة حالة الوهن والأمراض المزمنة. ومن هنا، يتجه تركيز العلماء نحو ما يُعرف بزيادة سنوات "العمر الصحي"، التي يبقى فيها الشخص سليمًا صحيحًا، بحيث يظل قادرًا على تلبية متطلبات حياته من دون الاعتماد على الآخرين.
 

الخلايا الهرمة والخلايا الشابة

 
يُنظر إلى الشيخوخة عادةً بوصفها جزءًا أصيلًا لا مفرَّ منه في دورة الحياة. غير أن الأبحاث الحديثة بدأت تزعزع تلك الحتمية التي نتصورها، كاشفةً عن أن استهداف الاختلافات بين الخلايا الهرمة والخلايا الشابة يُمكن أن يساعد على تصميم إستراتيجيات علاجية وتطوير أدوية لإبطاء مظاهر الشيخوخة أو إيقافها، وربما عكسها مع الأمراض المرتبطة بها.


ومع أن تبني نمط حياة صحي يظل حجر الأساس لتحقيق شيخوخة صحية، فإنّ الأدوية قد تؤدي أيضًا أدوارًا مهمة في تحسين القدرات الكامنة بالجسم، والوقاية من الأمراض أو تحسين إدارتها. وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء تطور الشيخوخة، وتقليل المضاعفات، وتخفيف عبء الإعاقة، وخفض معدل الوفيات، وفق نتائج دراسة منشورة في مجلة (Drugs & Aging)، في يوليو 2025م.

 

جهود بحثية متسارعة


في "مركز سيدارز - سيناي الطبي"، يواصل أحد الرواد في مجال علم الشيخوخة، وهو الدكتور جيمس كيركلاند، عمله على تطوير علاجات مبتكرة تستهدف آليات التقدّم في السن على المستوى الخلوي، وتحسين الجيل الأول من الأدوية المضادة للشيخوخة، التي تحتوي على مواد طبيعية، مثل: "فيسيتين"، و"داساتينيب"، و"كيرسيتين". إذ تعمل هذه الأدوية على القضاء المباشر على الخلايا الهرمة التي تتراكم في الجلد والعظام والقلب وأنسجة الدماغ. 
وقد وجد كيركلاند، أن ما بين 30% - 70% من الخلايا الهرمة لا تكتفي بفقدان وظيفتها، بل تُلحق الضرر بالأنسجة المحيطة بها وتُسبب الالتهاب والتليف. وقد أظهرت الأدوية المضادة للشيخوخة نتائج واعدة في تقليل عبء الخلايا الهرمة، وتحسين الأعراض، وإبطاء ظهور طيف واسع من الأمراض المرتبطة بالتقدُّم في السن أو الحد من تطورها.

وتتزايد الأدلة العلمية الداعمة لاستخدام الأدوية المُزيلة للخلايا الهرمة بوتيرة متسارعة، مع انتقال نتائجها من المختبر إلى ميادين العلاجات السريرية على البشر. يُشرف كيركلاند، بصفته الباحث الرئيس في "شبكة علم الشيخوخة الانتقالي" (وهي مبادرة بحثية تركّز على ربط الاكتشافات المخبرية للشيخوخة بالصحة البشرية)، على هذا التحالف الدولي الذي يُدير عشرات التجارب السريرية الجارية حاليًّا.

ففي ديسمبر 2024م، أظهرت دراسة تجريبية أن نظامًا علاجيًّا استمر ستة أسابيع جمع بين مركبَي "داساتينيب" و"كيرسيتين"، أدّى إلى تعزيز ملحوظ للوظائف الإدراكية لكبار السن الذين يعانون ضعفًا إدراكيًّا طفيفًا وبطئًا في المشي. 

 

قد لا تؤدي هذه الأبحاث إلى زيادة متوسط عمر الإنسان، ولكن الأمل كبير في أن تساعد في تمكين البشر من التمتع بصحة جيدة لفترة أطول في مراحل العمر المتقدمة.

أسرار طول العمر داخل الخلية


ضمن الجهود البحثية لفهم آليات إطالة العمر الصحي، كشفت دراسة أجراها فريق من الباحثين اليابانيين، ونُشرت في مجلة (Aging Cell)، عن بروتينٍ في الميتوكوندريا (وهي عُضَيات صغيرة داخل الخلايا تُعدّ مركز إنتاج الطاقة)، قد يحمل أسرار طول العمر. إذ استطاع هذا البروتين إطالة العمر الصحي لفئران التجارب عن طريق تعزيز كفاءة إنتاج الطاقة الخلوية. وتركَّز عمل هذا الفريق على بروتين يُدعى (COX7RP)، وهو بروتين يسهم في تكوين مجموعة من الإنزيمات الرئيسة المولدة للطاقة بالخلية.

ولفهم أثر هذا البروتين في الشيخوخة، طوّر الباحثون فئرانًا معدّلةً وراثيًّا تحتوي على مستويات أعلى منه. فأظهرت هذه الفئران زيادةً ملحوظةً في متوسط العمر، بلغت 6.6% مقارنةً بمتوسط عمر الفئران الطبيعية، إلى جانب تحسّن ملحوظ في مؤشرات العمر الصحي. وشملت هذه التحسّنات تنظيمًا أفضل لمستويات الجلوكوز، وزيادة حساسية الأنسولين، وتحسّن مستويات الدهون بالدم، مع انخفاض نسبة الدهون الثلاثية والكوليسترول الكلي، فضلًا عن زيادة القدرة على التحمّل العضلي وانخفاض تراكم الدهون في الكبد.

 وكشفت النتائج أيضًا عن انخفاض التعبير الجيني للجينات المرتبطة بالاستجابات الالتهابية المرتبطة بالعمر، ولا سيما الجينات المرتبطة بالشيخوخة، وهي سمة مميزة للخلايا الهرمة. وتُشير هذه النتائج في مجملها إلى أن زيادة كفاءة الطاقة في الميتوكوندريا، قد تؤخر وتخفف من المشكلات المرتبطة بالشيخوخة.

ويخلص الباحثون إلى أن هذه الآلية قد تفتح آفاقًا جديدة لتطوير مكملات غذائية أو أدوية تستهدف تحسين وظيفة الميتوكوندريا، بما يمهّد الطريق لتدخلات جديدة تهدف إلى علاج الأمراض الأيضية المرتبطة بالتقدُّم في السن، مثل: السكري، والسمنة، واضطراب شحوم الدم.

 

المعيار الذهبي لإطالة العمر


وعلى جانب آخر، يرى فريق من العلماء أن الأدوية القادرة على مُحاكاة التأثيرات البيولوجية للحميات الغذائية قد تكون هي الحل، ولعل أبرز هذه الأدوية وأكثرها شيوعًا في هذا المجال هما: "الراباميسين" و"الميتفورمين". وفي دراسة أجرتها زاهدة سلطانوفا وفريقها في كلية العلوم البيولوجية بجامعة إيست أنجليا في إنجلترا، تبيَّن أن "الراباميسين" يمتلك قدرة على إطالة العمر تُضاهي في فعاليتها تقريبًا برامج تقليل الطعام.

ولطالما عُدَّ تقليل كمية الطعام، المعيار الذهبي لإطالة العمر في الدراسات الحيوانية، غير أن الالتزام طويل الأمد بمثل هذه الحميات يظل صعبًا على كثيرين، فضلًا عن أن الإفراط في تطبيقها قد ينعكس سلبًا على الصحة. ومن هذا المنطلق، سعى فريق سلطانوفا إلى معرفة مدى قدرة الأدوية التي تُحاكي تأثيرات الحميات الغذائية في تحقيق الفوائد نفسها، مع تجنّب الآثار الجانبية غير المرغوب فيها. ويعمل كل من "الراباميسين" و"الميتفورمين" على التأثير في مسارات خلوية مسؤولة عن استشعار العناصر الغذائية والطاقة، وهي المسارات نفسها التي تُفعَّل عند تقليل الطعام، وهو ما يفتح المجال أمام تدخلات دوائية قد تُعيد إنتاج فوائد الحميات من دون التقيد الصارم بها.

 

مقارنة الإستراتيجيات: أيها يطيل العمر فعلًا؟


جمع باحثون من جامعة إيست أنجليا نتائج 167 دراسة أُجريت على ثمانية أنواع من الفقاريات، بدءًا من الأسماك وصولًا إلى القرود، وتضمَّنت بيانات تفصيلية عن معدلات البقاء على قيد الحياة. ثم قارنوا ثلاث إستراتيجيات لإطالة العمر: تقليل كمية الطعام، وتناول عقار "الراباميسين"، وعقار "الميتفورمين". ووجد هؤلاء أن تقليل كمية الطعام لا يزال الطريقة الأكثر فعالية لإطالة العمر لدى جميع الحيوانات. وفي حين كان "الراباميسين" منافسًا قويًّا، لم يُظهر "الميتفورمين" أي فائدة واضحة.

كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على فئران التجارب أن استخدام مزيج من الأدوية المضادة للشيخوخة يُطيل أعمارها بنحو 30%، وذلك مع الحفاظ على صحتها لفترة أطول، وانخفاض الالتهاب المزمن وتأخر ظهور السرطان. والدواءان هما: "راباميسين" و"تراميتينيب"، وكلاهما يُستخدم لعلاج أنواع مختلفة من السرطان، ومُعتمدان للاستخدام البشري في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وهناك مؤشرات على فوائدهما في مكافحة الشيخوخة في دراسات سابقة أُجريت على الحيوانات.

وفي هذا الخصوص، بحث فريق بقيادة علماء من معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الشيخوخة في ألمانيا، كيف يُمكن لكلا الدواءين، سواء استُخدما بشكل منفرد أو معًا، إطالة عمر الفئران. فعند الاكتفاء بأحدهما، وجدوا أن "الراباميسين" وحدَه يُطيل عمر الفئران بنسبة تُراوح بين 17% - 18%، في حين كان أداء "التراميتينيب" جيدًا أيضًا، حيث زاد من متوسط العمر بنسبة تُراوح بين 7% - 16%. لكن عند دمج الدوائين، شهدت الفئران المعالَجة زيادة ملحوظة في متوسط العمر راوحت بين 26% - 35%.

وأفادت الدراسة المنشورة في مجلة (Nature Aging)، أن الزيادة في العمر الناتجة عن الدواء المركب لم تكُن مصحوبة بتدهور صحي، بل ارتبطت بتأخر نمو أورام الكبد والطحال لدى الفئران، وتقليل الالتهاب المرتبط بالتقدُّم في السن في الدماغ، والكُلى، والطحال، والعضلات. 

وتُعلّق عالمة الوراثة ليندا بارتريدج، المشاركة في تأليف الدراسة، قائلةً: "مع أننا لا نتوقع زيادة مماثلة في متوسط عمر الإنسان كما وجدنا في الفئران، فإننا نأمل أن تساعد هذه الأدوية في تمكين البشر من التمتع بصحة جيدة خالية من الأمراض لفترة أطول في مراحل العمر المتقدمة".

في ضوء ما تكشفه المراجعات البحثية الحديثة، وعلى الرغم من أنها ما زالت في مراحلها الأولى، يمكن القول إن العِلم يقف على أعتاب تحوّلٍ لافت. فالسعي إلى إبطاء مسار التقدُّم في السن، أو حتى إعادة توجيهه، لم يعُد مجرد طموح نظري، بل أصبح مجالًا بحثيًّا نشطًا تتقاطع فيه البيولوجيا الجزيئية مع الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي. ويتيح هذا التقاطع للباحثين أدوات غير مسبوقة لفهم الآليات العميقة للشيخوخة واستهدافها بدقة. ومن المرجّح أن تسهم هذه البيئة البحثية المتكاملة في إعادة صياغة نظرتنا إلى الشيخوخة، لا بوصفها مسارًا حتميًّا للتراجع، بل عملية بيولوجية معقّدة قد يصبح التدخل فيها ممكنًا، مما يفتح آفاقًا جديدة لمفهوم" الشيخوخة الصحية".


د. أحمد حسن: كاتب مصري مُختص في علم الجينات.

رسوم: عمر صبير.