Hero image

مقارنة بين كتابين

يناير – فبراير | 2026

يناير 27, 2026

شارك

يتناول كلٌّ من الكاتبَين ديفيد كيسلر وستيوارت غيلسبي الأسباب الجذرية لأزمة السمنة في كتابين صدرا حديثًا، أحدهما يقدّم فهمًا علميًا معمّقًا للأزمات الصحية الشخصية الناجمة عن أنماط الغذاء الحديثة، والآخر يُطلق دعوة للعمل الجماعي الضروري لمنع هذه الأزمات وضمان العدالة الغذائية على مستوى العالم. 

كان ديفيد كيسلر، الكاتب والمفوض السابق في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، قد سلَّط الضوء في كتابه الأكثر مبيعًا "نهاية الإفراط في الأكل" (2009م) على التأثيرات العميقة والسلبية للأطعمة التي يصفها بـ"المصمَّمة بشكل فائق" في صحتنا. تتجاوز هذه الأطعمة مجرد المعالجة الفائقة التقليدية، فتُحضَّر بعناية دقيقة لتعزيز ملمسها وقوامها ولونها ونكهتها، بحيث تحتوي على مزيج غني من الدهون والسكريات والأملاح، وهو ما يجعلها ذات طاقة عالية وقيمة غذائية منخفضة، ويصعب مقاومتها. في ذلك الوقت، لم يكن كيسلر يصف هذه الأطعمة بأنها مسببة للإدمان، لكن مع تطوُّر أنواع جديدة من أدوية فقدان الوزن، باتت آليات إدمان الطعام أكثر وضوحًا. يقدّم كيسلر في كتابه الجديد "النظام الغذائي.. الأدوية والدوبامين"، شرحًا علميًا مبسطًا لهذه الفرضية التي تربط بين الطعام وسلوك الإدمان.

تؤثر الأطعمة المصمَّمة بشكل فائق على أنظمة المكافأة في الدماغ ومسارات الدوبامين العصبية، وتؤدي إلى تغيّرات في الهرمونات التي تنظّم استجابة الجسم للسكر في الدم وتضعف إشارات الإحساس بالشبع. يؤدي ذلك إلى تقلبات مزاجية، ورغبات قوية لا يمكن مقاومتها، وإلى استهلاك زائد للطعام. وعندما نستمر في تناول هذه السعرات الحرارية بشكل مفرط، لا تتراكم الدهون تحت الجلد فقط، بل تتحوَّل إلى "دهون سامة" في أعضاء حيوية، مثل: الكبد والقلب والبنكرياس، وهو ما يُعرقل إنتاج الأنسولين ويزيد من أخطار الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري.

يؤدي الدوبامين دورًا مهمًا أيضًا في تكوين الذاكرة، فحينما يمنحنا تناول الأطعمة السريعة مكافأة دوبامينية خلال فترات التوتر، يحتفظ الدماغ بهذه الإشارة ويحفزنا على تكرار هذا السلوك، ما يؤدي بسرعة إلى اعتياده. يرى كيسلر أن الأطعمة السريعة أصبحت بمنزلة "السجائر الجديدة"، مؤكدًا أن حل مشكلة السمنة لا يمكن أن يعتمد فقط على قوة الإرادة للحد من السعرات الحرارية، بل يتطلب تطبيق نهج شامل لعلاج الإدمان بطريقة تشمل استخدام أدوية إنقاص الوزن خلال فترة إعادة التأهيل الأولى، وذلك لأن هذه الأدوية تُخفِّف من دوائر الإدمان التي تُسيطر على اتخاذ القرارات العقلانية، تليها تغييرات في نمط الحياة وعلاج نفسي للحفاظ على وزن صحي ومستدام.

أما الجانب الاقتصادي والدوافع التي أوصلتنا إلى هذه الحالة، فهي محور كتاب المتخصص في الشؤون الغذائية ستيوارت غيلسبي "صراع الغذاء"، الذي يرى النظام الغذائي العالمي الحالي متشابكًا مع أزمات متتالية: وباء السمنة وسوء التغذية في الوقت نفسه، وتدهور المناخ، وفقدان التنوُّع البيولوجي، والفقر، وعدم المساواة. يقول غيلسبي: إن الطعام أساس الحياة، لكن نظامنا الغذائي الحالي يهدّد صحتنا. فقد صُمِّم هذا النظام في عصر مختلف ولأهداف مختلفة؛ إذ كان الهدف الرئيس إنتاج كميات كبيرة من الأطعمة الرخيصة لمنع المجاعات. غير أنه اليوم أصبح السبب الرئيس وراء زيادة معدلات السمنة وتدهور الصحة، إضافة إلى إسهامه في أزمة المناخ. لذلك، بات من الضروري إعادة تشكيل هذا النظام ليتمكن من توفير التغذية الملائمة لجميع سكان العالم الذين تجاوز عددهم ثمانية مليارات، بالإضافة إلى حماية كوكبنا.

من منظور القوى والسلطة، يعرض غيلسبي تطور إنتاج الغذاء عبر ثلاثة أنظمة: الاستعمار، والحرب الباردة، والنظام الحالي. في الأولى، كان النظام استغلاليًا، مبنيًا على العبودية وإفقار صغار المزارعين. وفي الثانية، شهد العالم "الثورة الخضراء" التي عملت على تحسين البذور واستخدام الأسمدة والمبيدات المعتمدة على الوقود الأحفوري بكثافةٍ. وكانت برامج الدعم الزراعي أداة سياسية أدَّت إلى فائض في محاصيل محددة، مثل: الذرة، والصويا، والقمح، والسكر، ومنتجات الألبان واللحوم، التي استخدمت بوصفها مكونات رخيصة للأطعمة المصنعة والإغاثة الغذائية في فترة ما بعد الحرب. أما النظام الثالث الحالي، فيُهيمن عليه عدد قليل من شركات متعددة الجنسيات أصبحت أقوى من الدول نفسها في كل قطاع من قطاعات الغذاء.

يركّز غيلسبي على الحلول المتاحة بين أيدينا، ويُسلّط الضوء أيضًا على قصص نجاح من مختلف أنحاء العالم، يقودها مواطنون متميزون، وحركات اجتماعية، وصانعو سياسات، وساسة. تقدّم هذه القصص أملًا في أنه من خلال التنظيم والمشاركة والتعلم، يمكننا بناء مستقبل غذائي أفضل لأنفسنا ولأطفالنا.
باختصار، من خلال هذين الكتابين، تتضح الحاجة إلى دمج الفهم العلمي العميق لآليات أزمة السمنة مع الرؤية الشاملة للعمل الجماعي من أجل بناء نظام غذائي عادل ومستدام، بحيث يفتح كلٌّ من ديفيد كيسلر وستيوارت غيلسبي آفاقًا جديدة تدعو إلى حلول مبتكرة تضمن صحة الأفراد وصحة كوكب الأرض على حدٍّ سواء. 

 

 

1-كتاب: النظام الغذائي.. الأدوية والدوبامين: العلم الجديد لتحقيق وزن صحي
Diet, Drugs, and Dopamine: The New Science of Achieving a Healthy Weight by David Kessler
تأليف: ديفيد كيسلر
الناشر: مFlatiron Books، 2025

2 - معركة الطعام: من النهب والربح إلى الناس والكوكب
Food Fight: From Plunder and Profit to People and Planet by Stuart Gillespie 
تأليف: ستيوارت غيلسبي
الناشر: مHarperCollins Publishers، 2025