.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
حين نقول سيرة، ينصرف ذهننا غالبًا إلى نصٍّ سردي، يروي تفاصيل حياةٍ من المهد إلى الموت، سواء أَحدَث هذا الموت أم اقترب فحسب. آنذاك يشعر الكاتب أنه قد حانت لحظة التحديق في أحداث حياته وتفاصيلها، وحان وقت التفكر فيها بوصفها "رحلة" لها بداية تُفضي إلى نهاية ما. ولدى كثير من النقّاد والمبدعين أن السيرة بهذا المعنى ضربٌ من السرد "الاعترافي"، وحين لا تكون السيرة "ذاتية" نكون مع سرد عن تاريخ علم من الأعلام لكتابة "تاريخ شخصي وموضوعي" لهذا العلَم.
لكن، هل حقًّا يمكن لتأليف نصٍّ عن الذات أن يحتوي قصة حياة، بحيث نصبح مع أحداث تتطابق مع وقائع فعلية جرت لشخص، ومن الممكن له أو لغيره أن يكتبها كما وقعت؟ هنا تحضر مقولات من قبيل "الصدق" و"الاعتراف". هل يمكن أن نقيم تطابقًا بين الحدث وكتابته؛ أي بين الواقعة وتخطيها؟
حين نكون مع السيرة الاعترافية التي تعتمد على الذاكرة، فإن الذاكرة تستدعي فورًا النسيان، وهي في النهاية "لعبة" تعتمد على الانتقاء. فثمَّة ما نركّز عليه ونستحضره، وثمَّة ما نتناساه أو نمحوه أو نضيف إليه. ومن هنا، تصبح مقولة "الصدق" خادعة. ففضلًا عن "الحدث" في ذاته، فإن المسافة بين "الحدث" واستوائه "نصًّا" بعيدة إلى حدٍّ ما. كما أن صاحبه يعاني إكراهاتٍ عديدة، أولها قوانين اللغة من نحو وصرف ودلالة. دع عنك إكراهات المجتمع والثقافة.
قد يستطيع المبدع بفضل حذقه ونضج تجربته في الكتابة، أن يغالب اللغة، ويتغلب على إكراهاتها. لكن، هل يستطيع فعل ذلك مع أعراف المجتمع وثقافته؟
منذ سنين، أصدر رجاء النقاش كتابًا "اعترافيًّا" عبر حوار استغرق سنوات مع نجيب محفوظ، وتسرّب من هذا الحوار بعض آراء "محفوظ" في السياسة. وكان تلقِّي هذه الاعترافات صادمًا، وأصبح صاحبها هدفًا لهجوم ضارٍ بسبب ما قاله. ويبقى السؤال: ما حدود التعبير بصدق عن الآراء ووقائع الحياة؟ أي السؤال عن شرعية البوح، وما يُسمح بالحديث عنه، وما يدخل في باب المحرمات.
“
تستجيب السيرة لما فينا من رغبة في الاطلاع على أسرار الآخر عبر اعترافاته، ولعلها تكون لدى بعضنا رغبة في التلصص.
من منظور جمالي، هل يمكن لسارد السيرة أن يكون قادرًا على استعادة وقائع حياته؟ هل بإمكان الإنسان أن يكون مُلمًّا بسيرته قادرًا على رؤية ذاته، بحيث يستطيع أن يخلق مسافةً كافيةً تمكّنه من الحكم على أشياء تخصُّ ذاته؟
إن افتراض "الصدق" في الكتابة عن الذات، يظل في النهاية مجرد زعم؛ لأن الكاتب حين يكتب ذاته قد يسعى إلى ترميم جروحه، وتعميمه على بعض مآزقه في الحياة. وهنا، يحضر التحليل النفسي، ليحاول فهم لعبة الذات من خلال اللغة حين تصبح دالة على المتكلم بها صاحب السيرة.
فعلى سبيل المثال، كتب طه حسين الجزء الأول من كتابه الجميل "الأيام" بعد أزمة كتاب "في الشعر الجاهلي"؛ أي أنه كتبه، وذاته تحت وطأة ضغط مارسه كثيرون ضده، فلاذ بالكتابة عن ذاته، وعن ظروف تكوينه في رحلة صعبة، انتصرت فيها "الإرادة" على عوائق الفقر والجهل والمرض؛ لنصبح مع سردية الأعمى الذي كوّن نفسه بنفسه بجهده ومثابرته وقوة إرادته. وبالطبع، كان هذا معناه نفي كل التفاصيل الشخصية، التي قد تجرح بهاء السردية أو تمثّل تشويشًا عليها.

إن الكاتب الروائي، لا سيما فيما يُعرف بـ "الواقعية"، يتحرك بين طرفين: أولهما الواقع وصورته في ذهنه، وثانيهما الشخصية التي تتكون وهو يعمل. فهو يحيا في هذا الواقع؛ أي يخلق مسافة بينه وبين الشخصية التي ينشئها. هذه العملية المعقدة تعني أنه ينفصل عن الإنسان فيه ويدخل تحت قوانين الكتابة، خاضعًا لعناصر متعددة؛ فيصبح "مؤلفًا"، الإنسانُ فيه كائن له هويته الإنسانية وله عواطفه، وله ما يُحبُّ وما يكره. أما المؤلف، فينتج كائنًا ورقيًّا، ليس من لحم ودم، بل مكون من علامات. ولذلك، هذا الكائن شخصٌ لا شخصية؛ أي شخص أُخضع لتقاليد نوع أدبي، ومنطق لغوي، وربما تدخل في تكوينه عناصر يصعب وجودها في الشخص الذي استلهمت منه. إننا مع خصائص مثل الحذف والإضافة، ولنصبح مع تمثيلٍ لعنصر جوهري فريد يشبه "الشخص"، لكنه يخالفه ويغايره. ومع هذا، قد يملك من الطباع والخصائص ما يجعله أثرى وأكثر حضورًا من الكائنات الواقعية. فمَن يشبه "هاملت" أو "آل كرمازروف" أو "آخيل"، في غناه وحضوره؟
هذه العلاقة بين الروائي والشخصية تختلف في السيرة؛ لأن العلاقة بين الإنسان والفنان في شخصية الكاتب تأخذ شكلًا مختلفًا. فالمؤلف الروائي يكتب عن غيره، والمسافة بين "الإنسان" والفنان كبيرة ومختلفة. أما سارد السيرة الذاتية، فيكتب عن الإنسان الذي كانَه، وعن تجاربه وإخفاقاته ونجاحاته، وعن كل ما ترك أثرًا في روحه وجسده. وعلى الرغم من كل ما يُمكن طرحه من إشكاليات الكتابة عن ذات شخصية وحقيقية غير متخيلة، فإن السيرة نوع من التعبير عن "الوعي". وهي في ذلك، لا تختلف كثيرًا عن "اليوميات" أو "المذكرات"، وإن كانت تحتاج إلى عمل أكبر في جماليات السرد؛ إذ إن تقاليدها تقارب تقاليد الرواية في الصوغ والحبكة.
في أغلب الروايات نحن في حاجة إلى "حبكة" تخلق بين عناصر العمل انسجامًا، ينفي المتنافرات، ويُؤالف بين العناصر من أجل إنتاج معنى. حتى لو كنا مع عمل يتمرد على تقاليد الرواية ولا يُقيم وزنًا كبيرًا للحكاية. أما السيرة، فليست بحاجة إلى "حبكة"؛ لأنها تاريخ شخصي، ولأن أحداثها تحاول تصوير أحداث وقعت وحدثت فعلًا.
“
ثمَّة ازدهار في التعبير عن تجارب فردية متحيزة، مثل: تجارب النجاح أو الفشل، أو مصارعة المرض، أو الدفاع عن قيم أخلاقية ذات طابع إنساني.
هكذا تصبح الرواية أحداثًا محتملة، ليس ثمَّة ما يمنع حدوثها. أما السيرة، فهي أحداث وقعت بالفعل، وحين نكتبها نمارس فقط عملية "ترهين" بوساطة اللغة. وهنا، يكمن فارق دقيق بين تلقي الرواية وتلقي السيرة، فقارئ الرواية يعرف أن ما يقرؤه ابن خيال. أما قارئ السيرة، فيتواطأ مع المؤلف على أن جذر ما يقرؤه هو الواقع، أو "التاريخ الشخصي" إن استخدمنا لغة التحليل النفسي. ومن هنا، نضع أيدينا على سبب جوهري في استهلاك السيرة، وهو أن السيرة تستجيب لما فينا من رغبة في الاطلاع على أسرار الآخر عبر نصِّه "الاعترافي". ولعل عند بعضنا رغبة في التلصص. إذ إننا لسنا مع شخصيات متخيلة، كما في الرواية أو المسرحية، بل مع شخصياتٍ حقيقيةٍ، شخصيات صارعت وانتصرت فانطوت سيرتها على معنى وعبرة، وقد تكون تفاصيلها مشابهة لتفاصيل عرفناها في حياتنا.
التوق إلى معرفة الأسرار رغبةٌ لا يمكن مقاومتها، وتنطوي على توق إلى معرفة الآخرين، ومن ثَمَّ معرفة أنفسنا؛ لأن الآخر جزء منا، وإن لم نكن على وعي بهذا. وربما تمثّل قراءة السيرة على ما سمَّاه أرسطو "التطهير"، لكنها في الوقت نفسه قد تمثّل أيضًا عودة إلى أنفسنا في خضم الحداثة وصخبها وسيولتها. إنها عودة إلى الذات من جانب، وبحث عنها من جانب آخر، وتفسير لما يبدو ملتبسًا في سير الأعلام والعظماء. وإذا كانت السيرة تحقق لكاتبها وظائف معينة من قبيل ترميم الذات أو محاولة فهمها، فإنها تحقق بالقدر نفسه هذه الوظائف لدى مستهلكيها، وفي مقدمة هذه الوظائف التواصل مع الآخر، سواء أكان يشبهنا أم يختلف عنا. فتحوّل حياةِ آخر إلى كتاب يصاحبنا في عزلة القراءة، فضلًا عن المتعة الجمالية، يمنحنا الشعور بأننا لسنا وحدَنا في العالم، وأن الوجود، مع ما ينطوي عليه من قوة وهشاشة نعمة وهبة، يجب الحرص عليها والدفاع عنها.
لكن الأمر لا يتوقف عند حدِّ الرغبة في معرفة أسرار ذات طابع نفسي لدى قرّاء السيرة، بل يتجاوز ذلك إلى الرغبة في معرفة أسرار أخرى، قد تكون متصلة بنجاح شخص أو تفاصيل صعوده المهني أو السياسي، في الفضاء الحديث الذي يشعر سكانه بهيمنة "الدعاية الترويجية،" أو حيث يُصنع نجوم وقادة في مجال بعينه. وتتخلّق لدى مستهلكي الكتب والأفلام الرغبةُ في معرفة تفاصيل قد تكون محجوبة ومُستبعدة، من أجل خلق سردية محددة يجري ترويجها.
على هذا النحو، نشهد ازدهارًا في التعبير عن تجارب فردية متحيزة، مثل: تجارب النجاح أو الفشل، أو مصارعة المرض، أو الدفاع عن قيم أخلاقية ذات طابع إنساني. وسواء كانت كتابة الذات، عن نجاحها أو إخفاقها، قوتها أو ضعفها، فنحن مع رغبة تتجاوز الذات إلى خارجها، إلى الآخر الذي يمثّل عنصرًا جوهريًّا فيها، ويمثّل التواصل معه مطلبًا حيويًّا لنا.
د. محمد بدوي: شاعر وناقد مصري.