
تشهد المناطق الحضرية في وقتنا الحالي ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، نتيجة تغيُّر المناخ الذي يتسبب في موجات حرٍّ أكثر تواترًا وطولًا، ولا سيما أن الدراسات تشير إلى أن العالم قد يشهد زيادة تقارب 57 يومًا إضافيًا من الأيام شديدة الحرارة سنويًا. إضافةً إلى ذلك، يعاني صانعو السياسات أزماتٍ متفاقمةً تتعلق بالأمراض والوفيات الناتجة عن الحرارة المرتفعة، وهو ما يجعل الحاجة إلى حلول مستدامة وفعَّالة أكثر إلحاحًا.
في هذا الكتاب، يقول الصحفي البيئي سام بلوخ، إن حل هذه المشكلة العالمية يكمن في أمر بسيط: توفير مزيد من الظل. لكن البساطة لا تعني السهولة؛ إذ إن إحداث تأثير ضئيل في كمية الحرارة التي تمتصها الأرض يتطلب التزامًا عابرًا للبلدان بإجراء تغييراتٍ معقدة في طريقة تصميمنا، لا للمدن فقط، بل للأحياء والأماكن العامة والمنازل أيضًا. يبدأ بلوخ كل فصل من فصول الكتاب بقصة تلتقط الطرق المختلفة التي يؤثر بها نقص الظل في شرائح من سكان العالم، بما في ذلك ركاب محطات الحافلات، والمسافرون إلى واحات الصحراء، وسكان ناطحات السحاب في المدن الكبرى، الذين يسعون جميعهم إلى حماية أنفسهم من الحرارة. ويضيف أن التحديات كثيرة؛ إذ يريد أصحاب المنازل نوافذ للضوء، ويجد مطورو العقارات أنه من الأرخص الاعتماد على تكييف الهواء لتبريد المباني، في حين يواجه مخططو المدن صعوبة في تبرير تكلفة الحواجز وأشجار الظل في الأماكن العامة. تُراوح الأفكار للحدِّ من الحرارة المفرطة بين زراعة الأشجار، وتبييض السحب، وإدارة الإشعاع الشمسي، واستخدام مظلات الفضاء، وغيرها من الأساليب لتقليل كمية ضوء الشمس التي تمتصها الأرض. ولكن يظل الخيار الأفضل هو الأكثر وضوحًا: توفير المزيد من الظل.
وأخيرًا، يحثّنا بلوخ على التطلع إلى الماضي، حيث فهم الناس في العصور القديمة أهمية الظل بشكل أعمق مما نفهمه اليوم، وعدّوه موردًا مهمًا في المدن التي كان الناس يمارسون فيها أعمالهم اليومية في الهواء الطلق. في بلاد ما بين النهرين، شُيّدت المدن بطريقة متلاصقة، حيث كانت الأزقة لا يتجاوز عرضها مترين، وكانت التجمعات السكنية مبنية على شبكات توفر كميات متساوية من الشمس والظل للمباني والشوارع على حدٍّ سواء طوال اليوم. كما كان ارتفاع المباني يزيد على عرض الشوارع، مما سمح للظلال بالتمدد على الشوارع لفترات أطول، وأتاح مرور نسمات باردة منعشة. وكان الإغريق معروفين بالساحات الظليلة التي هيّأت بيئة ملهمة للنقاش والتأمل. وفي شمال إفريقيا، ولا سيما في مدينة فاس القديمة بالمغرب، بلغ ارتفاع بعض المباني عشرة أضعاف عرض الشوارع، وهذا ما جعل ظلال الشوارع دائمةً طوال اليوم. كما امتلكت بولونيا الإيطالية أرصفة مغطاة تمتد على طول 38 ميلًا بأروقة مسقوفة حجبت أشعة الشمس عن المشاة لما يقرب من ألف عام.
Shade: The Promise of a Forgotten Natural Resource
by Sam Bloch
بقلم: سام بلوخ
الناشر: Random House، 2025