
الكفاءة هي القوة التي تُحرك الحضارة الإنسانية؛ فهي السبب في انخفاض معدلات المجاعة بشكلٍ كبير، وارتفاع معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وتحسين متوسط الأعمار والحالة الصحية، مقارنةً بفترات ما قبل الثورة الصناعية. ولكن، من أين تأتي التحسينات في كفاءة الإنتاج؟
في هذا الكتاب، يرى الكاتب برايان بوتر أن تحسين كفاءة الإنتاج؛ أي إيجاد طرق لإنتاج السلع والخدمات في وقتٍ أقصر، وبجهدٍ أقل، وباستخدام موارد أقل، هو القوة الدافعة وراء بعض أكبر التغييرات وأهمها في تاريخ البشرية. يُطلق الاقتصاديون عليه "اسم الإنتاجية"، ولكن بوتر يختار استخدام الكفاءة بوصفها عدسةً أوسع لفهم معناها الحقيقي وكيفية تحقيقها بشكل محدد أكثر.
يبدأ بوتر بالإشارة إلى أن لكل شيء عملية إنتاج تتضمن المواد والأفعال والإجراءات والأشخاص، وبالطبع التقنية، سواءً كان ذلك لتنظيف منزل، أو إدارة مطعم، أو تصنيع سيارة. فالكفاءة تنبع من مجموعة تعديلات متناغمة بين كل هذه العناصر، وليس من أي اختراع أو تقنية واحدة. يقدّم بوتر استكشافًا مُعمّقًا لكيفية إنتاج عالمنا "للوفرة" التي "حررتنا من حياة الكدح شبه الدائم"، ويكشف آلية عمل مختلف عمليات الإنتاج من خلال إلقاء الضوء على تصميم الكفاءة؛ فيُحلّل مجموعة متنوعة من الأمثلة، بما في ذلك الإنتاج المبكر للمسامير، والكتب، والمصابيح الكهربائية، والسيارات. على سبيل المثال، نكتشف أن قصة البنسلين، "الدواء المعجزة" الذي قلّل الوفيات الناتجة عن الأمراض المعدية في ساحات المعارك خلال الحرب العالمية الثانية بنسبة 80%، تتجاوز مجرد لحظة اكتشاف اختبرها ألكسندر فليمنج؛ إذ إن الزيادة الهائلة في الطاقة الإنتاجية لهذا الدواء وتصنيع ملايين الجرعات بدلًا من كميات ضئيلة لعدد قليل من الناس، قد انبثقت من سنواتٍ من تحسينات الكفاءة التي تحققت بشِقِّ الأنفس على يد أشخاص آخرين غير فليمنج. يروي بوتر مجموعة الأفكار والتقنيات والتجارب، التي ابتكرها روّاد كفاءة إنتاج عقار البنسلين المجهولين، والتي أنقذت أرواحًا كثيرة بفضل وفرة المضادات الحيوية.
كما يتناول بشكل نقدي القطاعات التي لا تزال تشهد محدودية في تحقيق الكفاءة، ويفنّد أسباب صعوبة تحقيق مكاسب ذات مغزى من زيادة الكفاءة في صناعات معينة، مثل: الرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان. ومن خلال ذلك، يربط الدروس التاريخية بالتحديات العالمية الراهنة، مع تأكيد ضرورة تبني سياسات ابتكارية هادفة وإصلاحات نظامية لتحقيق تحسينات فعّالة في هذه المجالات.
ختامًا، يحثّ هذا الكتاب القرَّاءَ على التفكير النقدي في الاتجاهات المجتمعية الحالية، ويدعو إلى الالتفات إلى الجوانب السلبية المحتملة للكفاءة المُفرطة، مثل: التدهور البيئي، والتفاوت الاجتماعي، وفقدان الإبداع. كما يدعو إلى فهم أكثر دقةً يُوازن بين الكفاءة وقيم أخرى، مثل: الاستدامة والكرامة الإنسانية.
The Origins of Efficiency by Brian Potter
تأليف: برايان بوتر
الناشر: مStripe Press، 2025