Hero image

سكرين شوت: رؤية فلسفية للحياة

يناير – فبراير | 2026

يناير 29, 2026

شارك

يحاول الكاتب الأيسلندي بيرجور إبي، أن يلفت الانتباه بطريقةٍ تتماشى مع مضمون كتابه من صفحته الأولى التي جاءت تحت عنوان "تنويه". في ثناياها يُعلن ترحيبه بكل قارئ مُحتمَل؛ شريطة أن يكون إنسانًا "من لحمٍ ودمٍ"، وذلك بأن يُبرهن أنه ليس روبوتًا عبر الضغط على مربعٍ يَبرُزُ وسط الصفحة، وهو المربع الشهير الذي يعرفه جميعُ مستخدمي المواقع الإلكترونية، الذي يأذن لهم عند التأشير عليه بولوجها.

ولا تُقلِّل طرافة هذا المدخل من جدية الأفكار المطروحة في هذا العمل الذي يمكن عَدُّه مراجعةً دقيقة لما أحدثه تطوُّر التكنولوجيا الرقمية من تغييراتٍ عميقة طالت المجتمعات الإنسانية على تنوُّعها. 
يروي الكتاب "حكايات" قد تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، لكنها تنطلق من فكرةٍ مركزية مفادها أن ثمّة خطرًا بات يُهدِّد المنتمين إلى هذا العالم الرقمي، ولشِدَّته تمكَّن من زرع الشك حول إمكان الإيمان بوجود المستقبل. والمستقبل، من منظور المؤلف، يعني تقاسُم البشر قصصًا ينسجون عبرها أحلامهم في حياة أفضل. ولكنه يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي تكون للخبرة الفردية فيها الأهمية القصوى، جعلت مستخدميها لا يرضَون بفكرة الاختلاف، وأفضت إلى حالة من العزلة بين جدران صماء "حيث لا نسمع إلا صدى أصواتنا، ولا نُميز إلا خطوط أيدينا".

 وهكذا، يُعلِن المؤلف أن المستقبل "سُلِب من بين أيدينا"، وتوقفت النبوءات بشأنه. لكنه، مع ذلك يؤكد أنه لا يزال متمسكًا بالإيمان بوجوده، فهو لم يصبح بعدُ سرابًا، بل "توارى في مكانٍ ما، حيث يستقر أسفل كومةٍ من الغبار". ويُوضِّح أنه من أجل استعادة هذا المستقبل، فلا بدّ من فهم عالمنا في لحظته الراهنة أولًا، وهذا لن يحصل إلا بالغوص في تاريخ تطوُّر التكنولوجيا نفسها. لذلك نجده يناقش، مُطوَّلًا، تطوُّر السيارات لفهم فلسفتها وحدود تأثيراتها، وهي التي غيَّرت وجه العالم مع اختراعها، مقارنًا بينها وبين الوضع الرقمي الذي تحياه مجتمعاتُنا. فمثل هذه المقاربات التي تتخذ شكل "سكرين شوت"، بحسب ما يشير الكاتب، هي ما نفتقر إليه في عصرنا؛ لأنها تُظهِر الصورة الكبرى لعلاقة الجنس البشري بالتكنولوجيا على مدار التاريخ، وتُسلِّطُ الضوء على تفاصيلها كافة. ومن ثَمَّ، يُمكنها المساعدة في فهم عالمنا الرقمي الحالي، الذي مع أنه يشعُّ بالمعلومات، "لا يزال مُعتمًا". 

 

 

تأليف: بيرجور إبي

ترجمة: ياسمين سلطان

الناشر: العربي، 2025م