Hero image

جرائم الدماغ

عمرو سيف

يناير 28, 2026

شارك

هل أخلاقنا، ومبادئنا، حتى لطفنا مع مَن نحب، هي صفات ثابتة في أرواحنا، أم أنها مجرد "وظائف كيميائية" قد تختفي بضربة واحدة على الرأس؟
إننا نعيش اليوم في عصر لم يعُد السلوك الإنساني فيه مجرد قضية تتعلق بالإرادة الحرة، بل أصبح يُربط بدور الشبكات العصبية التي قد يحوِّل تلفها الرجل السوي إلى مجرم. وفي هذا المقال، نرحل في دهاليز الدماغ لنفهم: كيف يصنع العطب العصبي القَتَلة؟ 

تخيّل أن ترى شخصًا ودودًا يتحول فجأة إلى شخص آخر؛ سريع الغضب، مندفع، يفقد قدرته على التعاطف أو التفكير في عواقب أفعاله. هذا التحوُّل ليس بالضرورة ناتجًا عن قرار سيئ اتخذه بإرادته، بل قد يكون نتيجة مباشرة لآفة عصبية غير مرئية سببتها إصابة دماغية رضحية (TBI). وهذه الإصابات تنتج عن مسببات خارجية قوية، مثل الهزَّات الشديدة أو الضربات المباشرة التي تحدث في حوادث السيارات، والسقوط من ارتفاعات، أو حالات العنف، أو من الضربات المتكررة على الرأس في بعض الرياضات، مثل: كرة القدم والملاكمة والرياضات القتالية.

تُراوح أعراض إصابات الدماغ الرضحية المتوسطة إلى الشديدة بين فقدان الوعي، والصداع المستمر، والقيء، وحتى الغيبوبة. لكن الجانب الأكثر مأساوية يكمن في الأعراض السلوكية والمعرفية التي قد تظهر على المدى الطويل، وتتضمن الهيجان والاضطراب، أو القتال، أو غير ذلك من السلوكيات غير العادية المثيرة للارتباك العميق لدى المحيطين. وهذا الاندفاع السلوكي ليس ضعفًا في الإرادة، بل هو خلل في الدوائر العصبية التي تتحكَّم في التثبيط، وهو ما يهيئ المُصاب للدخول في مسار سلوكي مختلف جذريًّا عن ماضيه.

 

إصابات الرأس ليست مجرد أضرار جسدية، بل قد تنطوي على تغيير حقيقي، وربما جذري، في جوهر الشخصية والقدرة على التحكم الأخلاقي.

قضية فينياس غيج: موت الرجل الطيب في القرن التاسع عشر


لعل أشهر مثال تاريخي يوضح كيف يمكن لإصابة جسدية في الرأس أن "تقتل الشخصية"، هو قصة فينياس غيج. ففي عام 1848م، نجا هذا الرجل، وهو عامل في السكك الحديدية، بأعجوبة بعد أن اخترق قضيب حديدي رأسه، مرورًا بالفص الأمامي. لم يمت، بل أسهمت بنيته الجسدية القوية في شفائه الجسدي وإعادة تأهيله نسبيًا.
لكن الرجل الطيب الذي عرفه زملاؤه وعائلته قبل الحادث لم يعُد موجودًا. أصبح "غيج" فظًّا ومندفعًا وغير قادر على التخطيط للمستقبل أو الالتزام بالمعايير الاجتماعية. كان هذا الحدث بمنزلة الاكتشاف المؤسس في عِلم الأعصاب، حين ثَبُت لأول مرة أن السلوك الاجتماعي والأخلاقي والإرادة الحرة ليست مجرد مفاهيم فلسفية، بل هي ناتجة عن منطقة محددة في الدماغ: الفص الأمامي. كان "غيج"، الذي أصبح أشهر مريض في عِلم الأعصاب، دليلًا حيًّا على أن تلف هذه المنطقة لا يجعلك أقل ذكاءً بالضرورة، لكنه يجعلك أضعف على التثبيط الاجتماعي والأخلاقي.

 

تعريف إصابة الدماغ الرضحية (TBI)

تُعرَّف إصابات الدماغ الرضحية بأنها تلف في الدماغ ناتج عن قوة خارجية. وتُصنَّف هذه الإصابات عادةً إلى: خفيفة، ومتوسطة، وشديدة. 
ويتجاوز الفهم الحالي لإصابات الدماغ الرضحية الأضرار الفورية. حتى الإصابات الخفيفة، إذا تكررت، يمكنها أن تكون البوابة لظاهرة أخطر بكثير تُعرف باسم "الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن" (CTE)، وهو ما يمثّل تحديًا كبيرًا في تقييم المخاطر السلوكية على المدى الطويل.
إن مفتاح فهم تحوُّل السلوك بعد إصابة الدماغ يكمن في فهم "شبكة التحكم" التي تفشل، وهي تشمل:

القشرة الجبهية الأمامية (PFC): مقر الضبط الأخلاقي

تُعدُّ القشرة الجبهية الأمامية ((Prefrontal Cortex مركز القيادة العليا للدماغ؛ فهي مسؤولة عما يُعرف بـ"الوظائف التنفيذية"، مثل: التخطيط، والذاكرة العاملة، واتخاذ القرارات المعقدة، وأهم من ذلك، التثبيط أو كبح الاندفاع. وعندما تتعرَّض هذه المنطقة للضرر يفقد الفرد القدرة على ممارسة هذا الكبح العقلي.
تتجلى المشكلات السلوكية في عدم القدرة على التعاطف، ونقص الحافز، وزيادة في العدوانية، وتغيّر في حس الفكاهة. والضرر في هذه المنطقة لا يُلغي قدرة الشخص على الرؤية أو الحركة، ولكنه يضعف "المكابح العقلية"، وهو ما يترك المشاعر والدوافع الأولية بلا تنظيم. هذا الفشل في التثبيط هو النقطة التي يتقاطع فيها العلم العصبي مع مفهوم المسؤولية القانونية؛ إذ إنه يقيّد بشكل مباشر قدرة الفرد على ممارسة "حرية الاختيار" الرشيدة.

شبكة الخطر: اللوزة الدماغية والعدوانية التفاعلية

غالبًا ما تكون العدوانية الناتجة عن إصابات الدماغ الرضحية من النوع "التفاعلي"؛ أي أنها تحدث بصورة فعلٍ فوريٍّ وغير مخطط له، وتكون غير هادفة بالضرورة. هذا النوع من العنف ينبع من اختلال التوازن داخل "شبكة الخطر" في الدماغ، التي تضم الجهاز الحوفي (Limbic System)، وخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala)، والقشرة الجبهية البطنية الإنسية (vmPFC).

تعمل اللوزة الدماغية كما لو كانت "مسرّعًا عاطفيًّا"، وهي المسؤولة عن معالجة المشاعر القوية، مثل: الخوف والغضب. في الحالة الطبيعية، تكون القشرة الجبهية الأمامية بمنزلة "المكابح العقلية" التي تنظّم وتثبّط ردود فعل اللوزة المفرطة. تُظهر الأبحاث التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن الأفراد الذين يميلون إلى العنف التفاعلي يظهرون انخفاضًا ملحوظًا في الاتصال الوظيفي بين اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية الإنسية. ويشير هذا الانخفاض في الاتصال إلى حدوث ما يشبه "فصل الأسلاك" الوظيفي نتيجة للإصابة الدماغية؛ حيث تصبح الإشارات العاطفية السريعة والساخنة الصادرة عن اللوزة غير خاضعة لـ"تنظيم القشرة الجبهية". ونتيجة لذلك، يجد المُصاب نفسه يبالغ بالتركيز على معالجة المشاعر، وهو ما يؤدي إلى ردود فعل غاضبة تخرج عن السيطرة، وهذا يمثّل الوصف العصبي الدقيق للاندفاع الذي يمكن أن يتحوَّل إلى فعل إجرامي عنيف.

لعنة التكرار: اعتلال الدماغ الرضحي المزمن وسجل المجرمين

يتميز اعتلال الدماغ الرضحي بالتدهور في مجالين رئيسين: الإدراك والسلوك. في الجانب المعرفي، يعاني المصابون صعوبة في التفكير، وفقدان الذاكرة، ومشكلات في تخطيط المهام وتنظيمها وتنفيذها. أما في جانب السلوك، فتظهر أعراض مقلقة جدًّا، تشمل السلوك الاندفاعي والعدواني. ولكن، لهذا المرض جانب معقَّد، وهو تباين توقيت ظهور الأعراض. فقد يتغير السلوك والمزاج في سن مبكرة نسبيًّا، أحيانًا في العقد الثالث من العمر، في حين يتأخر الخلل الوظيفي الذهني إلى مرحلة لاحقة. هذا التباين في الظهور يشكّل تحدّيًا بالغًا أمام الطب الشرعي؛ إذ إن تحديد مدى تأثير الأعراض السلوكية المبكرة في الأهلية الجنائية للمتهم يتطلب الرجوع إلى تاريخ طويل من الإصابات المتكررة، وهو ما قد يكون صعب التوثيق إن لم تكُن هناك سجلات رياضية أو عسكرية واضحة.


من اليمين: آرون هيرنانديز، فيليب آدامز، كريس بنوا. 

رياضيون من النجومية إلى القتل

أدّت القضايا الجنائية رفيعة المستوى المرتبطة بالاعتلال الرضحي المزمن إلى تسليط الضوء على الصلة الخطِرة بين تلف الدماغ والسلوك العنيف. وتُعدُّ قضية آرون هيرنانديز، نجم اتحاد كرة القدم الأمريكية السابق، مثالًا مأساويًّا. فقد أُدين هيرنانديز بالقتل، وكشفت نتائج تشريح دماغه لاحقًا عن إصابته بالمرحلة الثالثة الشديدة من الاعتلال الرضحي المزمن، وهي واحدة من أشد الحالات المسجلة لشخص في مثل سنه.

ومن أشهر الجرائم التي حدثت نتيجة هذا الاعتلال الدماغي، هي حادثة المصارع الكندي الشهير "كريس بنوا"، الذي كان يلعب في منظمة المصارعة الترفيهية (WWE)، حيث فوجئت وسائل الإعلام عام 2007م، بإقدام هذا المصارع فجأة بقتل زوجته وابنه البالغ خمس سنوات، وانتحاره. لم يُعرف عن بنوا قبل هذه الحادثة ميله إلى العنف أو السلوك غير السوي، إلا أن التشريح الطبي أثبت أن دماغه قد تضرّر بشدة نتيجة الإصابات المزمنة الناتجة عن ممارسة المصارعة.​

​كما أن قضية فيليب آدامز، وهو لاعب كرة قدم أمريكي ارتكب جريمة قتل جماعي مروعة قبل أن ينهي حياته، كشفت عن تشخيصه لاحقًا بالمرحلة الثانية من الاعتلال الرضحي المزمن. وأظهرت النتائج أن التدهور الدماغي لديه، الناتج عن تاريخ من ارتجاجات الرأس خلال مسيرته الرياضية، أدى إلى "خلل في الحكم، ونشوء تنظيم عاطفي مُختل، ومشكلات في الذاكرة، وسلوك عدواني". هذه الأعراض العصبية كانت سببًا رئيسًا للجرائم العنيفة التي ارتكبها. وهذه القصص لا تقدم مبررًا، ولكنها تقدم تفسيرًا علميًّا لكيفية تحول الأداء العصبي إلى عامل يسهم في ارتكاب الجريمة.
خريطة الطريق إلى التعافي والأمل 

على الرغم من خطورة إصابات الدماغ وتأثيرها في السلوك، لا يزال الأمل في التعافي قائمًا بفضل جهود التأهيل العصبي الحديث. ويتطلب علاج هذا النوع من الإصابات المتوسطة والشديدة مقاربة علاجية فورية، تبدأ بالرعاية العصبية الحرجة، مرورًا بالأدوية اللازمة، وقد تتطلب التدخل الجراحي لتقليل الضرر. وبعد المرحلة الحادة، يبدأ العمل على استغلال خاصية اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرة الدماغ المذهلة على إعادة تنظيم نفسه وتعويض الوظائف المفقودة من خلال إنشاء مسارات عصبية جديدة.
 

التأهيل السلوكي والمعرفي

ولحل مشكلات العدوانية والاندفاعية الناتجة عن إصابات الدماغ يأتي دور برامج التأهيل، مثل: برامج العلاج السلوكي المعرفي، والتقويم السلوكي. ولا يقتصر التأهيل على الجوانب الجسدية، بل يركِّز على إعادة تدريب الدماغ على وظائفه التنفيذية المفقودة من خلال توفير تقنيات عملية لإدارة الغضب والاندفاع، وتدريب الجزء السليم أو المتعافي من القشرة الجبهية على استعادة وظيفة "المكابح".
إن قصة "جريمة الدماغ" قد تكون قصة صراع بين القدر البيولوجي وإرادة الإنسان. صحيح أن الأبحاث العلمية كشفت أن إصابات الرأس ليست مجرد أضرار جسدية، بل هي 
تغيير حقيقي، وربما جذري، في جوهر الشخصية والقدرة على التحكم الأخلاقي، ولكن العلم ما زال يحاول أن يعرف تحديدًا ماذا تبقّى من إرادتنا الحرة حينها؟ وكيف نتعامل برحمة وعدالة مع الشخصية الجديدة التي خلقتها الإصابة؟
وهنا نجد أنفسنا - أفراد المجتمع - مسؤولين عن الفصل بين مأساة الإصابة الدماغية وبين الفعل الإجرامي الناتج عنها، ليحصل من يعانون نقص الأهلية على التقييم العلمي العادل والتأهيل اللازم لإعادة دمجهم، بدلًا من عقابهم على خلل خارج عن إرادتهم يكُن بيدهم في كثير من الحالات.

 

 

عمرو سيف:
باحث في مجال الصحة النفسية العامة.
مركز البحوث السريرية - كلية الطب.
جامعة لوند.