Hero image

شفشاون

يناير – فبراير | 2026

فبراير 5, 2026

شارك
في أقصى شمال المغرب، على ارتفاع ستمائة وستين مترًا عن سطح البحر، في قلب سلسلة جبال الريف، تستقرّ "شفشاون" هذه الحاضرة الجبلية التي يعني اسمُها بالأمازيغية "قرون الجبال"، لتكون أقرب مدن المغرب إلى السماء، وأكثرها التصاقًا بالذاكرة الأندلسية التي لا تزال تنبض في أزقتها المرصوفة بالحجارة وبيوتها الزرقاء التي تتدرّجُ تنويعاتُ زُرقتِها كموجاتِ بحرٍ مُتجمّد في الأعالي.

في سنة 1471م، الموافقة لـ876هـ، أسّس علي بن راشد مدينة شفشاون لتكون قلعة دفاعية ومركزًا إستراتيجيًّا للمجاهدين المقاومين للتوغّل البرتغالي في السواحل الشمالية للمغرب. اختيرَ موقعُها بدقّة لتكون مقرًّا آمنًا لتخطيط العمليات الحربية، بعيدًا عن غارات البرتغاليين والقشتاليين. ولا يزال هذا الماضي العسكريُّ محفوظًا في معمار قصبتها وأبراجها وأسوارها وأبوابها السبعة.
 

منظر عام للمدينة القديمة.

من حصن المجاهدين إلى ملاذ الأندلسيين

حمل القدر لشفشاون مصيرًا آخر بعد إحدى وعشرين سنة فقط من تأسيسها. فإثر سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، سنة 1492م، تدفّقت أفواج المُهجَّرين من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو السواحل المغربية. ولم تتردّد شفشاون في فتح أبوابها لاستقبال عرب الأندلس ويهودهم المطرودين من الفردوس المفقود. حمل هؤلاء الموريسكيون حسّهم الجمالي الرّاقي وخبرتهم في فنون العمارة والموسيقى والطبخ، فامتزجت بالثقافة المحليّة لتتشكّل منها هوية مُركّبة جعلت من شفشاون امتدادًا روحيًّا حيًّا لغرناطة وإشبيلية وقرطبة.

حينما زار الحسن الوزّان، المعروف بـ"ليون الإفريقي"، شفشاون بعد سقوط غرناطة بسنوات، بهرتهُ طبيعتُها الجبلية وعيونها الجارية، فكتب في "وصف إفريقيا": "هذا الجبل أحسن جبال إفريقيا كلها. فيه مدينة صغيرة مليئة بالصُّنّاع والتُّجّار. توجد بها غاباتٌ كثيرةٌ وعدد لا يُحصى من العيون. ولباسُ سكانها حسن جدًّا." وأضاف واصفًا أميرها: "يقيم بالمدينة أمير يحكم العديد من قبائل هذه الجبال. ثار هذا الأمير المدعو سيدي بن راشد على ملك فاس، وشنَّ حربًا لا هوادة فيها على البرتغاليين."
 

معمارها يحمل حتى اليوم بصمةَ الأندلس الواضحة، وزرقتها ليست اختيارًا جماليًّا عابرًا أو حيلة سياحية، بل هوية بصرية أصيلة للمدينة.

أحياء تروي حكاية الأندلس

يتجلّى الطابع الأندلسي في أهم أحياء المدينة التاريخية بدءًا بحي "القصبة"، أقدم تجمُّع سكني فيها، ثم حيّ "السويقة"، الذي تشكّل في بداياته من ثمانين عائلة أندلسية قدِمت مع مولاي علي بن راشد، ويشتهر بنافورته الحائطية المُزخرفة التي تُذكّر بفنون الماء في قصور الأندلس. أما حيّ "ريف الأندلس"، فقد أُعِدَّ لاستقبال موجات كبيرة من الموريسكيين النّازحين الذين كرّسوا الشخصية الأندلسية للمدينة على مستوى التقاليد والعادات وطرائق البناء والزخرفة.
 

باب من المعمار الأندلسي العتيق.

إلى اليوم، يحمل معمار شفشاون في كل تفصيلةٍ بصمةَ الأندلس الواضحة: بيوتها القديمة بسُقوفها المُغطّاة بالقرميد الأحمر، وحدائقها الصغيرة في الأفنية، وأصص الورد على السُّطوح، وأبوابها وأقواسها ونوافذها الخشبية البديعة، كلها تستدعي مُدن الأندلس العتيقة في ذاكرة مَن زارها. لكن ما يُميّزها أن الأندلس فيها ليست ذكرى جامدة أو متحفًا مفتوحًا، بل حضورٌ حيٌّ نابض في الحياة اليومية، في تواضُع البيوت التي تنحاز إلى البساطة بدل البذخ، وفي العادات الاجتماعية التي تقدّم القُربَ الإنساني الدافئ على الاستعراض.
 

زقاق من المدينة القديمة.

الزُّرقة: لغة المدينة وسرّها

اشتهرت شفشاون بلونها الأزرق حتى صارت تُعرف بـ"اللؤلؤة الزرقاء". بيوتها ترتدي أبيض ممزوجًا بالأزرق السماوي، مُستخلَصًا من "النّيلة" المغموسة في الجير، ويتدرّج في ظلاله من الفاتح إلى الداكن، ومن الفيروزي إلى النيلي؛ ليخلق سيمفونية بصرية تأخذ الألباب. لكن هذه الزرقة ليست اختيارًا جماليًّا عابرًا أو حيلة سياحية، بل هوية بصرية أصيلة للمدينة.

تعدّدت الروايات حول أصل الزُّرقة: فهناك من يربطها بالتقاليد الأندلسية التي ترى في الأزرق رمزًا للقداسة والاتصال بالسماء، ومن يعيدها إلى دلالات أخرى ترمز إلى الصفاء والسكينة، ومن يفسّرها تفسيرًا عمليًّا بتلطيف الحرارة وإبعاد الحشرات. لكن النتيجة واحدة: لونٌ تحوّل إلى مزاج عام، وإلى إيقاعٍ داخليٍّ يفرض على الزائر أن يهدأ ويُبطئ ويُصغي.

ولعل أجمل المشاهد التي قد تأسر الزائر، هو حين يُصادف انخراط ربّات البيوت في طلاء الأبواب والجدران ومداخل الأزقة بمزيجِ الجير والنيلة، في مشهد احتفالي يؤكد هِمّة نساء المدينة.
 
لكنَّ شفشاون التي كانت في بداياتها قلعةً للمجاهدين، تحوّلت بالتدريج إلى مدينة للزُّهد والزُّهَّاد. فأهالي الأندلس الذين لجؤوا إليها بعدما فقدوا سلطانهم وقصورهم وبساتينهم وخدمهم وحشمهم، وجدوا أنفسهم وقد افتقروا فجأة، فلم يجدوا غير المساجد والكتاتيب القرآنية ملاذًا. هكذا صار الاعتكاف في بيوت الله وترديدُ الأذكار ديدَنَهُم وعزاءهم في هذه الدنيا الفانية. الجوامع الصغيرة التي يُذكَر فيها اسم الله مبثوثة في كل زقاق. أما الصوامع، فلا يخلو منها سوق ولا حارة.
 

مسجد بوزعافر هو المسجد الإسباني.

مدينة الماء والخضرة

شفشاون عاصمة السياحة الجبلية بالمغرب. تحيط بها الغابات من كل جانب، وتتدفق العيون والينابيع مُنسابة في سواقٍ عديدة تُطوّق المدينة، بل وتخترق أزقتها، فيكون لرجْعِ خريرِها ما يشبه نقرات عود أندلسي قديم. ولأن السّواقي عنصرٌ أساس من جمالها، فإن عددًا من أزقة شفشاون يحمل اسم نبع أو عين أو ساقية، مثل: "باب العين"، و"بين السواقي"، ثم "رأس الماء" الذي يُعدُّ أهم منابعها وأطيبها ماءً. ويزوِّد هذا المنبعُ المدينة بصبيبٍ مائيٍّ هائل عبر نظام مُحكَم للرّيّ اقتُبِس من غرناطة ولا يزال مستعملًا منذ خمسة قرون.

كثرة التساقطات المطرية في الشتاء والاحتياطي الكبير من الثلوج الذي تختزنه الجبال المحيطة، يسهمان في تفجُّر العيون وجريان السواقي على مدار السنة، وهو ما جعل من شفشاون مدينة المياه العذبة والخُضرة الدائمة. وحين يصعد الزائر، ساعة الغروب، باتجاه المسجد الإسباني المُشيّد على قمة ربوة تشرف على المدينة، تنكشف له شفشاون كتلة زرقاء هادئة تغرق في ضوءٍ ذهبيٍّ شفيفٍ.

لكن هذا المسجد ظل مجرد مزار سياحي لا يؤُمُّه الناس للصلاة. فقد كان كافيًا أن يُشيَّد بأمرٍ من سلطات الاحتلال الإسباني، خارج المدينة، وبقاعدة ذات معمار كنَسيٍّ، ليرتاب منه الأهالي ويقاطعوا الصلاة فيه. فبقي إلى اليوم مجرد مزار تُراقب من أمامه المدينة.
 
مربد الشعراء ومقام القصيد

يكفي أن تجتمعَ لمدينةٍ طبيعةٌ خلابة ومعمار فريدٌ وخُضرةٌ عارمة وزُرقة ساحرة ورُوح صوفيةٌ لينجذب إليها الشعراء. والمدينة عرفت كيف تستدرجهم بدورها؛ إذ حرصت لأكثر من ستة عقود، ابتداءً من 1965م، على احتضان المهرجان الوطني للشعر المغربي، الذي يُعدُّ مربد المغرب وأقدم مهرجان شعري بشمال إفريقيا. ففي تلك السنة، قرّر شعراء المغرب تأسيس أول مهرجان وطني للشعر في العالم العربي، تحت مظلة جمعية أصدقاء المعتمد بن عباد التي راكمت منذ عام 1959م عديدًا من الفعاليات المتميزة بشفشاون، حتى إنها استقبلت نزار قباني في بداية الستينيات.

منذ ذلك التاريخ، صارت القراءة من فوق منابر شفشاون أكبر اعترافٍ يناله شاعرٌ في المغرب. يكفي أن يُدعى الشاعر إلى هذا المهرجان ليحتلّ مكانه في الصفوف الأولى من المشهد الشعري المغربي.
 

أزقتها الضّيقة المصبوغة بدرجات متفاوتة من الأزرق تدعو للمشي المتمهّل والاستماع إلى وقع الخُطا على الحجر القديم.

إيقاع الحياة: البطء فلسفةً

شفشاون ليست مدينةً للعَجَلة. أزقتها الضّيقة المصبوغة بدرجات متفاوتة من الأزرق تدعو للمشي المتمهّل والاستماع إلى وقع الخُطا على الحجر القديم. في المدينة العتيقة، يبدو التجوّل كأنه قراءة لنصٍّ أدبيٍّ مفتوح: سلالم تصعد وتهبط بلا منطق صارم، وأبواب خشبية زرقاء، ونوافذ صغيرة، وأصص نباتات تتدلّى من الشرفات. في ساحة "وطاء الحمام"، القلب النابض للمدينة، تختلط أصوات المقاهي بنداءات الباعة، فيما تُطلّ القصبة التاريخية وكأنه حارس صامت لقرونٍ من الصمود.

أما أهل شفشاون، فجزء أصيلٌ من جمالها. هدوؤهم ليس تصنّعًا، بل أسلوب حياة موروث. الضيافة هنا طبيعية، نابعة من ثقافة ترى في الترحيب فعلًا إنسانيًّا قبل أن يكون واجبًا سياحيًّا. في الأسواق الصغيرة، لا يُمارَس الضغط على الزّائر، بل تُترك له متعة الاكتشاف. ومعروضات الحِرف التقليدية من النّسيج الصوفي إلى الفخّار والجُلود لا تزال تفعِمُ الأزقة ببدائع الأشكال والألوان. 
 

امرأة بزي تقليدي: الشاشية والمنديل.

 بين الأصالة والعالمية

في العقود الأخيرة، تحوّلت شفشاون إلى واحدة من أكثر المدن المغربية حضورًا في الصُّور والمنصَّات الرقمية. ومع ذلك، فهي لا تنافس مراكش الحمراء، العاصمة السياحية للمملكة، بصخبها وألوانها الحارّة وأسواقها التي لا تنام. فقوة "اللؤلؤة الزرقاء" تكمن في اختلافِها؛ إذ إنها تُخاطب مسافرًا آخر: مَن يفضّل الصّمت على الضجيج، والبُطء على اللهاث، والعمق على اللمعان. هي بديل روحي أكثر منها بديلًا سياحيًّا عاديًّا.

شفشاون ليست مدينة تُزار وتُصوَّر ثم تُنسى، بل فضاءٌ آسر للروح، وتجربة تُقاس بالإحساس قبل المسافة، وتُدرَك بالقلب بقدر ما تُرى بالعين. إنها دعوة إلى التمهّل في عالمٍ سريع، وإلى إعادة اكتشاف قيمة البساطة، وإلى فهم الجمال بوصفه انسجامًا لا بهرجة. ولذلك يغادرها كثيرون وهم يحملون شيئًا غير ملموس: هدوءًا داخليًّا، أو رغبة في العيش بخفّة، أو حنينًا مبكّرًا إلى زرقةٍ لا تشبه غيرها.
 


 الكاتب: ياسين عدنان، أديب وإعلامي من المغرب.
تصوير: أحمد الهلالي، مصوّر من المغرب.