
أعلنت جائزة المان بوكر في منتصف عام ٢٠١٨م عن قائمتها الطويلة للروايات المرشَّحة، وفي سابقة هي الأولى في تاريخ الجائزة، كان من ضمن الروايات، رواية مصوّرة بعنوان "سابرينا" للروائي والرسام نِك درناسو. لم تكُن دهشة المهتمين من القراء بسبب التباين في الشكلين الفنيين بين الروايات السردية التقليدية والروايات المصوَّرة، بل أيضًا في قابلية الأخيرة على منافسة الأدب التقليدي الذي يُنظر إليه أنه أدب أكثر جدية.
أعاد وصول الرواية الجدل الدائم والمستمر حول الأجناس الفنية، وطرق تصنيفها وفصلها عن بعضها، وهو نقاش لا يقتصر على الشكل الفني وحسب، بل يضمر في طيّاته أسئلة حول القيمة؛ الفنية منها أو الفكرية، وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير الأسئلة التي نسمعها في الجلسات والندوات، أو حتى في ممرات معارض الكتاب: "هل هذه رواية؟ أم كتاب فكري؟"، وهو سؤال محمَّل بحكم القيمة؛ فالرواية، وخاصة في الدول العربية، لا تزال تصارع من أجل إثبات حقها في التناول الفكري الجاد والرصين، حتى بعد أكثر من قرن من كتابة أول رواية عربية.
أما في داخل حقل الرواية ذاته، فهنالك صراع دائم يحمل عادةً أسلوبًا عدائيًّا، مخفيًّا تارةً وصارخًا تارة أخرى، نحو روايات الفانتازيا والجريمة والخيال العلمي والرومانسية. ولطالما استُخدم التصنيف أداةً لصفِّ المنتجات المعرفية على سلم القيمة، ويبدو أنها عادةٌ لن تنتهي على الإطلاق.
أعاد وصول الرواية الجدل الدائم والمستمر حول الأجناس الفنية، وطرق تصنيفها وفصلها عن بعضها، وهو نقاش لا يقتصر على الشكل الفني وحسب، بل يضمر في طيّاته أسئلة حول القيمة؛ الفنية منها أو الفكرية، وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير الأسئلة التي نسمعها في الجلسات والندوات، أو حتى في ممرات معارض الكتاب: "هل هذه رواية؟ أم كتاب فكري؟"، وهو سؤال محمَّل بحكم القيمة؛ فالرواية، وخاصة في الدول العربية، لا تزال تصارع من أجل إثبات حقها في التناول الفكري الجاد والرصين، حتى بعد أكثر من قرن من كتابة أول رواية عربية.
أما في داخل حقل الرواية ذاته، فهنالك صراع دائم يحمل عادةً أسلوبًا عدائيًّا، مخفيًّا تارةً وصارخًا تارة أخرى، نحو روايات الفانتازيا والجريمة والخيال العلمي والرومانسية. ولطالما استُخدم التصنيف أداةً لصفِّ المنتجات المعرفية على سلم القيمة، ويبدو أنها عادةٌ لن تنتهي على الإطلاق.

رواية "سابرينا".
روايات مصوّرة جادة
تحكي رواية "سابرينا" عن شابة تحمل الاسم نفسه، تعرّضت إلى القتل على يد مراهق مختل؛ صوّر الجريمة واستطاع إرسال الشريط إلى مختلف الجهات. هذه الرواية لا تتمركز حول تلك الحادثة الشنيعة، وإنما تستخدمها مَعبرًا لرسم المجتمع الأمريكي المضطرب؛ فتتحوّل الجريمة إلى مادة خصبة لنظريات المؤامرة؛ فصار الناس يحيكون القصص ويصيغون نظرياتهم حيال زيف الشخصيات، وأنه لا وجود لـ"سابرينا" ولا لعشيقها وشقيقتها، وأنهم مجرد ممثلين سينمائيين. كما تحضر الجريمة معزِّزةً لانعدام الثقة في المجتمع الأمريكي، الذي لطالما كان محمَّلًا بالشك والريبة تجاه حكومته، خصوصًا في الفترة الأخيرة.
والرواية تنجح في تصويرها لحالة انعدام الثقة بنحوٍ دقيق سرديًّا وبصريًّا. حيث نرى "تِدي"، عشيق المقتولة، وهو يلجأ إلى صديقه القديم "كالفن" ليتجاوز محنته. فنقرأ و"نرى" كيف يجري التواصل المضطرب والمختل بينه وبين "كالفن". وحتى "كالفن" نفسه، فإننا نرى معاناته في مقر عمله؛ إذ كل جملة تمرُّ عليه، وإن كانت اعتيادية، تبدو وكأنها تهديد مبطَّن.
"سابرينا" رواية تصور العزلة والاغتراب الذي يفرضه المجتمع الأمريكي اليوم، ويدفع بأفراده إلى التصديق بنظريات غريبة. ولعل السبب الكامن وراء سهولة تصديق تلك النظريات واختلاقها، هو لتعزيز الانتماء للجماعة، أكثر منه رغبة بتفسير ما يحدث. وقد نجح نِك درناسو في إيصال ذلك من خلال لوحات بأحجام محدَّدة، نرى فيها الشخصيات بملامح محدودة، منعزلة في مكان ضيق، أو صغيرة للغاية، ووحيدة في فضاءات واسعة. مما يجعل تجربة القراءة غير مريحة على طول العمل الروائي. وهذا مما تتيحه الرواية المصوَّرة، فهي تخلق تكاملًا بين الموضوع وشكله البصري.
تحكي رواية "سابرينا" عن شابة تحمل الاسم نفسه، تعرّضت إلى القتل على يد مراهق مختل؛ صوّر الجريمة واستطاع إرسال الشريط إلى مختلف الجهات. هذه الرواية لا تتمركز حول تلك الحادثة الشنيعة، وإنما تستخدمها مَعبرًا لرسم المجتمع الأمريكي المضطرب؛ فتتحوّل الجريمة إلى مادة خصبة لنظريات المؤامرة؛ فصار الناس يحيكون القصص ويصيغون نظرياتهم حيال زيف الشخصيات، وأنه لا وجود لـ"سابرينا" ولا لعشيقها وشقيقتها، وأنهم مجرد ممثلين سينمائيين. كما تحضر الجريمة معزِّزةً لانعدام الثقة في المجتمع الأمريكي، الذي لطالما كان محمَّلًا بالشك والريبة تجاه حكومته، خصوصًا في الفترة الأخيرة.
والرواية تنجح في تصويرها لحالة انعدام الثقة بنحوٍ دقيق سرديًّا وبصريًّا. حيث نرى "تِدي"، عشيق المقتولة، وهو يلجأ إلى صديقه القديم "كالفن" ليتجاوز محنته. فنقرأ و"نرى" كيف يجري التواصل المضطرب والمختل بينه وبين "كالفن". وحتى "كالفن" نفسه، فإننا نرى معاناته في مقر عمله؛ إذ كل جملة تمرُّ عليه، وإن كانت اعتيادية، تبدو وكأنها تهديد مبطَّن.
"سابرينا" رواية تصور العزلة والاغتراب الذي يفرضه المجتمع الأمريكي اليوم، ويدفع بأفراده إلى التصديق بنظريات غريبة. ولعل السبب الكامن وراء سهولة تصديق تلك النظريات واختلاقها، هو لتعزيز الانتماء للجماعة، أكثر منه رغبة بتفسير ما يحدث. وقد نجح نِك درناسو في إيصال ذلك من خلال لوحات بأحجام محدَّدة، نرى فيها الشخصيات بملامح محدودة، منعزلة في مكان ضيق، أو صغيرة للغاية، ووحيدة في فضاءات واسعة. مما يجعل تجربة القراءة غير مريحة على طول العمل الروائي. وهذا مما تتيحه الرواية المصوَّرة، فهي تخلق تكاملًا بين الموضوع وشكله البصري.
أمثلة على تكامل الموضوع والشكل
ولعل من أفضل أمثلة على ذلك رواية "أستيريوس بوليب" (Asterios Polyp)، وتحكي عن برفيسور ومعماري من أصول يونانية وإيطالية، والقصة من تأليف ديفيد مازوتشيلي. في هذه الرواية نحن لا نقرأ فقط سيرة "أستيريوس" بعد احتراق شقته الفارهة ورحلته البعيدة إلى قرية عشوائية، بل نرى الأسئلة الأخلاقية والانعكاسات النفسية بشكلٍ بصري؛ نرى الاختلاف بين "أستيريوس" وعشيقته في الألوان المتباينة لكليهما؛ الأزرق البارد، والزوايا الحادة في تصميم "أستريوس" الذي يتناسب مع حدّته وبرودته العدائية، مقابل الانحناءات الحمراء الناعمة والخطوط الرشيقة المتعامدة لعشيقته، موظِّفًا في ذلك فكر "أستيريوس" نفسه وفنه المعماري.
تعيد هذه الأساليب الفنية أهمية توليد المشاعر في العمل الفني، وأن العمل، وإن ارتكز على موضوعه أو طرحه النقدي أو حبكته، فإن توليد المشاعر هو ما يجعل تجربة التلقي أكثر متانة. وللقصص المصوَّرة فضاء رحب للإبداع في هذا الجانب، يتناسب والخيال الواسع لدى المؤلف والرسام.
وإذا كانت الروايات المصوَّرة، مثل رواية "سابرينا"، قادرة على تناول الموضوعات الجادة، والموضوعات التي تتشابك مع الواقع المباشر، فلماذا لا يزال القارئ العربي يظن أنها روايات غير جادة، بل ربما يظن أنها للأطفال فقط؟
وليس ذلك بمستغرب، فالأمر ذاته نجده مع بعض الأجناس الأدبية الأخرى، ومع الأنمي أيضًا. لكن المفارقة اللافتة التي قد لا يعلم عنها بعض القرّاء، أن استحضار الروايات المصوَّرة لا يأتي إلا ومعه أمثلة بارزة باتت اليوم من المعتمد الأدبي للروايات المصوَّرة (Canon)، وجميعها ذات طابع سياسي ناقد وقاسٍ للغاية، سوداوي وعنيف، ولا يمكن وصفه بأي شكل من الأشكال بأنه أدب أطفال أو غير جاد أو منعزل عن واقعه. وهنا تحضر روايات مثل "ڤي رمزًا للثأر"، و"الحراس" لآلان مور، و"ماوس" لآرت سبيغلمان، و"بيرسوبوليس" لمرجان سترابي، وغيرها الكثير الذي يحمل في مجمله الطابع السياسي النقدي أو الذاتي والسِيَري، أو كليهما.
ولو تناولنا أحد الأمثلة البارزة؛ رواية "الحراس"، التي يستحيل أن تجد قائمة توصيات بروايات مصوّرة من دون أن تكون على قمتها، ستجد أنها، مع كل ما تحمله من نقدٍ قاسٍ وحاد تجاه الوطنية الأمريكية وصناعة الأسطورة والاستبداد الأخلاقي، حريصةٌ أيضًا على إظهاره في شكلها الفني وبأسلوبٍ غاية في الدهاء. فمن المعروف ارتباط الأبطال الخارقين بالقصص المصوَّرة للمراهقين، فيأتي آلان مور موظِّفًا الأمر ذاته في رواية "الحراس"، ولكن على نحوٍ مشوّهٍ، قاسٍ، واقعي. وكأنه يقول: "أتريد قصة مصورة عن الأبطال الخارقين؟ لا مشكلة، تفضل!". فنقرأ قصة عن "حرّاس خارقين"، ولكنهم غارقون في واقعيتهم، وأمزجتهم النفسية، ومشاكلهم الشخصية، ومتورطون في المؤامرات السياسية، لنرى صورةً حقيقيةً لما يمكن أن يكونه هذا البطل الخارق لو وُجد في عالمنا.
وكذلك ينطبق الأمر على روايته الأخرى التي تحوّلت إلى فِلم شهير، "ڤي رمزًا للثأر" (V for Vendetta)، والتي تحمل تنظيرًا للأناركية. أما "ماوس" و"بيرسوبوليس" فهما روايتا سيرة أكثر من كونهما يحملان طرحًا فكريًّا ونقديًّا عميقًا. فالأولى توثّق سيرة أحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية من اليهود، يسرد لابنه ما يتذكره من قصص كي يكتبها. أما الأخرى فهي للفرنسية من أصول إيرانية، مرجان سترابي، وتحكي عن سيرتها وهي طفلة في إيران ما بعد الثورة، والتبدل الكبير الذي حصل في المجتمع الإيراني الذي فرضته السلطة، وكيف أثّر ذلك بأسرتها.
ولعل من أفضل أمثلة على ذلك رواية "أستيريوس بوليب" (Asterios Polyp)، وتحكي عن برفيسور ومعماري من أصول يونانية وإيطالية، والقصة من تأليف ديفيد مازوتشيلي. في هذه الرواية نحن لا نقرأ فقط سيرة "أستيريوس" بعد احتراق شقته الفارهة ورحلته البعيدة إلى قرية عشوائية، بل نرى الأسئلة الأخلاقية والانعكاسات النفسية بشكلٍ بصري؛ نرى الاختلاف بين "أستيريوس" وعشيقته في الألوان المتباينة لكليهما؛ الأزرق البارد، والزوايا الحادة في تصميم "أستريوس" الذي يتناسب مع حدّته وبرودته العدائية، مقابل الانحناءات الحمراء الناعمة والخطوط الرشيقة المتعامدة لعشيقته، موظِّفًا في ذلك فكر "أستيريوس" نفسه وفنه المعماري.
تعيد هذه الأساليب الفنية أهمية توليد المشاعر في العمل الفني، وأن العمل، وإن ارتكز على موضوعه أو طرحه النقدي أو حبكته، فإن توليد المشاعر هو ما يجعل تجربة التلقي أكثر متانة. وللقصص المصوَّرة فضاء رحب للإبداع في هذا الجانب، يتناسب والخيال الواسع لدى المؤلف والرسام.
وإذا كانت الروايات المصوَّرة، مثل رواية "سابرينا"، قادرة على تناول الموضوعات الجادة، والموضوعات التي تتشابك مع الواقع المباشر، فلماذا لا يزال القارئ العربي يظن أنها روايات غير جادة، بل ربما يظن أنها للأطفال فقط؟
وليس ذلك بمستغرب، فالأمر ذاته نجده مع بعض الأجناس الأدبية الأخرى، ومع الأنمي أيضًا. لكن المفارقة اللافتة التي قد لا يعلم عنها بعض القرّاء، أن استحضار الروايات المصوَّرة لا يأتي إلا ومعه أمثلة بارزة باتت اليوم من المعتمد الأدبي للروايات المصوَّرة (Canon)، وجميعها ذات طابع سياسي ناقد وقاسٍ للغاية، سوداوي وعنيف، ولا يمكن وصفه بأي شكل من الأشكال بأنه أدب أطفال أو غير جاد أو منعزل عن واقعه. وهنا تحضر روايات مثل "ڤي رمزًا للثأر"، و"الحراس" لآلان مور، و"ماوس" لآرت سبيغلمان، و"بيرسوبوليس" لمرجان سترابي، وغيرها الكثير الذي يحمل في مجمله الطابع السياسي النقدي أو الذاتي والسِيَري، أو كليهما.
ولو تناولنا أحد الأمثلة البارزة؛ رواية "الحراس"، التي يستحيل أن تجد قائمة توصيات بروايات مصوّرة من دون أن تكون على قمتها، ستجد أنها، مع كل ما تحمله من نقدٍ قاسٍ وحاد تجاه الوطنية الأمريكية وصناعة الأسطورة والاستبداد الأخلاقي، حريصةٌ أيضًا على إظهاره في شكلها الفني وبأسلوبٍ غاية في الدهاء. فمن المعروف ارتباط الأبطال الخارقين بالقصص المصوَّرة للمراهقين، فيأتي آلان مور موظِّفًا الأمر ذاته في رواية "الحراس"، ولكن على نحوٍ مشوّهٍ، قاسٍ، واقعي. وكأنه يقول: "أتريد قصة مصورة عن الأبطال الخارقين؟ لا مشكلة، تفضل!". فنقرأ قصة عن "حرّاس خارقين"، ولكنهم غارقون في واقعيتهم، وأمزجتهم النفسية، ومشاكلهم الشخصية، ومتورطون في المؤامرات السياسية، لنرى صورةً حقيقيةً لما يمكن أن يكونه هذا البطل الخارق لو وُجد في عالمنا.
وكذلك ينطبق الأمر على روايته الأخرى التي تحوّلت إلى فِلم شهير، "ڤي رمزًا للثأر" (V for Vendetta)، والتي تحمل تنظيرًا للأناركية. أما "ماوس" و"بيرسوبوليس" فهما روايتا سيرة أكثر من كونهما يحملان طرحًا فكريًّا ونقديًّا عميقًا. فالأولى توثّق سيرة أحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية من اليهود، يسرد لابنه ما يتذكره من قصص كي يكتبها. أما الأخرى فهي للفرنسية من أصول إيرانية، مرجان سترابي، وتحكي عن سيرتها وهي طفلة في إيران ما بعد الثورة، والتبدل الكبير الذي حصل في المجتمع الإيراني الذي فرضته السلطة، وكيف أثّر ذلك بأسرتها.

الكوميكس العربي
عربيًّا، تنال الروايات المصورة اهتمامًا خاصًّا من دار المحروسة في مصر، ترجمةً وإنتاجًا. إذ تَرجمَتْ الروايات المشهورة مثل "الحراس" و"بيرسيبوليس"، بل تَرجمَتْ أيضًا تلك التي لم تصِب شهرةً من ألمانيا وفرنسا والتشيك لغرض تقديمها للقارئ العربي، مثل سلسلة "نيبيل" للتشيكي ياروسلاڤ رودش. كما أن لها إصدارات عربية أبرزها سلسلة "شبيك لبيك" لدينا محمد يحيى، التي تُرجمت إلى لغات عالمية.
وهناك اسم مهم آخر لكاتبة عربية، وهي اللبنانية زينة أبي راشد، التي كثيرًا ما ارتبط اسمها بمرجان سترابي؛ فعدا عن أن كلتيهما تكتب بالفرنسية، فإنهما تتشابهان أيضًا في أسلوبهما الفني، وفي طبيعة الموضوعات التي تطرقانها. ولزينة عدة روايات مصوّرة، أشهرها الرواية التي لم تُترجم إلى العربية حتى الآن "لعبة السنونو: أن نموت، أن نرحل، أن نعود" (A Game for Swallows: To Die, To Leave, To Return).

من رواية "لعبة السنونو: أن نموت، أن نرحل، أن نعود".
تجري أحداث الراوية في إحدى ليالي الحرب الأهلية اللبنانية، عندما كانت "زينة" وشقيقها طفلين، وكانا ينتظران عودة والديهما من بيروت الغربية في أثناء تجمع أهل البناية (كما اعتادت سائر العائلات فعل ذلك في سنوات الحرب الخمسة عشر). تتشابه زينة ومرجان كثيرًا، كلاهما تكتب رواياتٍ مصوّرة سِيَرية، ولكن من خلالها تَعبُران إلى السرديات الكبرى التي تخص الوطن والحرب والحنين؛ وكلتاهما أيضًا تكتب القصة على مستوًى يفتقر إلى العمق الذي يتطلبه الموضوع. ولعل ذلك ما يجعل أعمالهما مواد مرغوبة لدى الناشر الفرنسي، إذ تتماشى هذه الخطابات النقدية مع ما يريده الناشر والمتلقي الفرنسي، لأنها تتفق مع الصور النمطية المرسومة في أذهانهم حيال مجتمعات الشرق الأوسط، إلى جانب سهولة تسويقها.
وكذلك لم تغِب القضية الفلسطينية أبدًا عن هذا الحقل الفني. وهناك اسمان بارزان عملا معًا وبشكل منفصل أيضًا في تأليف مختلف الروايات والأعمال الصحافية المصورة حول القضية، وهما اللبناني مازن كرباج، والمالطي الأمريكي جو ساكو. حيث نشر الأول أعمالًا كثيرة تخص لبنان، منها "بيروت لن تبكي" (Beirut Won't Cry)، وهذا العام "غزة في هاتفي" (Gaza in My Phone). أما ساكو فقد نشر سلسلةً بعنوان "فلسطين" (Palestine)، وتدور أحداثها في مطلع التسعينيات بين الضفة الغربية وغزة. وهناك غيرها الكثير من الأعمال حول موضوعات مختلفة من سراييڤو في البوسنة إلى المناطق النائية في شمال كندا.
الروايات المصورة هي واحدة من الأمثلة الذكية التي حوّلت ما كان يُنظر إليه على أنه عيوب إلى امتيازات! هذا الجنس الأدبي الذي يحمل الخفة وعدم الجدية، وجد في نفسه فرصةَ أن يوازن ذلك بتناول الموضوعات غير المطروقة، وبالجرأة التي يريد صاحبها. كما أن استخدام الصور والألوان والإطارات والتشكيل الفني المبهر، يعمل مثل المخدر أو المهدئ الذي يضع القارئ في منطقة أقل دفاعية وأقل قابلية للحديث حول ما لا نفضّل الحديث عنه عادة. فمن خلال الجمع بين رسومات تبدو موجَّهة للأطفال وجديَّةَ الموضوع، نكون أكثر قدرة على الالتحام بواقعنا ومساءلته ومناقشته في منطقة أكثر أمانًا.
على القارئ العربي أن يتحرّر من التصنيف بوصفه حكمًا قيميًّا، وأن يخوض تجارب قرائية قد تقوده لاكتشاف نقيض ما كان يعتقده. فالكثير من الروايات المصورة أبعد ما تكون عن البساطة أو السطحية، بل مثلها مثل بقية الأجناس الأدبية؛ قادرة على حمل الموضوعات الجادة سردًا وصورةً.
حسين الضو: كاتب سعودي.
وكذلك لم تغِب القضية الفلسطينية أبدًا عن هذا الحقل الفني. وهناك اسمان بارزان عملا معًا وبشكل منفصل أيضًا في تأليف مختلف الروايات والأعمال الصحافية المصورة حول القضية، وهما اللبناني مازن كرباج، والمالطي الأمريكي جو ساكو. حيث نشر الأول أعمالًا كثيرة تخص لبنان، منها "بيروت لن تبكي" (Beirut Won't Cry)، وهذا العام "غزة في هاتفي" (Gaza in My Phone). أما ساكو فقد نشر سلسلةً بعنوان "فلسطين" (Palestine)، وتدور أحداثها في مطلع التسعينيات بين الضفة الغربية وغزة. وهناك غيرها الكثير من الأعمال حول موضوعات مختلفة من سراييڤو في البوسنة إلى المناطق النائية في شمال كندا.
الروايات المصورة هي واحدة من الأمثلة الذكية التي حوّلت ما كان يُنظر إليه على أنه عيوب إلى امتيازات! هذا الجنس الأدبي الذي يحمل الخفة وعدم الجدية، وجد في نفسه فرصةَ أن يوازن ذلك بتناول الموضوعات غير المطروقة، وبالجرأة التي يريد صاحبها. كما أن استخدام الصور والألوان والإطارات والتشكيل الفني المبهر، يعمل مثل المخدر أو المهدئ الذي يضع القارئ في منطقة أقل دفاعية وأقل قابلية للحديث حول ما لا نفضّل الحديث عنه عادة. فمن خلال الجمع بين رسومات تبدو موجَّهة للأطفال وجديَّةَ الموضوع، نكون أكثر قدرة على الالتحام بواقعنا ومساءلته ومناقشته في منطقة أكثر أمانًا.
على القارئ العربي أن يتحرّر من التصنيف بوصفه حكمًا قيميًّا، وأن يخوض تجارب قرائية قد تقوده لاكتشاف نقيض ما كان يعتقده. فالكثير من الروايات المصورة أبعد ما تكون عن البساطة أو السطحية، بل مثلها مثل بقية الأجناس الأدبية؛ قادرة على حمل الموضوعات الجادة سردًا وصورةً.
حسين الضو: كاتب سعودي.