
في رواية "الرابح يبقى وحيدًا" للبرازيلي باولو كويلو، يُعبِّر الثري الروسي إيغور عن خيبة أمله من أول زيارة له لمهرجان "كان" السينمائي؛ إذ أدرك منذ اللحظة الأولى أن لا أحد هناك يبدو مهتمًّا فعلًا بالأفلام. وعندما وجد صعوبة بالغة في الحصول على معلومات حول الأفلام الجاري عرضها، أملًا في مشاهدة بعضها، أشار إليه أحد أصدقائه "بأن ينسى أمر الأفلام، فالمهرجان مجرد مسرح لعرض الأزياء".
كان هذا الروائي البرازيلي الذائع الصيت يعرف عن قرب المهرجان الأشهر في العالم؛ لأنه سبق أن كان ضيفَه مراتٍ عديدة، ولم يكن في أيٍّ منها ضيفًا عاديًّا على الإطلاق. وهذا يعني أن تلك الصورة القاتمة والسوداوية التي ترسمها روايته عن المهرجان تعكس في جوانب منها تجربة شخصية. ولكنها في جوانب أخرى تعيد تمثيل تلك الصورة التي تعكسها مجلّات المشاهير والأزياء والموضة، وتغطيات صحافة "التابلويد" لفعاليات السجادات الحمراء وحفلات ربطات العنق السوداء، ومصورو "الباباراتزي" الذين ينتظرون لساعاتٍ إطلالات المشاهير والنجوم من نوافذ غرف فنادقهم الفاخرة لالتقاط صورة أو اثنتين. فالواقع أن مهرجان "كان" اختار منذ أيامه الأولى أن يستهدف حصريًّا النُّخَب من الصحفيين والنقّاد، وأن يكون سوقًا لأفلامٍ تستهدف بالدرجة الأولى المشتغلين في الحقول المختلفة لهذه الصناعة، متجاهلًا المستفيد الأول: الجمهور العام.
في القارة العجوز وُلدت السينما، وفي القارة العجوز وُلدت أول المهرجانات السينمائية قبل ما يقرب من قرنٍ من الزمان، ولا يزال بعضها حتى هذا اليوم يتربَّع على قمة مهرجانات العالم، بدءًا بالمهرجانات العامة الأشهر، التي جرت العادة على تسميتها "بالثلاث الكبرى": (برلين وكان والبندقية)، مرورًا بمهرجانات ذات تاريخ وتأثير مهمٍّ، مثل: "كاروفي فاري" و"لوكارنو" و"تسالونيكي"، وانتهاءً بالمهرجانات النوعية والمتخصصة، مثل: مهرجان "آنسي" لأفلام التحريك، و"كليرمونت فيران" للأفلام القصيرة، و"إدفا" للأفلام الوثائقية، و"إل تشينما ريتروفاتو" للأفلام المُرمَّمة والكلاسيكية.
في القارة العجوز وُلدت السينما، وفي القارة العجوز وُلدت أول المهرجانات السينمائية قبل ما يقرب من قرنٍ من الزمان، ولا يزال بعضها حتى هذا اليوم يتربَّع على قمة مهرجانات العالم، بدءًا بالمهرجانات العامة الأشهر، التي جرت العادة على تسميتها "بالثلاث الكبرى": (برلين وكان والبندقية)، مرورًا بمهرجانات ذات تاريخ وتأثير مهمٍّ، مثل: "كاروفي فاري" و"لوكارنو" و"تسالونيكي"، وانتهاءً بالمهرجانات النوعية والمتخصصة، مثل: مهرجان "آنسي" لأفلام التحريك، و"كليرمونت فيران" للأفلام القصيرة، و"إدفا" للأفلام الوثائقية، و"إل تشينما ريتروفاتو" للأفلام المُرمَّمة والكلاسيكية.

مهرجان لندن السينمائي.
صورة المهرجانات السينمائية
تتأرجح صورة المهرجانات السينمائية والدَّور المُتخيل لها في عالم السينما، بين تلك الوردية الحالمة البرّاقة والباذخة في عالم الثراء والشهرة التي تلوِّنها وسائل الإعلام، وتلك التي تمنح المهرجانات دورًا شعبويًّا فنيًّا نضاليًّا. ويروق لأصحاب النظرة الأخيرة وصفها بأنها منصات حملت على عاتقها حماية السينما أسلوبًا وموضوعًا، وحافظت على مكتسباتها، واكتشفت المواهب، وروَّجت لأنماط ومدارس تعبيرية وسردية جديدة، ودافعت عن قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية ساخنة، ومنحت صوتًا لمن لا صوت لهم. هذه الصورة العامة هي التي تود مهرجانات العالم الكبرى أن تترسَّخ في الخيال الشعبي، ونرى ذلك جليًّا في فِلم المخرج الأمريكي ريتشارد لينكليتر الجديد "الموجة الجديدة"، الذي اختِير ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان "كان" السينمائي في نسخته الأخيرة.
تتأرجح صورة المهرجانات السينمائية والدَّور المُتخيل لها في عالم السينما، بين تلك الوردية الحالمة البرّاقة والباذخة في عالم الثراء والشهرة التي تلوِّنها وسائل الإعلام، وتلك التي تمنح المهرجانات دورًا شعبويًّا فنيًّا نضاليًّا. ويروق لأصحاب النظرة الأخيرة وصفها بأنها منصات حملت على عاتقها حماية السينما أسلوبًا وموضوعًا، وحافظت على مكتسباتها، واكتشفت المواهب، وروَّجت لأنماط ومدارس تعبيرية وسردية جديدة، ودافعت عن قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية ساخنة، ومنحت صوتًا لمن لا صوت لهم. هذه الصورة العامة هي التي تود مهرجانات العالم الكبرى أن تترسَّخ في الخيال الشعبي، ونرى ذلك جليًّا في فِلم المخرج الأمريكي ريتشارد لينكليتر الجديد "الموجة الجديدة"، الذي اختِير ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان "كان" السينمائي في نسخته الأخيرة.
“
ثلاثة عوامل رئيسة حكمت، ولا تزال، المهرجانات السينمائية: السياسة، والإنتاج والتوزيع، والرقابة، وهي ترسّخ أنماطًا سردية وموضوعاتٍ معينة أكثر من غيرها.
عوامل رئيسة تؤثر في المهرجانات
على المراقب ألّا يغفل عن ثلاثة عوامل رئيسة حكمت، ولا تزال، كل المهرجانات السينمائية: السياسة، والإنتاج والتوزيع، والرقابة.
وتجدر الإشارة إلى أن أثر هذه العناصر يتجاوز الجانبين الاقتصادي والسياسي الواضحين، فهو يرسّخ أنماطًا سردية وموضوعاتٍ معينة أكثر من غيرها. ومن اللافت أن النموذج السائد للمهرجان السينمائي (النموذج الأوروبي)، بوصفه حدثًا سنويًّا مستقلًّا معنيًّا باختيار أفلام معينة وبرمجتها، ومن ثَمَّ عرضها على جمهور مخصوص في فترة زمنية محددة، لم يترسَّخ إلا بعد عدة عقود من استخدام الفِلم وسيطًا. ولم يأتِ الاعتراف بشرعية السينما شكلًا فنيًّا جديدًا ومستقلًّا، شأنها في ذلك شأن فنون الأداء الأخرى كالمسرح والأوبرا والغناء والسيرك، إلا مع مهرجان البندقية عام 1932م.
آنذاك، كان يُحتفى بالسينما باعتبارها أحد أهم مظاهر الحداثة والمدنية وتطلعاتها العابرة للحدود. غير أنه مع ظهور السينما الناطقة برز حاجز اللغة، الذي صار من أهم تحديات التلقِّي التي واجهتها السينما الأوروبية خارج حدودها في مقابل هيمنةٍ متزايدة للسينما الأمريكية على الساحة الدولية. وعزَّز ذلك ظهور النزعات القومية التي اتخذت من الحداثة وأدبياتها الكوزموبوليتانية موقفًا مضادًّا. من هنا، جاء مهرجان البندقية ليحلَّ أزمة الإنتاج والتوزيع أولًا، ولترويج القيم القومية والمحلية ثانيًا.
على المراقب ألّا يغفل عن ثلاثة عوامل رئيسة حكمت، ولا تزال، كل المهرجانات السينمائية: السياسة، والإنتاج والتوزيع، والرقابة.
وتجدر الإشارة إلى أن أثر هذه العناصر يتجاوز الجانبين الاقتصادي والسياسي الواضحين، فهو يرسّخ أنماطًا سردية وموضوعاتٍ معينة أكثر من غيرها. ومن اللافت أن النموذج السائد للمهرجان السينمائي (النموذج الأوروبي)، بوصفه حدثًا سنويًّا مستقلًّا معنيًّا باختيار أفلام معينة وبرمجتها، ومن ثَمَّ عرضها على جمهور مخصوص في فترة زمنية محددة، لم يترسَّخ إلا بعد عدة عقود من استخدام الفِلم وسيطًا. ولم يأتِ الاعتراف بشرعية السينما شكلًا فنيًّا جديدًا ومستقلًّا، شأنها في ذلك شأن فنون الأداء الأخرى كالمسرح والأوبرا والغناء والسيرك، إلا مع مهرجان البندقية عام 1932م.
آنذاك، كان يُحتفى بالسينما باعتبارها أحد أهم مظاهر الحداثة والمدنية وتطلعاتها العابرة للحدود. غير أنه مع ظهور السينما الناطقة برز حاجز اللغة، الذي صار من أهم تحديات التلقِّي التي واجهتها السينما الأوروبية خارج حدودها في مقابل هيمنةٍ متزايدة للسينما الأمريكية على الساحة الدولية. وعزَّز ذلك ظهور النزعات القومية التي اتخذت من الحداثة وأدبياتها الكوزموبوليتانية موقفًا مضادًّا. من هنا، جاء مهرجان البندقية ليحلَّ أزمة الإنتاج والتوزيع أولًا، ولترويج القيم القومية والمحلية ثانيًا.
نظام موسوليني وتسييس المهرجانات
أسهم الشكل الذي تبنّاه مهرجان البندقية في جعل المهرجان أشبه "بأولمبياد دولي للأفلام"، كما يصفه المؤرخ والباحث ماريج دي فلاك. فلم يكُن هناك فريق لاختيار الأفلام وبرمجتها، ولم يكُن للمنتج ولا المخرج دورٌ في التقدم للمهرجان، وإنما تُركت لكل دولة، مُمثَّلة في وزارات الثقافة أو الهيئات الحكومية المعنية بالأفلام، حرية اختيار الفِلم الذي تراه ملائمًا لتمثيلها (وهو أشبه بالنموذج المُتَّبع حاليًّا في التقدُّم لجوائز الأوسكار عن فرع الفِلم الناطق بلغة أجنبية). وانحصر دور المهرجان في تشكيل لجان تحكيمٍ مهمتها منح الجوائز للأفلام المشاركة وتكريمها. وسرعان ما أصبح المهرجان منصة ترويجٍ للدول وقيمها الوطنية والقومية أكثر منه للاحتفاء بالسينما فنًّا وشكلًا.
بعد ذلك، وقُبيل الحرب العالمية الثانية، تزايدت ضغوط نظام موسوليني وتدخّله في قرارات لجان التحكيم في مهرجان البندقية؛ لكي تُمنح الجوائز للأفلام التي تروِّج لقيمٍ ارتكزت عليها شعارات اليمين الأوروبي، مثل الفاشية والنازية، وتُحجب عن تلك التي تروج للقيم الليبرالية والديمقراطية.
وشجَّع هذا التوجه دولًا مثل فرنسا والمملكة المتحدة على التفكير جديًّا في تأسيس مهرجانات مضادة لمهرجان البندقية، تهدف بالدرجة الأولى إلى ترويج قيمها السياسية والاجتماعية. حينئذٍ وُلدت فكرة مهرجان "كان" السينمائي في فرنسا قُبيل الحرب العالمية الثانية، ومهرجان "إدنبرة" السينمائي في المملكة المتحدة بُعيد نهاية الحرب.
ومع ذلك، تبنَّت هذه المهرجانات المضادة الوليدة نموذج مهرجان البندقية دون تغيير يُذكر، وبقي ذلك النموذج الشكلَ السائد في اختيار الأفلام وتنظيمها وعرضها حتى مطلع السبعينيات الميلادية. وهكذا ظهرت إلى الوجود أهم مهرجانات العالم السينمائية التي لا تزال فاعلة إلى هذا اليوم، ليس لحماية السينما بوصفها فنًّا، أو لخلق سينما بديلة تملك منصةً دولية للترويج لها، وإنما لتحقيق دوافع سياسية وإستراتيجية. وكان للدول المنظِّمة والمشارِكة بصماتها، شكلًا وموضوعًا، على معظم الأفلام المشاركة في الفعاليات الأولى التي ظهرت في العالم قبل الحرب وبعدها، وأصبح ذلك النموذج هو النموذج الذي تسعى إلى محاكاته بقية المهرجانات حول العالم في تلك الحقبة.
أسهم الشكل الذي تبنّاه مهرجان البندقية في جعل المهرجان أشبه "بأولمبياد دولي للأفلام"، كما يصفه المؤرخ والباحث ماريج دي فلاك. فلم يكُن هناك فريق لاختيار الأفلام وبرمجتها، ولم يكُن للمنتج ولا المخرج دورٌ في التقدم للمهرجان، وإنما تُركت لكل دولة، مُمثَّلة في وزارات الثقافة أو الهيئات الحكومية المعنية بالأفلام، حرية اختيار الفِلم الذي تراه ملائمًا لتمثيلها (وهو أشبه بالنموذج المُتَّبع حاليًّا في التقدُّم لجوائز الأوسكار عن فرع الفِلم الناطق بلغة أجنبية). وانحصر دور المهرجان في تشكيل لجان تحكيمٍ مهمتها منح الجوائز للأفلام المشاركة وتكريمها. وسرعان ما أصبح المهرجان منصة ترويجٍ للدول وقيمها الوطنية والقومية أكثر منه للاحتفاء بالسينما فنًّا وشكلًا.
بعد ذلك، وقُبيل الحرب العالمية الثانية، تزايدت ضغوط نظام موسوليني وتدخّله في قرارات لجان التحكيم في مهرجان البندقية؛ لكي تُمنح الجوائز للأفلام التي تروِّج لقيمٍ ارتكزت عليها شعارات اليمين الأوروبي، مثل الفاشية والنازية، وتُحجب عن تلك التي تروج للقيم الليبرالية والديمقراطية.
وشجَّع هذا التوجه دولًا مثل فرنسا والمملكة المتحدة على التفكير جديًّا في تأسيس مهرجانات مضادة لمهرجان البندقية، تهدف بالدرجة الأولى إلى ترويج قيمها السياسية والاجتماعية. حينئذٍ وُلدت فكرة مهرجان "كان" السينمائي في فرنسا قُبيل الحرب العالمية الثانية، ومهرجان "إدنبرة" السينمائي في المملكة المتحدة بُعيد نهاية الحرب.
ومع ذلك، تبنَّت هذه المهرجانات المضادة الوليدة نموذج مهرجان البندقية دون تغيير يُذكر، وبقي ذلك النموذج الشكلَ السائد في اختيار الأفلام وتنظيمها وعرضها حتى مطلع السبعينيات الميلادية. وهكذا ظهرت إلى الوجود أهم مهرجانات العالم السينمائية التي لا تزال فاعلة إلى هذا اليوم، ليس لحماية السينما بوصفها فنًّا، أو لخلق سينما بديلة تملك منصةً دولية للترويج لها، وإنما لتحقيق دوافع سياسية وإستراتيجية. وكان للدول المنظِّمة والمشارِكة بصماتها، شكلًا وموضوعًا، على معظم الأفلام المشاركة في الفعاليات الأولى التي ظهرت في العالم قبل الحرب وبعدها، وأصبح ذلك النموذج هو النموذج الذي تسعى إلى محاكاته بقية المهرجانات حول العالم في تلك الحقبة.

مهرجان كان السينمائي.
عنصر جديد يدخل المعادلة
لم تكن المؤسسات السياسية اللاعب الوحيد في تكوين النموذج الأوروبي للمهرجانات السينمائية والأسلوبية السينمائية التي تشكلت تبعًا لذلك؛ إذ دخل المنتِج عنصرًا رئيسًا في هذه المعادلة. فقد أعاد المنتجون الأوروبيون عام 1984م إحياء مؤسسة تعود إلى ما قبل الحرب، وهي الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF)، وهدفه إيجاد حلول لتحديات التوزيع التي تواجهها الأفلام المُنتَجة في الدول الأوروبية خارج حدودها الوطنية، وتحديدًا تلك الأفلام التي أنتجها أعضاء الاتحاد. ومن دون الدخول في مهام هذا الاتحاد المتشعِّبة، التي لا يزال يحيط بتاريخه وآلية عمله كثير من الغموض، فإن أحد أهم وظائفه وأكثرها جدلية هو احتكاره الإشراف الضمني وتنظيم العالم المتنامي لشبكة المهرجانات بعد الحرب.
لم يكن الاتحاد معنيًّا بتمويل أيٍّ من هذه المهرجانات أو إدارتها إدارةً مباشرة، ولكن بحكم السلطة التي يمتلكها ضمن سلسلة القيمة، اعتمد عدَّة إجراءات جوهرية، لا تزال تسهم حتى يومنا هذا في الترويج لأشكالٍ وأنماط سينمائية معينة. تشمل هذه الإجراءات مثلًا: تلك الآلية سيئة الصيت التي اتبعها الاتحاد في تصنيف المهرجانات تصنيفًا هرميًّا قيميًّا، وتحديد معايير تصنيف تراعي مصالح الاتحاد وتمنح أهميةً وقيمةً أكبر للمهرجانات القادرة على تقديم أكبر عائد اقتصادي للأفلام التي ينتجها أعضاء الاتحاد؛ ومن ثَمَّ تسهيل عرضها في مهرجان بعينه دون الآخر. كانت هذه الخطوة في السنوات الأولى من عمل الاتحاد تهدف إلى حماية مصالح مهرجاني "البندقية" و"كان" ومكانتهما بالدرجة الأولى، اللذين حازا نصيب الأسد من أفضل الأفلام، في حين واجهت المهرجانات الأخرى صعوبةً في ملء مسابقاتها بأفلام ذات جودة مُرضية بسبب قواعد اللعبة التي فرضها الاتحاد، بما في ذلك المهرجانات التي تبنّت نموذج الاتحاد نفسه، مثل: "سان سبستيان" و"القاهرة" و"لوكارنو" و"طوكيو" و"سان فرانسيسكو" و"مونتريال".
كان الاحتكام إلى هذه المعطيات ومسلَّماتها هو ما أدّى إلى ما آلت إليه مهرجانات عديدة حول العالم غربًا وشرقًا، ودفعت بشكلٍ أو بآخر إلى تعثُّرها ثم فشلها، بما فيها تلك المهرجانات التي تأسَّست في المنطقة العربية، وفشلت في صناعة هوية تميزها عن غيرها من المهرجانات الأخرى، ثم فشلت في البحث عن تمويل مستدام ومرن، وقبل كل شيء فشلت في صناعة جمهور وبناء قاعدة جماهيرية وفيَّة وداعمة وقريبة، ترى أن هذا المهرجان أو ذاك يحاكيها ويخاطبها ويتماهى مع أفكارها وآمالها وتطلعاتها.
لم تكن المؤسسات السياسية اللاعب الوحيد في تكوين النموذج الأوروبي للمهرجانات السينمائية والأسلوبية السينمائية التي تشكلت تبعًا لذلك؛ إذ دخل المنتِج عنصرًا رئيسًا في هذه المعادلة. فقد أعاد المنتجون الأوروبيون عام 1984م إحياء مؤسسة تعود إلى ما قبل الحرب، وهي الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF)، وهدفه إيجاد حلول لتحديات التوزيع التي تواجهها الأفلام المُنتَجة في الدول الأوروبية خارج حدودها الوطنية، وتحديدًا تلك الأفلام التي أنتجها أعضاء الاتحاد. ومن دون الدخول في مهام هذا الاتحاد المتشعِّبة، التي لا يزال يحيط بتاريخه وآلية عمله كثير من الغموض، فإن أحد أهم وظائفه وأكثرها جدلية هو احتكاره الإشراف الضمني وتنظيم العالم المتنامي لشبكة المهرجانات بعد الحرب.
لم يكن الاتحاد معنيًّا بتمويل أيٍّ من هذه المهرجانات أو إدارتها إدارةً مباشرة، ولكن بحكم السلطة التي يمتلكها ضمن سلسلة القيمة، اعتمد عدَّة إجراءات جوهرية، لا تزال تسهم حتى يومنا هذا في الترويج لأشكالٍ وأنماط سينمائية معينة. تشمل هذه الإجراءات مثلًا: تلك الآلية سيئة الصيت التي اتبعها الاتحاد في تصنيف المهرجانات تصنيفًا هرميًّا قيميًّا، وتحديد معايير تصنيف تراعي مصالح الاتحاد وتمنح أهميةً وقيمةً أكبر للمهرجانات القادرة على تقديم أكبر عائد اقتصادي للأفلام التي ينتجها أعضاء الاتحاد؛ ومن ثَمَّ تسهيل عرضها في مهرجان بعينه دون الآخر. كانت هذه الخطوة في السنوات الأولى من عمل الاتحاد تهدف إلى حماية مصالح مهرجاني "البندقية" و"كان" ومكانتهما بالدرجة الأولى، اللذين حازا نصيب الأسد من أفضل الأفلام، في حين واجهت المهرجانات الأخرى صعوبةً في ملء مسابقاتها بأفلام ذات جودة مُرضية بسبب قواعد اللعبة التي فرضها الاتحاد، بما في ذلك المهرجانات التي تبنّت نموذج الاتحاد نفسه، مثل: "سان سبستيان" و"القاهرة" و"لوكارنو" و"طوكيو" و"سان فرانسيسكو" و"مونتريال".
كان الاحتكام إلى هذه المعطيات ومسلَّماتها هو ما أدّى إلى ما آلت إليه مهرجانات عديدة حول العالم غربًا وشرقًا، ودفعت بشكلٍ أو بآخر إلى تعثُّرها ثم فشلها، بما فيها تلك المهرجانات التي تأسَّست في المنطقة العربية، وفشلت في صناعة هوية تميزها عن غيرها من المهرجانات الأخرى، ثم فشلت في البحث عن تمويل مستدام ومرن، وقبل كل شيء فشلت في صناعة جمهور وبناء قاعدة جماهيرية وفيَّة وداعمة وقريبة، ترى أن هذا المهرجان أو ذاك يحاكيها ويخاطبها ويتماهى مع أفكارها وآمالها وتطلعاتها.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
آثار معايير التصنيف بالمهرجانات
لقد دفعت معايير التصنيف، مثل عدد أفلام "العرض الأول" التي يحظى بها المهرجان، المهرجاناتِ الثرية والأقدر على توفير مصادر الدعم والتمويل، إلى تطوير مبادرات لتمويل الأفلام عبر صناديق دعم تنافسية، أو استضافة سوق للإنتاج المشترك. وبذلك، يكون المهرجان بذاته شريكًا في تمويل الأفلام التي أسهم في إنتاجها وشريكًا في ترويجها وعرضها. ومما لا شك فيه أن هذه الصناديق كانت تستهدف إلى حدٍّ بعيد مشروعات الأفلام في دول الجنوب الفقيرة، وتلك التي تفتقر إلى صناعة سينمائية متينة. وأسهم تطوير هذه المبادرات في زيادة قدرة المهرجانات على ضمان الحصول على فرصة عروض أولى للأفلام حتى قبل أن ينتهي إنتاجها.
لقد دفعت معايير التصنيف، مثل عدد أفلام "العرض الأول" التي يحظى بها المهرجان، المهرجاناتِ الثرية والأقدر على توفير مصادر الدعم والتمويل، إلى تطوير مبادرات لتمويل الأفلام عبر صناديق دعم تنافسية، أو استضافة سوق للإنتاج المشترك. وبذلك، يكون المهرجان بذاته شريكًا في تمويل الأفلام التي أسهم في إنتاجها وشريكًا في ترويجها وعرضها. ومما لا شك فيه أن هذه الصناديق كانت تستهدف إلى حدٍّ بعيد مشروعات الأفلام في دول الجنوب الفقيرة، وتلك التي تفتقر إلى صناعة سينمائية متينة. وأسهم تطوير هذه المبادرات في زيادة قدرة المهرجانات على ضمان الحصول على فرصة عروض أولى للأفلام حتى قبل أن ينتهي إنتاجها.
ما تبعات ذلك على سينما الجنوب؟
تتمثّل أهم هذه التبعات في الأثر السلبي الذي طال المهرجانات والفعاليات السينمائية المُقامة في الدول التي تنتمي إليها تلك الأفلام. فأصبح صُنَّاع الأفلام في دول الجنوب يفضّلون عرض أفلامهم في المهرجانات الأوروبية على المهرجانات المحلية أو الإقليمية. وتبعًا لذلك، أصبح جمهور تلك المهرجانات الأوروبية الكبرى هو الجمهور الذي يتطلّع صانعو تلك الأفلام إلى لفتِ انتباهه وترك أثرٍ وانطباعٍ إيجابيٍّ لديه. ولأن عجلة الإنتاج وسلسلة القيمة لسينما دول الجنوب تبدأ عادةً من صندوق التمويل في ذلك المهرجان الأوروبي وتنتهي بعرضه في المهرجان نفسه (أو مهرجانٍ شبيه)، فإن الجمهور المُستهدَف كان دائمًا وأبدًا هو الجمهور الأوروبي، والسوق المستهدفة هي السوق الأوروبية والأمريكية، والذائقة التي يُحتكَم إليها هي ذائقة جمهور المهرجانات الأوروبية الكبرى. وأصبح من المتوقع من صُنَّاع أفلام هذا الجانب من العالم سرد حكايات مُحمَّلة بقضايا تحكي التهميش والتهجير والفقر لصالح المشاهدين النخبة الأثرياء، فيما بات يُعرف بـ"إباحية الفقر"، ومُدجَّجة بـ"جماليات السينما الفنية".
تتمثّل أهم هذه التبعات في الأثر السلبي الذي طال المهرجانات والفعاليات السينمائية المُقامة في الدول التي تنتمي إليها تلك الأفلام. فأصبح صُنَّاع الأفلام في دول الجنوب يفضّلون عرض أفلامهم في المهرجانات الأوروبية على المهرجانات المحلية أو الإقليمية. وتبعًا لذلك، أصبح جمهور تلك المهرجانات الأوروبية الكبرى هو الجمهور الذي يتطلّع صانعو تلك الأفلام إلى لفتِ انتباهه وترك أثرٍ وانطباعٍ إيجابيٍّ لديه. ولأن عجلة الإنتاج وسلسلة القيمة لسينما دول الجنوب تبدأ عادةً من صندوق التمويل في ذلك المهرجان الأوروبي وتنتهي بعرضه في المهرجان نفسه (أو مهرجانٍ شبيه)، فإن الجمهور المُستهدَف كان دائمًا وأبدًا هو الجمهور الأوروبي، والسوق المستهدفة هي السوق الأوروبية والأمريكية، والذائقة التي يُحتكَم إليها هي ذائقة جمهور المهرجانات الأوروبية الكبرى. وأصبح من المتوقع من صُنَّاع أفلام هذا الجانب من العالم سرد حكايات مُحمَّلة بقضايا تحكي التهميش والتهجير والفقر لصالح المشاهدين النخبة الأثرياء، فيما بات يُعرف بـ"إباحية الفقر"، ومُدجَّجة بـ"جماليات السينما الفنية".

مهرجان البحر الأحمر.
الدعوة إلى "سينما ثالثة"
قبل أكثر من خمسين عامًا، وفي مقالة شهيرة بعنوان "نحو سينما ثالثة"، تنبَّه المخرجان الأرجنتينيان، فيرناندو سولانس وأوكتافيو جيتينو، إلى مصيدة "جماليات السينما الفنية" التي تروّج لها المهرجانات الأوروبية الكبرى باعتبارها قِيمًا ذوقيةً كونية. فقد أشار المخرجان إلى أن السينما، شكلًا وأسلوبًا ونمطًا، أصبحت تتأرجح بين استنساخ للنمط الهوليوودي الذي يخضع لمتطلبات شبّاك التذاكر والسينما الاستهلاكية السريعة، وتلك التي تخضع لأساليب السينما الفنية التي تجد رواجًا في مهرجانات السينما الأوروبية. وبسبب ذلك الاغتراب الثقافي فَقَدت الثقافة الشعبية والذائقة المحلية التأثر المُفتَرض بالفنون الحديثة مثل السينما.
وانتبه إلى هذه القضية مؤسس مهرجان تورنتو السينمائي، وليام مارشال، الذي لم يخضع مهرجانه الوليد عام 1976م لقواعد اللعبة التي فرضها الاتحاد. فقد راهن مارشال ورفاقه على جمهور محلي وثقافة كوزموبوليتانية تميَّزت بها تورنتو عن غيرها من المدن الغربية. وسعى بتمويلٍ ضئيلٍ إلى قراءة محيطه المحلي، وبناء مهرجان يضع نصب عينيه الجمهور العام الذي يسكن مدينته. يقول مارشال: "عليك أن تتنبّه لرغبات جمهورك المحلي. قدّم لهم ما لا يريدونه وستجد العديد من المقاعد الفارغة... لقد سعى كل مدير جديد للمهرجان إلى توسيع الحدود من أجل جمهورنا، وجمهورنا يثق بنا". ومع أن مهرجان تورنتو لم يستطِع حينما انطلق أن يجد أي فِلم كندي جيِّد ناطقٍ بالإنجليزية يمكن عرضه، خرج من رحم جمهوره بعد عشرين عامًا مخرجون كبار من أمثال: إيفان ريتمان، وديفيد كرونينبرغ، وأتوم أجويان، وغيرهم، وهو ما يؤكد أن هذا التوجه الجديد ليس عقيمًا.
قبل أكثر من خمسين عامًا، وفي مقالة شهيرة بعنوان "نحو سينما ثالثة"، تنبَّه المخرجان الأرجنتينيان، فيرناندو سولانس وأوكتافيو جيتينو، إلى مصيدة "جماليات السينما الفنية" التي تروّج لها المهرجانات الأوروبية الكبرى باعتبارها قِيمًا ذوقيةً كونية. فقد أشار المخرجان إلى أن السينما، شكلًا وأسلوبًا ونمطًا، أصبحت تتأرجح بين استنساخ للنمط الهوليوودي الذي يخضع لمتطلبات شبّاك التذاكر والسينما الاستهلاكية السريعة، وتلك التي تخضع لأساليب السينما الفنية التي تجد رواجًا في مهرجانات السينما الأوروبية. وبسبب ذلك الاغتراب الثقافي فَقَدت الثقافة الشعبية والذائقة المحلية التأثر المُفتَرض بالفنون الحديثة مثل السينما.
وانتبه إلى هذه القضية مؤسس مهرجان تورنتو السينمائي، وليام مارشال، الذي لم يخضع مهرجانه الوليد عام 1976م لقواعد اللعبة التي فرضها الاتحاد. فقد راهن مارشال ورفاقه على جمهور محلي وثقافة كوزموبوليتانية تميَّزت بها تورنتو عن غيرها من المدن الغربية. وسعى بتمويلٍ ضئيلٍ إلى قراءة محيطه المحلي، وبناء مهرجان يضع نصب عينيه الجمهور العام الذي يسكن مدينته. يقول مارشال: "عليك أن تتنبّه لرغبات جمهورك المحلي. قدّم لهم ما لا يريدونه وستجد العديد من المقاعد الفارغة... لقد سعى كل مدير جديد للمهرجان إلى توسيع الحدود من أجل جمهورنا، وجمهورنا يثق بنا". ومع أن مهرجان تورنتو لم يستطِع حينما انطلق أن يجد أي فِلم كندي جيِّد ناطقٍ بالإنجليزية يمكن عرضه، خرج من رحم جمهوره بعد عشرين عامًا مخرجون كبار من أمثال: إيفان ريتمان، وديفيد كرونينبرغ، وأتوم أجويان، وغيرهم، وهو ما يؤكد أن هذا التوجه الجديد ليس عقيمًا.
محمد الظاهري: ناقد سينمائي سعودي.