
تقول الأسطورة إنه منذ أكثر من ألفَي عام، كان هناك عامل في أحد الحقول الصينية يمزج بين الفحم والكبريت ونترات البوتاسيوم (وهي مادة كانت شائعة لحفظ الطعام آنذاك)، فلاحظ أن هذا المزيج يحترق بطريقة مختلفة عن أي مادة أخرى. فعندما يُضغط داخل عود من الخيزران، يُحدث انفجارًا قويًّا ومضيئًا. وهكذا يُقال إن هذا الرجل قد صنع أول لعبة نارية في العالم.
ومع أن صحة هذه القصة قد تكون قابلة للنقاش، فمن المؤكد أن الصينيين كانوا أول من اخترع الألعاب النارية؛ إذ كانوا عندما يسافرون يحملون معهم عيدان الخيزران مع المزيج المتفجر، تحسّبًا لاحتياجهم لإحداث ضوضاء عالية لإخافة الحيوانات البرية. وبمرور الزمن، تطورت تلك الألعاب النارية بدرجة ملحوظة، خاصة بعد اكتشاف البارود بواسطة الخيميائيين الصينيين، فأصبحت الانفجارات أقوى وأعلى صوتًا.
وبحلول القرن الثاني عشر الميلادي، لم تعُد الألعاب النارية مجرد وسيلة لإخافة الحيوانات، بل باتت تُستخدم لأغراض الترفيه داخل البلاط الإمبراطوري الصيني. ومع توسُّع التجارة والاستكشاف، انتقل سرُّ هذا "الفن التفجيري" خارج حدود الصين عبر طريق الحرير إلى الشرق الأوسط وأوروبا، متحولًا ومتطورًا مع كل ثقافة يصادفها.
في أوروبا، أبدع الفنانون الإيطاليون عروضًا فنية فريدة تُعرف باسم "الآلات"، قد أُشعلت فيها الألعاب النارية، مُضفيةً بذلك طابعًا مسرحيًّا ساحرًا على الاحتفالات. وفي وقت مبكر من القرن الحادي عشر الميلادي، وصلت إلى العرب. ويُشير الرحّالة الحسين بن محمد الورثيلاني (تُوفي 1193هـ - 1779م) إلى رؤيته للألعاب النارية التي شهدها بنفسه في أثناء مروره بمصر متجهًا إلى الحجاز لأداء مناسك الحج عبر مدينة غزة؛ أشعل أحد الحجاج المصريين ألعابًا نارية كانت بحوزته، وأمتعهم برؤيتها. يقول الورثيلاني: "أوقد المصري بالليل نيرانًا كثيرة وضرب المدافع ورمى المحارق في الهواء ولها منظر عجيب، وأسلوب غريب، كأنها شهب النجوم يُرمى بها من الأرض إلى السماء، فتراها في الجوّ طالعة حتى ترى من أعالي هام شوامخ الجبال دونها، ثم تتعطف راجعةً كأنها ثعبان أحمر، ثم يُسمع لها صوت وتخرج منها شرارات من النار".
ومن الأدلة الأخرى المُوثَّقة على انتقال العِلم والمعرفة الخاصة بالبارود والألعاب النارية إلى العرب، ما دوَّنه الكيميائي السوري حسن الرماح في مخطوطاته، في القرن الثالث عشر الميلادي، مسلّطًا الضوء على وجود هذه الألعاب عند العرب واستخداماتها الحربية والاحتفالية، وقد أطلق عليها اسم "الأزهار الصينية"، مُعبّرًا بذلك عن تقديره للأصل الصيني لهذه الألعاب.

إذا ما أردنا تعريف الألعاب النارية، فهي في جوهرها مقذوفات مُصمّمة لتنفجر بطريقة مضبوطة، مُحدثةً سلسلة من الانفجارات المضيئة التي ترسم في السماء أنماطًا وألوانًا مختلفة. أما مكوّناتها الرئيسة، فهي أربعة: الفتيل، وهو الحبل المشتعل ببطء ليمنح الوقت للسلامة؛ وشحنة الرفع التي تدفع القذيفة إلى الأعلى؛ وشحنة الانفجار التي تخلق الانفجار المضيء؛ والنجوم، التي هي كريَّات صغيرة مصنوعة من مواد كيميائية تحدد ألوان الألعاب وتشكيلاتها بعد الانفجار.
ولكن هذه المقذوفات لا تطير عاليًا لتنفجر بألوانها الزاهية وأشكالها المبتكرة إلا بفضل تناغم استثنائي يجمع بين العلم والفن والهندسة. إذ تؤدي الكيمياء الدور المحوري في إنتاج الألوان الباهرة من خلال تفاعل معادن، مثل:
السترونشيوم، والألمنيوم، والنحاس، التي تشتعل لتمنح ألوان الأحمر والأخضر والأزرق، وذلك من خلال التحكّم الدقيق والمتقن في تركيب المواد لضبط لون الشَّرَر المتولد وشدته. كما تُستخدم المواد نفسها المسؤولة عن إطلاق الألوان لتكوين أشكال متنوعة في أثناء العرض، مع تقليل نسبها. فمثلًا، يسهم مزج الكالسيوم، المسؤول عن اللون البرتقالي، مع كمية قليلة من الباريوم في تثبيت المواد المتطايرة في السماء فترةً أطول. كما يُستفاد من الكربون، المسؤول عن اللون الأسود، بوصفه مادة دافعة ومشتعلة، في حين يساعد السيزيوم في أكسدة مركبات الألعاب النارية.

أما الفن، فيبلغ ذروته في تصميم الأنماط والأشكال؛ إذ يتحول انفجار الألعاب النارية إلى رقصة بصرية متناغمة تنسج الضوء واللون برشاقة. يخطط المصممون أوضاع النجوم الصغيرة داخل المقذوفات لتشتعل بانسجام، مبدعين أشكالًا متنوعة، مثل: زهور الفاونيا والأقحوان، وأشجار النخيل التي تبدأ بعمود من الشرر يتفرع إلى ست أذرع تشبه أوراق النخيل، وقد يرافقها قذائف صغيرة متفجرة تُعرف بـ"جوز الهند"، و"الأوراق المتساقطة" التي تلمع فيها النجوم في أثناء السقوط، و"مطر الفرقعة" الذي يُصدر أصواتًا متفرقة مع سقوط النجوم، معبّرًا عن اسمه بأدق التفاصيل، إضافةً إلى أنماط هندسية معقدة تروي قصصًا ملونة ساحرة.
وتؤدي الهندسة دورًا حيويًّا في ضمان السلامة والدقة، بدءًا من تصميم قذائف الألعاب النارية لتحمل القوى الهائلة الناتجة عن الإطلاق، وصولًا إلى أنظمة التحكّم الدقيقة في توقيت الانفجارات؛ إذ يُحتسب طول الفتيل بعناية، ويُراعى وزن القذيفة وزاوية الإطلاق لضمان وصول الألعاب إلى الارتفاع المطلوب وتسلسل انفجارها بصورة مثالية. وتعتمد التقنيات الحديثة أيضًا على أنظمة إطلاق إلكترونية متطورة تضمن تزامنًا دقيقًا بين عروض الألعاب النارية والعروض الموسيقية والضوئية، وهو ما يرفع من مستوى التناسق والإبهار في كل عرض.
“
ليست مجرد عروض بصرية باهرة تجذب الأنظار، بل تحمل رموزًا ومعاني عميقة تتباين دلالاتها بين الثقافات، فيما تتلاقى في جوهرها حول قيم إنسانية سامية.
تعدُّد دلالاتها الثقافية
يشير الكاتب البريطاني جون ويثينغتون في كتابه "تاريخ الألعاب النارية من أصولها إلى يومنا هذا" (2024م)، إلى أن الألعاب النارية ليست مجرد عروض بصرية باهرة تجذب الأنظار، بل تحمل رموزًا ومعاني عميقة تتباين دلالاتها بين الثقافات، فيما تتلاقى في جوهرها حول قيم إنسانية سامية.
في بعض الثقافات الآسيوية، تُستخدم الألعاب النارية "لطرد الأرواح الشريرة"، فتُجسّد رمزًا لانتصار النور على الظلام والخير على الشر. ففي الصين، مثلًا، تُعدُّ الألعاب النارية خلال احتفالات رأس السنة وسيلةً لإبعاد الحظ السيئ واستقبال الخير والبركة. بينما في الهند يشكل مهرجان "ديوالي" مناسبة مهمة لهذه الألعاب؛ إذ تمثّل الصحوة الروحية وإحياء نور الحكمة الداخلية. أما في اليابان، فيُنظّم مهرجان "نهر سوميدا" في طوكيو، حيث يجتمع الملايين للاحتفال، فتكون الألعاب النارية رموزًا لاستدعاء الخير والاحتفال بالحياة.
واليوم، تتحوَّل المدن الكبرى حول العالم إلى مسارح لبعض أجمل الاحتفالات النارية وأروعها. ففي ليلة رأس السنة الميلادية، تتعدد الاحتفالات في أماكن عديدة حول العالم، حيث يرفع الملايين رؤوسهم في آنٍ واحدٍ نحو السماء، متصلين بتجربة مشتركة لشاشات نارية مذهلة. وكذلك في الأعياد الوطنية، حين تتحوّل الألعاب النارية إلى بيانٍ للفخر والاعتزاز بالهوية الوطنية، كما نشاهدها في أبهى حلتها في "حديقة أم عجلان" في العيد الوطني في المملكة العربية السعودية، وفي سماء باريس في احتفالات الرابع عشر من تموز في فرنسا، وفي الرابع من تموز في مختلف الولايات الأمريكية. وهكذا، تظل الألعاب النارية في كل احتفال جماعي، من حفلات الزفاف إلى المهرجانات وذكرى الانتصارات، لغةً مشتركة توحِّد الشعوب وتجمع بين متعة الحواس ورمز الهوية الجماعي، حاملةً معها دلالات ثقافية متعددة الطبقات.
ولكن، على الرغم من سحرها ودورها الفاعل في إشاعة الفرح والبهجة، تحمل الألعاب النارية في طياتها تحديات بيئية وصحية لا يمكن تجاهلها. فهي تطلق سُحبًا ملوثة من المواد الكيميائية التي تتسرب إلى الهواء، وهو ما يؤثر سلبًا في الجهاز التنفسي ويهدّد جودته، في حين تتراكم مخلفاتها البلاستيكية والمعدنية غير القابلة للتحلل لتلوث التربة والمياه المحيطة. ولهذا، أعلنت النرويج عند بداية السنة الميلادية الحالية قرارها بعدم إطلاق الألعاب النارية بسبب كلفتها وأضرارها البيئية. وإلى جانب التلوث البيئي، هناك التلوث البيئي وخطر نشوب الحرائق، خصوصًا في المناطق الجافة. ولكن، مع كل هذه التحديات، لا تزال سوق الألعاب النارية تشهد نموًا متسارعًا؛ إذ يُتوقع أن ترتفع من حوالي 2.8 مليار دولار في عام 2025م، إلى أكثر من 4 مليارات دولار بحلول العامين 2033م - 2034م، مستفيدةً من الفعاليات والاحتفالات الكبرى المنتشرة عالميًا. ومع ذلك، فإن إدراك الأخطار المتزايدة للألعاب النارية يواكبه حراك مستمر نحو الابتكار الذكي؛ إذ أصبحت صناعة الألعاب النارية الحديثة تتبنى حلولًا مستدامة، مثل: استخدام تقنيات متقدمة تقلل الانبعاثات الضارة، وابتكار أغلفة قابلة للتحلل، وألعاب نارية صامتة تحدُّ من التلوث الضوضائي، وصولًا إلى استخدام الطائرات المسيّرة الصغيرة، وهو ما يَعد بمستقبل أكثر إشراقًا، يلتقي فيه الفن بالعلم والتكنولوجيا ليضيء سماء العالم بألوان الأمل والمسؤولية.
مهى قمر الدين: كاتبة ومُحرّرة من لبنان.