Hero image

من الاستدلال إلى الفهم

يناير – فبراير | 2026

يناير 27, 2026

شارك

بصفتي مختصًّا في علم السموم، لم أكُن أبدًا متشكّكًا حيال الطريقة التي يجري بها العلم. فتعليمي عن المختبرات، وعملي فيها كان أنابيب اختبار، وأجهزة فصل طيفي وكمي، ونقوم بالتجارب فنحصل على النتائج، ونتنافس في إيجاد طريقة أكثر دقة لقياس المركّبات، ونفرح حينما تتطابق نتائجنا مع نتائج مختبرٍ مرجعيٍّ عالمي. كنا نحتفل عندما تتطابق الأرقام، ونشعر أن الوجود يسير وفق نظامٍ صارمٍ لا يتزعزع. هذه الصورة البرّاقة بدأت تتشقّق في أثناء دراسة الدكتوراه، حين انتقلتُ من عالم "القياس" إلى عالم "البحث". هناك اكتشفت أن العلم ليس مجرد تجارب نظيفة تحت ظروف دقيقة، بل هو فعل إنساني محكوم بتوجهات، ومصالح، وعلاقات، وحدود، وتحيّزات واعية وأخرى خفية.

العلم يسير ضمن إطارٍ سمّاه توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية": البارادايم (وأُفضل ترجمة له: التوجّه العلمي). ذلك التوجه الذي يحدّد ما نراه سؤالًا مشروعًا، وما نعده نتيجةً مقبولة، أو حقيقة علمية، إلى أن يحين موعد ثورة علمية جديدة تزيحه عن عرشه. تربينا في التعليم التقليدي على توجه حتمي للعلم يقول: إذا اجتمع (أ) مع (ب) نتج (ج) لا محالة. وهذا التوجه ذاته يقول: لكي يكون الباحث موضوعيًّا، عليه أن ينظر إلى موضوع بحثه بصفته شيئًا مستقلًّا عنه. فالحشائش خضراء، وهذا الاخضرار صفةٌ أصيلة فيها، لا علاقة لها بمن يراها. لكن، لو تأملنا قليلًا، سنجد أن الحشائش في ذاتها لا لون لها كما نتصور. فالأخضر الذي نراه ليس صفة للحشائش بقدر ما هو نتيجة لتفاعل الضوء المنعكس من الحشائش مع أعيننا. إذ في العين البشرية ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية تتحسّس للون الأحمر والأخضر والأزرق. وعندما نقول إن شيئًا ما "أخضر"، فنحن في الحقيقة نصف تجربتنا مع ذلك الشيء، لا حقيقته المطلقة. الكلاب مثلًا، لا تمتلك النوع نفسه من المستقبلات البشرية، فترى الحشائش بدرجات قريبة من البني. هذه الحقائق تبين لنا أن الباحث في العلم جزءٌ أصيل من بحثه، وأن الاختلاف في البحث العلمي، ليس لاختلاف المنهج وحسب، بل لاختلاف الباحثين ودوافعهم. 

ليست كل الحقول العلمية متساوية في درجة ثبات نتائجها أو وضوح آلياتها. فبينما تتميز علوم الفيزياء أو الكيمياء مثلًا بوجود قوانين رياضية صارمة، كقوانين نيوتن وبروست، وتجارب قابلة للتكرار والتحقق بدقة في أي مكان، نجد أن العلوم الحيوية والسلوكية كالتغذية والصحة العامة أكثر عرضة للتغير والتناقض. ويعود ذلك لأربعة أسباب، اثنان متفق عليهما بين كافة العلماء والباحثين؛ وهما تعقيد جسم الإنسان، والتباين في التصميم البحثي. واثنان مختلف عليهما، لما فيه من تشكيك في موضوعية البحث وتلميح بوجود الانحياز، هما تأثير تمويل أصحاب المصلحة، كالشركات، وتأثير الضغط السياسي.

التمييز بين الدليل والضجيج

مؤخرًا، انتشرت موجةٌ من صنّاع المحتوى الذين يتّخذون من العلم أداةً تسويقية لمحتواهم، بدءًا من فيتامينات الشعر، ووصولًا إلى مراهم القدم. أو يستخدمون نتائج الدراسات العلمية سلاحًا لإثبات الرأي دعمًا لمواقفهم أو سخرية من مواقف الآخرين، من دون فهم كافٍ للسياق العلمي أو لطبيعة المنهجية التي صنعت تلك النتائج. وبهذا، يتحوّل الاستدلال السطحي بالبحث العلمي إلى أداة للهيمنة أحيانًا وغطاءً لتضليلٍ أنيق أحيانًا أخرى. والحقيقة الجافة، أن أي دراسة علمية هي موجهة لأربابها من زملاء المهنة والاختصاص لا للقارئ العادي. فسهولة الوصول إليها لا يعني جواز الاستدلال بها. هذه الظاهرة من الاستدلال السريع أضعفت الثقافة البحثية لدى الصانع والمتلقي، وضخّمت التناقضات، وطعنت في هيبة العلم وأبحاثه في المجتمعات.
نحن الباحثين ندرك أن العلم لا يقوم على "النتائج المبهرة"، بل على التراكم عبر الزمن. فالدراسة الجديدة التي تتناقض مع عشرات الدراسات السابقة، الأصل أن نتعامل معها بحذر لا بانبهار، لأننا ندرك أن الدليل العلمي لا يُقاس بتاريخ صدوره، بل بالاتساق مع توجهه.

في أثناء دراستي الأكاديمية، قال لنا بروفيسور المقرَّر الذي ندرسه: "نحن في السموم لا نقول: إن المركَّب آمن، بل نقول: لا توجد دراسات كافية تثبت الضرر". وهذا هو المنهج في كل العلوم، فالعلم المعاصر نادرًا ما يتكلم بلغة القطع. لذا حين يستخدم أحدهم نبرة يقين مطلق في موضوع صحي أو علمي، فاعلم أنه يتحدث بمنطق الدعوة لا بمنطق البحث.
ربما بعض صنّاع المحتوى يمتلكون شهادات علمية متخصصة في مجالهم، لكنهم قد يفتقرون إلى المهارة في تحليل البيانات أو في منهجية البحث أو في التواصل العلمي. وعليه، لا ينبغي لنا التعامل مع اللقب الأكاديمي في وسائل التواصل الاجتماعي وكأنه ضمان للحقيقة، بل كاحتمال أكبر للفهم.

 

د.فهد المرشدي: أستاذ علم السموم البيئية والكيميائية المساعد.