
تقول الكاتبة البريطانية جانيت وينترسون إن "الكتب مثل الأبواب، عند فتح أحدها، ينتظرك عالم جديد خلفها". وهذا هو جوهر مبادرة أدبية جديدة صارت تُعرف بـ "الكتب في الأماكن"، أطلقها في عام 2023م البريطاني بول رايت، الذي كان يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات ويعشق القراءة.
انطلقت الفكرة عندما كان بول رايت مجتمعًا مع أعضاء نادي الكتاب الذي ينتمي إليه في أحد المطاعم التركية في إنجلترا لمناقشة رواية للكاتبة التركية إليف شفق. وبينما كانت الأصوات تتعالى بالنقاش الحماسي، راح رايت يتخيل كيف سيكون النقاش أكثر إثارة وحيوية لو دار في تركيا، وسط أجواء الرواية نفسها. وعندما أخبرته إحدى زميلاته في المجموعة بأن هناك من يدفع مبالغ طائلة للمشاركة في رحلات مخصصة للقراءة، خطرت له فكرة أجرأ: لِمَ لا نأخذ القرَّاء إلى المدن التي تجري فيها أحداث الروايات، ليغوصوا في عالمها الحقيقي، ويقرؤوا صفحاتها هناك؟
لتعميق تأثير الأدب
يقول رايت إن الربط المادي بالمكان يعمّق التأثير العاطفي والإدراكي للأدب؛ إذ تتحول المشاهد المكتوبة إلى تجارب حسية تتيح للقارئ رؤية الأماكن وسماع الأصوات واستنشاق الروائح، وهو ما يعزّز تعاطفه مع الشخصيات والموضوعات المطروحة. كما تُعزّز هذه التجارب روح الجماعة بين المشاركين الذين يشتركون في شغف الأدب والاستكشاف، وتسهم في الحفاظ على التراث الأدبي والاحتفاء به عبر دعم الاقتصادات المحلية والسياحة الثقافية المستدامة.
شهدت هذه المبادرة المبتكرة انتشارًا سريعًا وكبيرًا؛ إذ لم يقتصر رايت على تنظيم بضع رحلات فقط، بل طوّر البرنامج ليشمل مجموعة متنوعة من رحلات نهاية الأسبوع، إضافةً إلى رحلات أدبية أطول وأشمل في مختلف مناطق المملكة المتحدة، وكذلك في دول أوروبية مثل البرتغال وإيطاليا واليونان، وإلى وجهات خارج أوروبا مثل مصر. فكان يجري اختيار روايات ومؤلفات أدبية معينة لكل رحلة، ترافقها مسارات مُنسقة بعناية، وجلسات قراءة ومناقشة وتجارب تذوّق مستوحاة من النصوص المعتمدة. فمثلًا، نُظّمت رحلات إلى مونروفيل بولاية ألاباما لاستكشاف أجواء رواية "أن تقتل طائرًا بريئًا" لهاربر لي، وجولة في مواقع في جامايكا حيث كتب إيان فليمنغ رواية "دكتور نو"، كما نُظّمت رحلة إلى جزيرة كريت التي كانت مصدر إلهام الكاتبة فيكتوريا هيسلوب لكتابة "الجزيرة"، إضافةً إلى جولات في أحياء القاهرة المرتبطة برواية "الموت فوق النيل" لأغاثا كريستي.
تقول لين مارغريسون، إحدى المشاركات بانتظام في الرحلات: "إن مشروع الكتب في الأماكن جذبني لأول مرة من خلال إعلان على منصة فيسبوك، حيث عرض غلاف أحد كتبي المفضلة، موضوعًا على طاولة أنيقة، مع خلفية لصورة ساحة فلورنسا الشهيرة. أما السؤال التوضيحي تحت الإعلان، فكان: هل تحب قراءة الكتب في الأماكن التي تدور فيها أحداثها؟ وهكذا لفتني هذا الإعلان على الفور". ترى مارغريسون أن هذه العطلات تقدّم الخليط المثالي؛ إذ إنها في كل مرة تذهب فيها بحماس متجدد لكل من القراءة والسفر، وتنتهي، عادةً، بقائمة أطول من الكتب المراد قراءتها.
نموّها ضمن السياحة الثقافية
جدير بالذكر أن السياحة الثقافية عمومًا تشهد نموًّا واضحًا؛ إذ يجد الناس في السفر لاستكشاف الأماكن الأدبية فرصًا للتعلم والتفاعل الثقافي. لذلك، شهد هذا النوع من السياحة إقبالًا ملحوظًا. ووفقًا لاستطلاع رأي أجراه محرك البحث السياحي "كاياك" عام 2025م، فإن ما يقرب من نصف المسافرين البريطانيين يختارون الآن وجهاتهم بناءً على مدى ملاءمتها للقراءة والتعلم، كما أن هذه النسبة ترتفع بين جيل الألفية إلى 60%. حتى إن حجم قطاع السياحة الأدبية بات يُقدّر بنحو 2.4 مليار دولار أمريكي في 2024م، مع توقعات بأن يصل إلى 3.3 مليارات دولار بحلول 2034م. وقد شهد رايت هذا الارتفاع بنفسه وقال: "بدأتُ عام 2023م برحلتين فقط، ثم ارتفع العدد إلى سبع رحلات نصف ممتلئة عام 2024م، وصولًا إلى نحو 25 رحلة في 2025م، غالبيتها امتلأت خلال 24 ساعة من الإعلان عنها."
جلُّ ما تقوله لنا مبادرة "الكتب في الأماكن" إن الكتب في عصرنا هذا لم تعُد تقتصر على كونها مخازن للمعرفة، بل أصبحت جسورًا إلى مجتمعات وثقافات ومغامرات حية، تنفتح بها الأبواب على عوالم غير متوقعة، لتُلهم أفكارًا جديدة وروحًا مشتركة من الانتماء والاكتشاف المتواصل.
مهى قمر الدين: كاتبة ومُحرّرة من لبنان.