Hero image

نجوم ميشلان

يناير – فبراير | 2026

فبراير 15, 2026

شارك
اكتمل نظام نجوم ميشلان في فرنسا عام 1931م، حين وُلد نظام التقييم بوصفه أداة تسويقية، قبل أن يتحوّل إلى مرجعية عالمية للذوق الرفيع. وعلى مدى قرن تقريبًا، عبرت هذه النجوم القارات، حاملةً معها معايير صارمة وذاكرة فرنسية عميقة لفن الطهي. واليوم، تحط رحالها في المملكة (الرياض وجدة والعلا)، مع إطلاق الدليل في شهر فبراير من العام الماضي، معلنةً مرحلة جديدة من الاعتراف بالمشهد الغذائي المحلي ووضعه ضمن الخريطة العالمية للمطابخ. 

الأخوان أندريه ميشلان وإدوار ميشلان.

ظهر دليل ميشلان سنة 1900م في فرنسا، على أيدي الأخوين أندريه وإدوار ميشلان، مؤسسي شركة ميشلان لتصنيع الإطارات؛ إذ كان عدد السيارات في فرنسا، آنذاك، محدودًا للغاية، ولم يكن هناك بنية تحتية واضحة للسفر بالسيارة. لم تكن فكرة الدليل سياحية بحتة، لكنها كانت تعبيرًا واضحًا عن فكر صناعي ربحي متقدِّم. فقد قرر الأخوان ميشلان إصدار كتيّب مجاني يضم خرائط طرق، وأماكن إصلاح السيارات، ومحطات وقود، وفنادق ومطاعم، بهدف تشجيع الناس على السفر لمسافات أطول، ومن ثَمَّ استهلاك الإطارات بشكل أكبر. فكان الدليل أداة تسويق غير مباشرة، لكنه عبقري في بساطته: بدلًا من الإعلان عن الإطارات، كان من الأفضل خلق سببًا لاستخدامها.

بمرور الوقت، ومع زيادة شعبية السيارات بعد الحرب العالمية الأولى، تحوّل الدليل في عام 1920م، من كتيب مجاني إلى منتج يُباع، وهو ما يعكس انتقاله من أداة ترويجية إلى سلطة ثقافية واقتصادية. ولم تكن البداية من فرنسا مصادفة؛ فقد كانت في مطلع القرن العشرين مركزًا صناعيًا مهمًّا، وفي الوقت نفسه صاحبة تقاليد راسخة في فن الطهي والسفر والطرق البرية. ومن هنا، يحمل انطلاق الدليل من هناك دلالة مزدوجة: فهو من جهةٍ ابنُ الثورة الصناعية الفرنسية، ومن جهةٍ ثانيةٍ هو امتداد لفكرة "الذوق" بوصفه قيمة قومية، وهو ما يجعل فرنسا نقطة انطلاق جغرافية، ومرجعية رمزية؛ بلدًا يربط بين الصناعة والثقافة، وبين الربح والانضباط الجمالي. أما أول نجمة ميشلان لتقييم المطاعم، فقد ظهرت عام 1926م، ثم اكتمل نظام النجوم الثلاثة عام 1931م. وتكشف تجربة دليل ميشلان كيف تعمل الرأسمالية الصناعية الذكية من خلال بناء نمط حياة كامل حول المنتج، وتحويل الاحتياج الصناعي إلى تجربة ثقافية مستدامة. 
 

فرنان بوينت (1897 م – 1955 م)، الحلقة المؤسسة في تاريخ مطبخ ميشلان الحديث.

تحوّل "الشيف" إلى رمز ثقافي

تاريخيًا، يعدُّ مطعم "لا بيراميد" في مدينة فيين في جنوب فرنسا، تحت قيادة الشيف الشهير فرناند بوينت، الأقدم والأكثر رمزية في أوروبا في سياق نجوم ميشلان. فقد كان من أوائل المطاعم التي حصلت على أعلى تصنيف (ثلاثة نجوم) بعد اكتمال نظام النجوم الثلاثة عام 1931م. ويُشار إليه بوصفه أول مطعم جسَّد معنى "المطبخ الراقي" وفقًا لرؤية ميشلان. 

يمثّل فرنان بوينت (1897م – 1955م) الحلقة المؤسسة في تاريخ مطبخ ميشلان الحديث؛ فمن مطبخه خرج جيل كامل أعاد تعريف الطهي الراقي بعد الحرب العالمية الثانية. جسَّد تلاميذه، مثل بول بوكوز (1926م – 2018م)، انتقال المطبخ من الحرفية الصامتة إلى النجومية العامة؛ إذ صار الشيف شخصية عامة ورمزًا ثقافيًا. أما جان ترواغرو (1926م – 2020م) وبيير ترواغرو (1929م – 2020م)، فقد نقلا هذا الإرث إلى مرحلة أكثر تجريدًا وحداثة، قائمةً على الخفة والابتكار التقني. بينما مثّل ألان شابيل (1937م – 1990م) الذروة الفلسفية لهذا الخط؛ إذ دافع عن مطبخ يحترم المنتج والطبيعة قبل الاستعراض. هكذا يتشكل خط نسَبي ذكوري واضح، تُنقل فيه السلطة الرمزية من الأستاذ إلى التلميذ، ويُعاد إنتاج القيم نفسها داخل دائرة مغلقة. 
 
"بيب جورمان" والنجمة الخضراء

 في عام 1997م، أطلق الدليل تصنيفًا جديدًا بعنوان "بيب جورماند". يشير اسم "بيب" إلى ميشلان مان، ذاك الرجل الصغير المطاطي الذي يظهر في شعار ميشلان، بحيث يُمنح لمطاعم تُقدِّم طعامًا ذا جودة عالية بأسعار معقولة. ويعكس هذا التصنيف فلسفة ميشلان الجوهرية في دعم التجربة الغذائية الممتازة من دون حصرها فقط في المطاعم الفاخرة. وتتضمن معايير هذا التقييم جودة المكونات والطهي، والتوازن والنكهات المتميزة، ولكن بأسعار متوسطة نسبيًا مقارنة بالمطاعم ذات النجوم، وأخيرًا استمرارية الأداء؛ أي القدرة على تقديم الجودة نفسها في كل زيارة. كما أنه يمنح تنوعًا في التوصيات، ففي حين تمثّل النجوم الترف والابتكار، يمثّل "بيب جورمان" المصداقية والجودة اليومية. باختصارٍ، فإن "بيب جورماند" هو وسيلة ميشلان لتكريم المطاعم الممتازة التي لا تصل إلى مستوى النجوم الثلاثة، ولكنه يعكس معايير الجودة نفسها مع تركيز على القيمة مقابل المال. 

من جهة أخرى، دخلت فكرة الحفاظ على البيئة والاستدامة ضمن فلسفة دليل ميشلان تدريجيًا، لتظهر رسميًا في 2020م. تاريخيًا، ركّز تقييم ميشلان على جودة الطعام، والطهي، والخدمة، والابتكار، من دون النظر إلى الأثر البيئي أو الاستدامة. فحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، لم يكن هناك أي إشارة رسمية إلى ممارسات المطاعم في استخدام المكونات المحلية، أو تقليل الهدر، أو أساليب الطهي الصديقة للبيئة. ولكن، منذ عام 2010م، كان الدليل قد بدأ يشجع ضمنيًا على استخدام منتجات محلية وطبيعية، ويُبرز مطاعم تتبع أساليب صديقة للبيئة. وفي (2019م – 2020م) أطلق الدليل برنامج "نجمة ميشلان الخضراء"، وكان الهدف منه تعزيز الطهي المسؤول ومكافأة الطهاة الذين يدمجون الابتكار باستدامة البيئة، وإضافة بُعد جديد للتميّز في المطاعم؛ إذ لم تعُد الجودة فقط تُقاس بالنكهات والتقنيات، بل أيضًا بأثر المطعم البيئي والاجتماعي، وهو ما أضاف إلى الدليل البُعدين الأخلاقي والبيئي. 
 
دليل ميشلان يحط رحاله في المملكة

حتى وقتنا الحالي أصبح دليل ميشلان يغطي أكثر من 40 وجهة عالمية، تشمل مدنًا ومناطق ودولًا يزورها مفتشوه بانتظام لتقييم المطاعم واختيار النخبة سنويًا. وفي خطوة تاريخية مثيرة، أُضيفت إليه مؤخراً وجهة جديدة، وهي المملكة العربية السعودية، بحيث سيجري إطلاق هذا الدليل في المملكة لأول مرة عام 2026م بالتعاون مع الهيئة السعودية لفنون الطهي. وسيُسلّط الضوء على مدن الرياض وجدة والخبر والعُلا، مع الكشف التدريجي عن مختارات منها عبر إصدارات رقمية بدأت تدريجياً منذ أكتوبر 2025م.

المؤكد هو أن هذا الإطلاق يمثّل علامة فارقة في مسيرة تطور فنون الطهي في المملكة؛ إذ يمكنه أن يرتقي بمشهد الطبخ من مستوى إقليمي إلى مكانة عالمية مرموقة. وللمرة الأولى، سيُكرّم هذا الدليل الفرنسي الشهير، الذي لطالما ارتبط اسمه بالتميز في عالم الطعام الراقي، المطاعم السعودية بتصنيفاته المميزة من نجمة واحدة إلى نجمتين إلى ثلاثة نجوم، إضافة إلى جوائز "بيب جورماند" للجودة المتميزة التي تُقدمها المطاعم بأسعار تنافسية. وبهذا، سوف يعزّز طموحات "رؤية السعودية 2030"، التي تسعى إلى تحويل مشهد الطعام التقليدي المحافظ إلى مركز حيوي يجمع بين التراث العريق والابتكار المعاصر. 

وهكذا، بدأت المملكة تستعد، بثقافتها الغذائية المتنوعة والنابضة بالحياة؛ من التوابل العطرية إلى الأطباق التقليدية، وصولًا إلى اندماجها مع مطابخ عالمية، مثل: التايلاندية واليابانية والإيطالية، لنيل التقدير العالمي الذي تستحقه. ولن يقتصر دور دليل ميشلان على تسليط الضوء على المواهب في فن الطبخ في المملكة فحسب، بل سيجذب أيضًا عشاق الطعام وخبراءه من جميع أنحاء العالم، الراغبين في استكشاف هذا التمازج والنكهات الفريدة. 
 

أعرق مرجعية عالمية في تقييم الطعام والمطاعم تدخل المطبخ السعودي، ولهذه الخطوة مفاعيل اقتصادية وثقافية ودلالات تشرّع أبواب هذا المطبخ على العالمية"

دفعة اقتصادية وثقافية للمملكة

أما من الناحية الاقتصادية، فالأثر بالغ الأهمية. إذ تُحفّز نجوم ميشلان ارتفاعًا كبيرًا في الإيرادات. عالميًا، تشهد المطاعم الحاصلة على تلك النجوم ارتفاعًا في الحجوزات بنسبة تُراوح بين 20% و50%، وهو ما يجذب السيّاح والمستثمرين من ذوي الدخل المرتفع إلى سوق الطعام المتنامية بسرعة كبيرة في جميع أنحاء العالم. كما أن دليل ميشلان يسهم في تمكين الطهاة المحليين من الحصول على اعتراف دولي، وهو ما يُلهم برامج تدريب الشباب ويُبرز المواهب السعودية. 

أما ثقافيًا، يسهم هذا الدليل في تسليط الضوء على الدور المتنامي للمرأة في المطابخ، إلى جانب تكييف المأكولات العالمية بطرق حلال مبتكرة، بما يتوافق مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة. وعلى الرغم من مخاوف بعض النقّاد من أن حصرية نجوم ميشلان بمطاعم معينة قد ترفع الأسعار، أو تهمّش أطعمة الشوارع المميزة، فإن جائزة "بيب جورماند" تضمن سهولة الوصول إلى تلك المواقع. وهذا كله يؤكد تحوّل المملكة من التركيز على الداخل إلى الانفتاح العالمي، معتزةً بمطبخٍ متجذر في تقاليد راسخة وإرثٍ عريق ارتبط تاريخياً بتجارة التوابل.

إن وصول نجوم ميشلان إلى سماء السعودية حدث غذائي، يُحوّل الأكلات التقليدية السعودية إلى رموز عالمية، بدعمٍ من "رؤية 2030" التي تحفّز على الابتكار والتطوير مع الالتزام باحترام التراث الثقافي والحضاري المحلي. كما يفتح أبواب الاقتصاد لسوق غذائية تمتلك القدرة على المنافسة عالمياً، وتعزّز دور الشباب والمرأة في المطبخ السعودي. ولكل ذلك، لا بدَّ لنا من الترحيب بعصر النجوم السعودية!
 

 

شيرين أبو النجا: كاتبة وروائية من مصر.