
منذ العصور القديمة، انجذب الإنسان لتنوّع الطيور، بسحر ألوانها وأصواتها وسلوكها المدهش؛ فحاول استئناسها وتربيتها، وجعلها رمزًا للجمال والبهجة. ومع اتّساع طرق التجارة وازدهار السفر بالسفن إلى القارات، بدأ الإنسان ينقل معه أنواع من الطيور، كطيور الزينة. وبمرور الوقت، خرجت هذه الطيور من أقفاصها، واستوطنت بيئات جديدة، لتبدأ ظاهرة لم يكُن أحد آنذاك يدرك أنها ستتحول إلى قضية بيئية عالمية، تُعرف اليوم في علم البيئة باسم الطيور الغازية؛ أي الكائنات التي تتجاوز حدود موائلها الأصلية، وتُحدث خللًا في النظم البيئية التي تغزوها.
تُعرَّف الطيور الغازية بأنها أنواعٌ غير محلية نجحت في التكيّف والتكاثر خارج نطاقها الطبيعي، فأصبحت تُنافس الأنواع الأصلية، وتُغيّر توازن النظم البيئية. ووفقًا لـ"الأطلس العالمي لغزو الطيور"، الصادر عن مؤسسة "Nature"، فقد سُجِّل أكثر من 971 نوعًا غازيًا في نحو 230 دولة؛ مما يجعلها من أكثر الظواهر البيئية انتشارًا في التاريخ الطبيعي الحديث. وتشير الدراسات البيئية الحديثة إلى أن الإنسان هو العامل الرئيس وراء هذا الغزو البيئي، سواء عمدًا أو من دون قصد؛ إذ نُقلت كثير من الطيور لأغراض الزينة، أو الصيد، أو التربية المنزلية، من دون إدراكٍ للعواقب، فخرجت من موائلها الأصلية واستوطنت بيئاتٍ جديدة، فتحوّلت قصص الهواية والفضول إلى تحدياتٍ بيئية تمسّ التنوّع الأحيائي والتوازن الطبيعي على مستوى العالم.

الزرزور الأوروبي.
الزرزور الأوروبي
تُعدّ قصة الزرزور الأوروبي (Common starling) مثالًا كلاسيكيًّا على أثر التدخل البشري في نقل الأنواع الذي ينجم عنه اختلالات بيئية واقتصادية واسعة. ففي عام 1890م، أطلق يوجين شيفلين في سنترال بارك بنيويورك نحو ستين زوجًا من هذا الطائر بدافع ثقافي يهدف إلى رؤية جميع الطيور التي وردت في أعمال شكسبير في سماء أمريكا. إلا أن هذه المبادرة الرومانسية تحوّلت إلى واحدة من أكبر الكوارث البيئية في القارة.
وخلال عقود قليلة، تكاثرت الزرازير، وانتشرت في معظم أنحاء أمريكا الشمالية حتى تجاوز عددها 200 مليون طائر، أي ما يقارب ثلث أعدادها عالميًّا. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الزراعية السنوية التي تسبّبها الزرازير في الولايات المتحدة تصل إلى نحو 800 مليون دولار نتيجة إتلاف مزارع العنب والفاكهة والمحاصيل، فضلًا عن نقلها الأمراض وتلويثها الأعلاف الزراعية.

دُرَّة وردية الطوق.
ببغاء الدُّرّة
يُعَدّ ببغاء درة وردية الطوق (Ring-necked Parakeet) من أكثر أنواع الببغاوات قدرةً على التكيّف في البيئات الحضرية حول العالم. وتشير دراسات أوروبية إلى أن انتشار هذا النوع في مدنٍ مثل بروكسل، ولندن، وأمستردام، يعود إلى نهايات القرن العشرين، حين أُطلق عدد من هذه الطيور من حدائق الحيوانات أو مرافق الترفيه إمّا عمدًا أو نتيجة هروب غير مقصود.
ومع مرور الوقت، تكاثرت الببغاوات في الحدائق العامة، مستفيدةً من المناخ المعتدل وتوافر الأشجار المجوّفة للتعشيش والغذاء في المدن، حتى أصبحت فيه هذه الطيور جزءًا مألوفًا من المشهد الحضري الأوروبي، إذ تُظهر الأبحاث أن تكاثرها الكثيف قد يزاحم بعض الأنواع المحلّية على مواقع التعشيش والغذاء، مما يجعلها نموذجًا دالًّا على تأثير الأنواع الـمُستقدمة في النظم البيئية الحضرية.
المينا الشائعة
لم يكُن في نية أحدٍ أن يتحوّل طائر صغير في أسواق الهند إلى واحدٍ من أكثر الكائنات انتشارًا في مدن العالم، لكن المينا الشائعة (Common myna)، لم تحتج إلى أكثر من بضعة عقود لتغزو مدن العالم.
وبدأت الحكاية في القرن التاسع عشر، حين قرّر الإنسان أن يستعين بهذا الطائر الذكيّ لمكافحة الحشرات في مزارع قصب السكر في جزر المحيط الهادئ. بدا القرار آنذاك منطقيًّا. غير أنّ الطبيعة لا تخضع دومًا إلى حسابات البشر، فسرعان ما تكاثرت المينا وخرجت من الحقول إلى المدن، لتصبح ضيفًا دائمًا على أعمدة الإنارة وأسقف المنازل والحدائق.
والمينا تأكل كل شيء تقريبًا: من الثمار والحبوب، إلى بقايا الطعام في الشوارع. وهي لا تخاف الضجيج، وتبني أعشاشها في أي فراغٍ تجده؛ حتى في لافتة إعلانية أو في ثقب التكييف. وبمرور الوقت، أصبحت رمزًا للحياة الحضرية الصاخبة، وخصمًا عنيدًا للطيور الأصلية التي فقدت مواطنها وأعشاشها أمام طائرٍ يملك ذكاءً فطريًّا وعدوانية لا تعرف التراجع، وتُصنَّف المينا الشائعة اليوم ضمن قائمة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) لأخطر الأنواع الغازية في العالم.

الغراب المنزلي.
الغراب المنزلي
نشأ الغراب المنزلي (house crow) في شبه القارة الهندية، لكنه تجاوز حدوده الجغرافية مع السفن التجارية التي جابت المحيط الهندي، ليصل إلى السواحل العربية والإفريقية ويستوطن المدن والموانئ. وقد تمكن هذا الغراب، بذكائه وقدرته المدهشة على التكيّف، من السكن في العمران الحديث وجعله بيئة مثالية له. ومع هذا الانتشار، ظهرت آثاره البيئية والصحية الواضحة، إذ يتغذّى على بيض وصغار الطيور الأخرى، وينقل بعض مسببات الأمراض في البيئات الحضرية المكتظّة.

عدد من الطيور الغازية في الأقفاص.
الآثار البيئية والصحية والاقتصادية
تتجاوز آثار الطيور الغازية حدود التنوع البيئي، لتصبح من أبرز التحديات التي تواجه النظم الطبيعية في العصر الحديث. فهي تُنافس الطيور المحلية على الغذاء ومواقع الأعشاش؛ مما يؤدي إلى تراجع أعداد الأنواع الأصيلة واختلال توازنها في البيئات الحضرية والزراعية. ولا يقتصر خطرها على الجانب البيئي فحسب، بل تُسهم بعض هذه الطيور في نقل الأمراض. أما اقتصاديًّا، فتشير بيانات مشروع "InvaCost"، الذي تُشرف عليه جامعة باريس ساكلاي (Université Paris-Saclay) بالتعاون مع المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية (CNRS)، إلى أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناتجة عن الطيور الغازية تُقدَّر بنحو 3,6 مليار دولار أمريكي. وتشمل هذه الخسائر الإضرار بالمحاصيل الزراعية، وارتفاع تكاليف المكافحة، والإدارة البيئية؛ مما يجعل الظاهرة قضية بيئية وصحية وتنموية تتطلب تعاونًا مستمرًّا للحفاظ على التوازن الطبيعي وصون التنوع الأحيائي.

مونيا حمراء.
الطيور من القارات إلى الشاشات
مع أن انتقال الطيور عبر القارات ليس حديثًا، فإنه يعود اليوم بصيغة مختلفة في زمن المنصات الرقمية. فالمقاطع التي تُظهر ببغاواتٍ تنطق أو عصافير تؤدي حركاتٍ طريفة تنتشر انتشارًا كبيرًا، وتثير إعجاب الجمهور وفضولهم. غير أن هذا الإعجاب البريء يخفي وراءه موجة متنامية من الرغبة في الاقتناء والتقليد، إذ يسعى كثيرون إلى امتلاك هذه الطيور داخل منازلهم دون وعي بالعواقب البيئية. ومع ازدياد المحتوى الترفيهي حول الطيور، يتحول بعض صانعي المحتوى إلى مؤثرين غير مباشرين في انتشار تجارة الطيور، فيقدّمونها كائناتٍ لطيفة وذكية تصلح للعيش في المنزل، متجاهلين أن إطلاقها أو تسرّبها إلى البيئة قد يهدد الأنواع المحلية، ويُخِلّ بتوازن النظم البيئية. وهكذا يتكرر الغزو البيئي، لا بسبب السفن والتجارة القديمة، بل بسبب الشاشات ومقاطع الفيديو القصيرة التي تفتح الأبواب أمام موجة جديدة من الكائنات الغريبة التي لا تنتمي إلى المكان.

دُرّة وردية الطوق.
بدائل واعية للجمال الطبيعي
مع ازدياد رغبة الكثيرين في اقتناء الطيور وتربيتها داخل المنازل، يمكن للإنسان أن يعبّر عن إعجابه بها بطريقةٍ أكثر انسجامًا مع الطبيعة ودون أن يفرض عليها قيودًا، وذلك عبر مشاهدة الطيور في بيئتها الطبيعية؛ فمراقبتها وهي تحلّق بحرّية أو تبني أعشاشها أو تبحث عن غذائها تمنح الإنسان شعورًا بالجمال والدهشة لا يقل متعة عن اقتنائها، بل يتجاوزها بمعرفةٍ أعمق بعالم الأحياء. وتُعد هواية مشاهدة الطيور (Birdwatching) إحدى أوجه الوعي البيئي الحديث؛ لأنها تُعيد العلاقة بين الإنسان والطبيعة إلى أساسها الحقيقي؛ علاقة احترامٍ وتقدير، لا امتلاكٍ وسيطرة. ومن خلال هذا التواصل الهادئ، يتعلّم الإنسان أن الجمال لا يحتاج إلى أقفاصٍ ليُرى، بل إلى عيونٍ تراه وهو يعيش في موطنه الطبيعي.

مونيا حمراء.
التوازن البيئي.. مسؤولية أخلاقية وثقافية
ربما لم يدرك يوجين شيفلين، حين أطلق الزرزور الأوروبي في سماء نيويورك في أواخر القرن التاسع عشر، أنه أطلق أيضًا درسًا بيئيًّا للعالم بأسره، وهو أن الجمال حين يُنتزع من سياقه الطبيعي يتحول إلى خطرٍ محدق؛ فالطيور الغازية ليست عدوًّا للطبيعة بقدر ما هي انعكاس لسلوك الإنسان تجاهها، الذي يمكن أن نعدُّه مزيجًا من الإعجاب المفرط والرغبة في السيطرة على ما حوله. إنها قصة الإنسان الذي أراد أن يُجمّل العالم على طريقته، فانتهى بإرباك نظامه الدقيق. ومع ذلك، لا تزال الطبيعة تمنحنا فرصًا للتصحيح، وتذكّرنا بأن التوازن البيئي ليس مسألة علمية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية مشتركة. إنها حكاية تبدأ من دهشةٍ أمام الأجنحة الملونة، وتنتهي بنداءٍ للحكمة بأن كل تدخلٍ غير محسوب في نُظم الطبيعة قد يغيّر خريطة الحياة على هذا الكوكب.
كتابة وتصوير: إبراهيم الشوامين
كاتب ومصوّر سعودي.
