
كان القمر لآلاف السنين رفيق الليل، ومرآة الضوء، ومسرح الخيال، وكان موضوعًا يتغنّى به الشعراء العرب في قصائدهم. لكن ماذا لو غاب كله؟ وجود القمر ليس جماليًّا فقط، بل كان له دورٌ في فهمنا لتكوين مجموعتنا الشمسية، فهو تقويم كوني نظَّم حياة البشرية منذ القدم. فماذا لو اختفى فجأة من السماء؟! كيف ستتغير الأرض؟ وكيف سنتغير نحن، بل والحياة التي نعرفها؟
القمر ليس مجرد جُرمٍ يدور حولنا، بل قطعة محفوظة من فوضى النظام الشمسي المبكر. وتشير دراسات، ومنها ورقة بحثية نُشرت في مجلة "نيتشر" (nature) عام 2005م عن السجلات الصخرية على سطح القمر، إلى أن المجموعة الشمسية قد مرّت بمرحلة استثنائية من العنف الكوني قبل ما يُراوح بين 3.8 و4.1 مليارات سنة، أي بعد نحو 700 مليون عام من تشكّل كواكبها؛ إذ تضاعفت خلالها فجأة معدّلات الاصطدام، وعُرفت هذه الفترة باسم "القصف الشديد المتأخر". وهذه الفترة، على أهميّتها، بقيت لغزًا يؤرّق العلماء؛ فالنماذج التقليدية لتكوّن الكواكب لا تقدّم تفسيرًا طبيعيًّا لموجة اصطدامات بهذه القوة تتأخر كل هذا الزمن.
“
للقمر فضل على مسار الحياة والعلوم من فهم تكوّن النظام الشمسي إلى التكنولوجيا الحديثة، مرورًا بالنظم الحياتية البرمائية والجغرافية السكانية في العالم.
في تفسير هذا القصف الكوني
ظهرت نماذج متعددة تحاول تفسير هذه الظاهرة، إلا أنها غالبًا ما تفتقر إلى إطارٍ شامل يربطها بالتطور العام للنظام الشمسي. أما التصوّر الحديث، فيقدّم سردية أكثر ترابطًا. فبحسب هذا النموذج، لم يكن القصف المتأخر إلا نتيجة هجرةٍ سريعة ومضطربة للكواكب العملاقة بعدما خيّم الهدوء طويلًا على النظام الشمسي. ومع هذا التحرك المفاجئ، اضطرب قرص الكويكبات والأجسام المتجمدة الواقع خلف مدارات تلك الكواكب؛ فانطلقت أعدادٌ هائلة من الكتل الصخرية نحو الداخل، لتنهال على الكواكب الأقرب إلى الشمس، ومنها الأرض والقمر. ولم تتوقف الاضطرابات عند هذا الحد؛ إذ تزعزع حزام الكويكبات نفسه، فأصبح مصدرًا رئيسًا للمقذوفات التي شاركت في تلك المرحلة العنيفة، وهو ما تؤكده دلائل جيولوجية حديثة.
لا يقدّم هذا النموذج تفسيرًا منطقيًّا لمرحلة القصف الشديد المتأخر فحسب، بل ينسجم أيضًا مع ما نعرفه اليوم عن بنية النظام الشمسي الخارجي وتوزُّع أجرامه. وبذلك يكتمل مشهد هجرة كواكب عملاقة أعادت رسم خريطة الجاذبية في فضاء شاسع؛ فانطلقت الحجارة القديمة من سباتها، لتكتب على أسطح الكواكب والقمر فصولًا جديدة من تاريخٍ لم يكن ممكنًا أن نقرأه لولا تلك الآثار الصامتة التي احتفظ بها القمر ثابتةً على سطحه. فكل فوهةٍ فيه، هي صفحةٌ من كتاب الماضي. ولو اختفى القمر، لكان ذلك يعني فقدان السجل الذي يخبرنا كيف تشكّلت الأرض، وكيف وُجدت المعادن الأساسية، وسيفقد العلماء القدرة على قراءة تلك المرحلة الحسّاسة من تاريخ المجموعة الشمسية.
سيفقد محور الأرض توازنه وتنهار فصول السنة!
يميل محور الأرض عن الوضع العمودي بنحو 23.5 درجة، وهو ميل طفيف إذا ما قُورن باتساع المدار الذي تشقّه الأرض حول الشمس. لكن هذا الميل هو ما يصنع الفصول الأربعة، ويمنح الكوكب تنوُّع مناخه وتقلّباته الهادئة. فعندما يتجه نصف الكرة الأرضية نحو الشمس، تصل إليه أشعتها بزاويةٍ مباشرةٍ أكثر؛ فيطول النهار، وتزداد حرارة الجو، وتبدأ ملامح الصيف بالظهور. وفي الوقت نفسه، يكون النصف الآخر مائلًا إلى الخلف قليلًا، فيستقبل الضوء بزاويةٍ أقل، ويقصر نهاره ويبرد مناخه، ليعيش الشتاء. ومع استمرار الأرض في رحلتها السنوية، يتبدل هذا الميل النسبي بين نصفي الكوكب، فتنتقل المناطق من حرارة الصيف إلى اعتدال الخريف، ثم إلى ازدهار الربيع، في دورة متناسقة تمثّل إيقاعًا كونيًّا يتكرّر بلا خللٍ.
ولولا هذا الميل البسيط، لبقيت الأرض بمناخ واحد تقريبًا، لا يعرف صيفًا ولا شتاءً، ولا تنوعًا في الضوء والحرارة. وهكذا، يتبيّن أن سر الفصول، بكل ما تحمله من حياة وألوان وتغيّر، يعود إلى هذا الانحناء الخفيف الذي منح الأرض روعة التباين عبر الزمن.
أما دور القمر في كل ذلك، فإنه يثبِّت هذا الميل عبر تأثيره الجاذب المستمر. ولو اختفى لسَحبَت جاذبية الكواكب الأخرى محور الأرض ببطء، كما يحدث للمريخ الذي لا يمتلك قمرًا كبيرًا يستقر به. ما النتيجة؟ اضطراباتٌ مناخية قاسية، وربما تتحرّك الأغطية القطبية نحو الاستواء، في سيناريو كارثيٍّ يعيد رسم خريطة الحياة على وجه الأرض.
المحيطات تعيد توزيع نفسها
من دون تأثير جاذبية القمر ستتجمع كمية كبيرة من مياه الأرض باتجاه القطبين؛ لأن دوران الأرض وحدَه لن يكون كافيًا لإبقاء التوزيع الحالي لمياه المحيطات. وفي غياب جاذبية القمر ستبحث المحيطات عن توازن جديد، وستندفع كتلتها شيئًا فشيئًا من البحار المغلقة والمرتفعة إلى مناطق المحيطات المفتوحة والعميقة. هذا التحوُّل سيعيد رسم السواحل، فتغمر المياه مدنًا وتنسحب عن أخرى، في مشهدٍ يعكس هشاشة العلاقة بين اليابسة والبحر.
في فرضية كهذه ستتعرّض مدينة ميامي الأمريكية بأسرها للغرق! فهي قائمة على سهل منخفض، وتربتها الكلسية المسامية تسمح بتسرّب مياه البحر إلى الداخل. ومع ارتفاع المستوى المحلي لمياه المحيط، ستنغمر أحياؤها تدريجيًّا، ويتقلّص ساحلها المعروف. في المقابل، قد تشهد مدينة مثل الإسكندرية تراجعًا ملحوظًا للبحر المتوسّط، بوصفه حوضًا شبه مغلق يفقد مياهه بسرعة أكبر عند تغيّر التوازن العالمي. وستنسحب المياه، وتظهر أراضٍ جديدة كانت جزءًا من البحر لزمن طويل. وبهذا، لا يغيّر اختفاء القمر السماء فقط، بل يعيد تشكيل حدود الأرض نفسها.
انهيار المد والجزر بنسبة 40%
يشكّل المد والجزر إيقاعًا دقيقًا تتحرّك به البحار، وهو إيقاع يتجاوز حركة الماء إلى بناء منظومة حياة كاملة. ففي المنطقة الواقعة بين أعلى مدى للمد وأدنى مدى للجزر، تنشأ بيئة فريدة تُختَبر فيها قدرة الكائنات على التكيّف مع تغيّر سريع في الحرارة والملوحة ومستوى الماء. هنا تعيش السرطانات التي تدفن نفسها في الرمال لحماية أجسامها من الجفاف، والمحار الذي يفتح صدفته عند تغطية الماء له بحثًا عن الغذاء، ثم يُغلقها بإحكام عندما ينحسر البحر. وتستوطن هذه المنطقة أيضًا نجوم البحر والإسفنج والرخويات الصغيرة، إضافةً إلى أنواع من الطحالب التي لا تنمو إلا في ضوء الشمس المباشر بعد انحسار الماء.
هذه الحركة اليومية تضمن ضخّ الأكسجين وتجديد العناصر الغذائية وتطهير الموائل من الرواسب، فتعمل مثل محرّك طبيعي يعيد تنشيط الحياة مع كل دورة. وإذا اختفى القمر وضعفت قوة المد إلى نحو نصفها، تفقد هذه الكائنات بيئتها التي صُمّمت لتعيش على إيقاع التغيّر؛ فتتعطل دورة الأكسجين، وتتراجع مصادر الغذاء، وتنهار طبقات الحياة التي تعتمد على هذه المنطقة، فيختلّ توازن البحر من أساسه.
حياة كائنات كثيرة ستتعطل كليًّا
تشير بعض الأبحاث إلى عمق العلاقة بين الضوء القمري وسلوك كثير من الكائنات البحرية. فالقمر ليس زينةً لليل فحسب، بل إشارة زمنية دقيقة تستخدمها هذه الكائنات في أكثر لحظاتها حساسية. ففي عام 2021م، قدّم باحثون دراسة موسَّعة حول نوع محدد من المرجان، أوضحت أن الفترة القصيرة بين غروب الشمس وطلوع نور القمر المكتمل تكون محفّزًا تُطلِق عنده المستعمرات المرجانية بيوضها وحيواناتها المنوية في حدثٍ جماعي متزامن، في ظاهرة تُعرف باسم (spawning)، وكأنها تستجيب لنبض واحد يتكرّر كل عام. وفي دراسة أُجريت في عام 2019م على مرجان خليج العقبة، لوحظ أنه يغيّر نشاطه الجيني والفسيولوجي استجابةً لتفاوت ضوء الليل، فحتى التلوث الضوئي الصناعي له تأثير في سلوك الشعب المرجانية، وهو ما يعني أن دورة الضوء القمري تؤثر مباشرةً في دورته التكاثرية والبنائية.
كما تشير دراسة أُجريت عام 2015م حول "تأثير إضاءة القمر في تعشيش السلاحف البحرية" إلى أن بعض أنواع السلاحف البحرية تُظهر تباينًا في نشاط التعشيش تبعًا لمقدار إضاءة القمر، وهو ما يدل على أن لضوء القمر دورًا في توقيت سلوك التكاثر لدى هذه السلاحف.
فالأمر إذًا لا يتعلق بضوءٍ جميل في السماء، بل بنظامٍ كامل مبني عليه تطور الحياة. فضوء القمر هو إيقاع حياة كاملة، واختفاؤه يعني اختفاء الإشارة البيولوجية التي بُنيت عليها هذه السلوكيات، ما يسبب انهيارًا في منظومات بيئية دقيقة اعتمدت على الضوء القمري منذ ملايين السنين.
فقدان نظام تقويم زمني مهم للبشر
أما على المستوى الحضاري والإنساني، فقد اعتمدت الحضارات القديمة على منازل القمر لضبط الشهور. ووضع الإنسان التقويم القمري الذي رافق الثقافة العربية والإسلامية قرونًا. واختفاء القمر سيترك فراغًا ثقافيًّا ورمزيًّا وعمليًّا في حياة البشر، فهو جزء من ذاكرة الإنسان ومعتقداته وتقويمه.
التقنية الحديثة قد لا تكون كما نعرفها اليوم
كان سباق غزو القمر نقطة تحوُّل في تاريخ التكنولوجيا. فمن خلاله تطورت الأقمار الاصطناعية وأنظمة الاتصالات. وأنتجت علوم الفضاء مواد جديدة مثل العدسات المقاومة للخدش، وأجهزة القياس الحراري للأطفال من دون زئبق، وتقنيات تنقية المياه، وأجهزة الاستشعار. لو لم يكن القمر موجودًا ويدفعنا الفضول للوصول إليه، لربما لم يركب الإنسان هذا السباق الذي غيّر وجه التكنولوجيا.
إن التفكير باختفاء القمر يفتح الباب لسؤال أكبر: كم نعتمد في وجودنا على أشياء لم نفكر فيها من قبل؟
علي البحراني: مهندس وصانع محتوى في مجال تبسيط العلوم.