
لماذا قد يرغب أي شخص في العيش على المريخ؟ حتى أنصار فكرة استيطان الكوكب الأحمر يعترفون بأن الأمر، في أحسن الأحوال، سيكون أشبه بالعيش داخل بيئة مغلقة ومُصمّمة تمامًا مثل سفينة ركاب ضخمة أو قاعدة بحثية نائية، مفصولة كليًّا عن العالم الطبيعي، تعتمد كل احتياجات الإنسان فيها على أنظمة مهندسة.
لكن عالِم الأحياء الفلكي في وكالة ناسا، كاليب شارف، مؤلف كتاب "القفزة العملاقة"، يرى في استعمار الفضاء مستقبلًا محتومًا لا مهرب منه. في رؤيته، فإن قصة الحياة هي في الأصل سلسلة من التحوّلات الكبرى، وعبور حدود جديدة تُعيد رسم شروط الوجود والنشوء. حتى إن فجر الحياة نفسه كان أحدها؛ وكذلك اللحظة الأولى التي التصقت فيها خليتان معًا بدلًا من أن تتباعدا. ولعل أكثر التحولات دراماتيكيةً كانت الانتقال من البحر إلى البرّ، ومن البرّ إلى الجو؛ إذ شهد كل تحوُّل عواصف من الابتكار والفرص والأخطار. ربما يبدو أنه ليس هنالك عوالم أخرى يمكن للحياة أن تعيد فيها كتابة مسارها من جديد، لكن "شارف" يرى أن هناك قفزة عملاقة يمكن للبشرية تحقيقها، وذلك بالنفوذ إلى الحدود الكونية الأخيرة، ألا وهي الفضاء.
يرى "شارف" أن عصرنا الحديث، الذي شهد قفزات عظيمة في ارتياد الفضاء منذ عام 1957م، أي عند انطلاق "سبوتنيك"؛ أول قمرٍ صناعي يُطلق إلى الفضاء، وهبوط مركبة "أبولو 11" على سطح القمر عام 1969م، وآثار أقدام نيل أرمسترونغ على تربة القمر التي حفرت عبارة: "هذه خطوة صغيرة لإنسانٍ وخطوة هائلة للبشرية"، وصولًا إلى مسباري "فوياجر" اللذين يُحلّقان اليوم في الفضاء؛ لا ينبغي أن يُختزل في مجرد سباق جيوسياسي أو تقدّم تكنولوجي، بل يجب أن يُعَدَّ جزءًا من ضرورة تطورية أعمق وأكثر جوهريةً في مسار الحياة على الأرض.
نعيش اليوم على كوكب الأرض في مرحلة تؤدي سيطرتنا المتزايدة على البيئة الأرضية إلى أخطارٍ كبيرة، مثل التغيّر المناخي الحاد، وانهيار التنوُّع البيولوجي، والضغط على الموارد الطبيعية، فضلًا عن تهديدات وجودية أخرى، مثل إمكانية اصطدام أحد النيازك بكوكب الأرض، أو تعرضها لإشعاع مدمر من الشمس. ولكن ربما في هذه المرحلة تحديدًا انفتحت أمامنا فرصة مغادرة كوكب الأرض، التي يمكن أن توفّر انتقالًا حيويًّا قد يساوي في أهميته التحولات الكبرى السابقة في تاريخ الحياة.
في هذا السياق، يبدو أن التحوّل التطوري الكبير التالي، أو هذا "الانتشار" كما يُسميه "شارف"، لم يعُد مسألة خيار مستقبلي، بل أمرًا لا يُمكن تأجيله لفترة طويلة؛ لأن مصير الحياة على الأرض قد يرتبط في النهاية بقدرة الكائنات البشرية، وربّما بأشكال أخرى من الحياة، على مغادرة كوكبها ونقل خلاياها وتجاربها إلى عوالم أخرى.
وبينما ينظر "شارف" إلى الفضاء بوصفه ـوجهةً حتميةً لامتداد الحياة، يركز الكاتب والعالم الفلكي جون ويليس في كتابه "نقطة البيانات الزرقاء الباهتة"، على أن كوكب الأرض يظل النقطة الوحيدة المؤكَّدة اليوم لحياةٍ كوكبية، وهو ما يجعل منه نموذجًا وحيدًا يمكن أن يُستمد منه منطق البحث عن الحياة في أماكن أخرى.
يُبقي "ويليس" الأرضَ في مركز الدائرة المعرفية، ويُعيد تكرار مفهوم "النقطة الزرقاء"، الذي صاغه سابقًا الباحث الأمريكي في علم الأحياء الفلكي كارل ساغان، وأطلق عليه اسم "النقطة الزرقاء الباهتة للبيانات العلمية". فهو ينطلق من زاوية تجريبية دقيقة ليقول إنه إذا كانت الصورة الشهيرة للأرض بوصفها نقطةً زرقاءَ في الفضاء تُثير إحساسًا شعوريًّا بصغرنا الكوني، فإن "نقطة البيانات الزرقاء" تُمثّل مجموع الملاحظات العلمية والاستدلالات المنطقية المُجمَّعة على سطح الأرض، التي يمكن أن تُستخدم لاحقًا أساسًا لتحليل بيانات الكواكب الأخرى. بمعنى آخر، فإن فهم الكون عبر علوم الفلك يبدأ أولًا من دراسة كوكبنا؛ فكل محاولة لاكتشاف إشارات حياة خارجية يجب أن تُبنى على نماذج طُوّرت من استجابات الكائنات الحيّة في بيئات الأرض القاسية، أو من سجلِّ تطور الحياة المُستمَد من الأحافير والتحليلات الجيولوجية والكيميائية على كوكب الأرض.
يُفصّل "ويليس" الاستكشافات البشرية للنظام الشمسي، مع تركيزٍ خاصٍّ على الأماكن التي قد تحتوي على حياة لم نكتشفها بعد. ويشرح الجوانب التقنية لعلم الفلك والمهمات الآلية، مثل جمع عيّنات من الكويكبات، واكتشاف محيطات جوفية واسعة تحت أقمار المشتري وزحل الجليدية. ولا يكتفي ويليس بالشرح النظري، بل ينقل القارئ إلى قلب التجربة الميدانيّة: إلى إبهار تلسكوبات المراصد العملاقة في جبال الأنديز، ورحلات البحث عن الجسيمات الفضائية عبر صحاري المغرب، وإلى بعثات سفن بحثيّة تُطلِق غوّاصاتٍ لاستكشاف فتحات بركانيّة ملتهبة في أعماق المحيطات.
فكلما تعمّق فهمنا للأرض، بوصفها "النقطة الزرقاء الباهتة" الوحيدة المؤكّد وجود الحياة عليها، ارتفعت كفاءتنا في التعرّف على علامات الحياة في بيئات أخرى. يُبرز "شارف" أحدث الأدوات العلميّة، مثل تلسكوب "إكستريملي لارج" في تشيلي، ومجموعة "سكوير كيلوميتر آري" في جنوب إفريقيا وأستراليا، اللذين يتيحان تحليل الغلاف الجوّي للكواكب البعيدة بحثًا عن آثار حيويّة مميّزة. كما يتوقّع اكتشاف أحافير مجهريّة في صخور المريخ من خلال مهمّات المركبات الآليّة المستقبليّة؛ إذ إن الاكتشافات تؤكِّد أن سطح المريخ كان دافئًا ورطبًا في عصورٍ جيولوجيّة سابقة قبل الجفاف الحالي.
وعلى الرغم من تباين الاتجاهين الفلسفيين، يرسّخ كلا الكتابَين مقاربةً علميةً تُعيد ترتيب أولويات البحث في علم الأحياء الفضائية. فمن منظور "شارف"، فالفضاء ليس مجرد "واجهة خلفية" لتجارب بشرية، بل هو مجالٌ مُتسعٌ للتكيّف البيولوجي والتقني. أمَّا من منظور "ويليس"، فالأرض ليست مجرد مركز وجودي، بل هي مرآة معيارية تُمكّن من قراءة الإشارات الكونية بمنهجيةٍ صارمة. وباختصار، يُقدّم كتاب "القفزة العملاقة" تصوّرًا مُستقبليًّا مُتّجهًا نحو الأفق، في حين يُقدّم "نقطة البيانات الزرقاء الباهتة" تصورًا قائمًا على محاكاة محيطية مُتعددة الأبعاد يُدرس فيها النظام البيئي الفريد الذي يُكسب الحياة معناها العملي والكيميائي على الأرض، قبل أن يُستنسخ هذا الفهم في الفضاء.
القفزة العملاقة: لماذا يُعدُّ الفضاء الأفق التالي في تطور الحياة؟
تأليف: كاليب شارف
The Giant Leap: Why Space Is the Next Frontier in the Evolution of Life by Caleb Scharf
الناشر: Basic Books، 2025
نقطة البيانات الزرقاء الباهتة: منظور أرضي للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض
تأليف: جون ويليس
The Pale Blue Data Point: An Earth-Based Perspective on the Search for Alien Life by Jon Willis
الناشر: University of Chicago Press، 2025