Hero image

أندري زفياجينتسيف.. سينما السؤال الأخلاقي

يوليو – أغسطس | 2026

يونيو 30, 2026

شارك
أكثر من مفارقة سيكتشفها قارئ هذا الكتاب ترتبط ببطله المخرج الروسي أندري زفياجينتسيف؛ سيكتشف أوّلًا أنه لم يدرس السينما التي أبدع فيها حتى نال شهرةً عالمية واسعة النطاق، بل كان قد تخصص في التمثيل والمسرح. كما سيتبيّن له ثانيًا كيف أدَّت التجربة الشخصية التي مرّ بها هذا المبدع في طفولته دورًا حاسمًا في تطوّر مسيرته الفنية، حين اختار العيش مع والدته بعد انفصالها عن أبيه؛ وقد مثّل ذلك الدافعَ، كما يؤكد مؤلف الكتاب الناقد محمود الغيطاني، وراء اتّخاذ زفياجينتسيف قضايا الأسرة وتماسكها موضوعًا محوريًّا في معظم أعماله، حتى بات، وفقًا لقوله، "مُصلحًا اجتماعيًّا ضلَّ طريقه إلى السينما".

ويمزج مؤلف الكتاب، من أجل الإلمام الشامل بعالم هذا المخرج الروسي، وعبر ثلاثة فصول، بين السيرة التوثيقية المرتكزة إلى عديدٍ من الشهادات والآراء التي وردت في مقابلات صحفية أُجريت مع المخرج الروسي ومع أشخاصٍ تربطه بهم علاقاتٌ متباينةً في قربها منه، والنقد التحليلي لمجمل إنجازه السينمائي من أفلام روائية طويلة وقصيرة.
وعبر هذا المزج، تبرز لنا مفارقات أخرى، منها تشابه ظروف حياة أندري زفياجينتسيف ومساره الفنّي مع تجربة مخرج روسي آخر شهير هو الراحل أندريه تاركوفسكي. فكلاهما، على الرغم من نجاحاتهما، قد مرّ بطفولةٍ قاسية، وبسبب أفلامهما تعرَّضا للتضييق من السلطات، وكلاهما ترك روسيا وعاش في المنفى.

وثمّة مفارقةٌ أخيرة ترتبط هذه المرَّة بتصوّرات أندري زفياجينتسيف حول السينما، فكما يشير الغيطاني، يندرج أسلوبه السينمائي ضمن ما يُعرف بـ"السينما البطيئة" التي تأسّست عليها بُنية جميع أفلامه، وهي السينما التي تنشغل بالتفاصيل الدقيقة لكلِّ مشهدٍ يجري تصويره في لقطاتٍ طويلة عبر حركة كاميرا شديدة البطء بهدف فتح مجالٍ للتأمّل والتفكير وطرح الأسئلة أمام المشاهد. هذا النمط السينمائي، دون غيره، هو الذي جذب زفياجينتسيف، حسبما يعترف، إلى مجال السينما حين شاهد لأول مرّةٍ على شاشة كبيرة في معهد السينما بموسكو عام 1988م فِلم "المغامرة" (L’Avventura) للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني، وهو من أبرز روّاد السينما البطيئة في العالم. ومع ذلك كله، يُنكر صاحب فِلم "العودة" (The Return)، الذي حصد به عام 2003م جائزة الأسد الذهبي المرموقة (وهي أكبر جائزة يمنحها مهرجان فينيسيا السينمائي)، معرفته بتيَّار السينما البطيئة، كما ذكر في أحد الحوارات التي أُجريت معه قائلًا: "أصنع أفلامي بالشكل الذي أراه مناسبًا، وفي ذلك أعتمد فقط على مشاعري الخاصة؛ أي أنني أطيع الغريزة واللاعقلانية، ومن ثَمَّ، فإن أساليب السرد لا تمليها عليّ كليشيهات النوع السينمائي"، بل يتهكّم من النقّاد الذين يعترفون بوجودها، ويصف ما يتداولونه بـ"الأمور الغامضة"، مطالبًا بإخباره لاحقًا بـ"النتيجة التي يتوصل إليها باحثو السينما" في هذا الشأن.
 

 

أندري زفياجينتسيف.. سينما السؤال الأخلاقي
تأليف: محمود الغيطاني
الناشر: بوملحة، 2026م