
بأسلوب السرد القصصي، يناقش المحرّر في قسم مراجعات الكتب في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، غال بيكرمان، طرائق انتشار مجموعة من الأفكار والمبادرات التي كان بوسعها إحداث قدرٍ من التغييرات الحاسمة في عدد من المجتمعات الإنسانية، بدءًا من القرن السابع عشر، سواءً في المناحي العلمية، أو السياسية، أو الاجتماعية. ويؤكّد، بعد رصد آليات ظهور مثل هذه الأفكار وانتشارها، أن سيطرة الوسائل الرقمية للتواصل في هذا العصر على وعي أعداد هائلة من مستخدميها تُعَدُّ معوّقًا فعليًّا لتطوُّر مساحاتِ التفكير غير التقليدي، وذلك بفعل "ضجيج التواصل الفوري" الذي ينزع عن أي محاولة جادَّة للتغيير الإيجابي.
يضمُّ الكتاب عشرة فصولٍ، يستعرض المؤلف في ثناياها نماذج واقعية من أماكن وأزمنة مختلفة تبنّت أفكارًا راديكالية، مثل عرائض الإصلاح في مانشستر ببريطانيا (1839م)، ومحاولاتٍ غير مألوفة بُذلت لمواجهة انتشار فيروس كوفيد-19 (2020م)؛ للتدليل على طرحه الرئيس بأن الأفكار الجادة للتغيير لا يمكن أن تتبلور أو تحقّق ما تصبو إليه إلا بعد مراحل من التحضير والتخطيط الهادئ والمناقشة المتأنية، وعبر توظيف وسيط ينجح في تحقيق ما سمّاه "الاحتضان"؛ أي احتضان الفكرة الراديكالية في عملية دقيقة أبعد ما تكون عن العشوائية، تحتاج، كما يكتب، إلى قدرٍ كبير من الحرية لنقاشات تصبُّ في هدفٍ مشترك واحد. وهو ما لا يتحقَّق في حال استخدام منصَّات التواصل الاجتماعي، التي ينتقد بيكرمان دورها بهذا الخصوص؛ إذ يَعدُّها طاردةً للأفكار غير التقليدية التي تحتاج إلى وقتٍ "للتجذّر والترسّخ والتطوّر ببطءٍ"؛ فجلُّ ما تفعله أنها "تسمح باشتعال الفكرة لحظةً، ثم تعود لتخبو بها إلى الظلام".
يهتم المؤلف إذًا بتحليل استخدام وسائط التفاعل الاجتماعي الحاضنة للأفكار التي بوسعها أن تجمع الأفراد حولها أكثر من انشغاله بمحتوى تلك الأفكار. كذلك يفعل عندما يروي بالتفصيل، على سبيل المثال، الدور الذي أدّاه وسيطٌ عُرف بـ"جمهورية الرسائل"، وهي شبكة مراسلات شهدتها مدينة إكس أون بروفانس في فرنسا، بدءًا من عام 1635م، ضمّت عشرات العلماء والنبلاء، لتبادل الأفكار، ولعرض النظريات العلمية، والبحث عن الحقيقة الموضوعية. فقد صِيغت عبرها، كما يوضح، أولى ملامح ما عُرف بعد ذلك بالمجتمع العلمي. وفي هذا السياق، يبرز اسم العالم الفلكي والفيلسوف الفرنسي، نيكولا كلود فابري دو بيرسك، الذي طمح إلى تحديد خطوط الطول وقياس اتساع البحر المتوسط، بوصفه أفضلَ من وظّف هذه الوسيلة أداةً للتفكير، وتلاقح العقول، وتدوين الملاحظات، واختبار المسلّمات.
يضمُّ الكتاب عشرة فصولٍ، يستعرض المؤلف في ثناياها نماذج واقعية من أماكن وأزمنة مختلفة تبنّت أفكارًا راديكالية، مثل عرائض الإصلاح في مانشستر ببريطانيا (1839م)، ومحاولاتٍ غير مألوفة بُذلت لمواجهة انتشار فيروس كوفيد-19 (2020م)؛ للتدليل على طرحه الرئيس بأن الأفكار الجادة للتغيير لا يمكن أن تتبلور أو تحقّق ما تصبو إليه إلا بعد مراحل من التحضير والتخطيط الهادئ والمناقشة المتأنية، وعبر توظيف وسيط ينجح في تحقيق ما سمّاه "الاحتضان"؛ أي احتضان الفكرة الراديكالية في عملية دقيقة أبعد ما تكون عن العشوائية، تحتاج، كما يكتب، إلى قدرٍ كبير من الحرية لنقاشات تصبُّ في هدفٍ مشترك واحد. وهو ما لا يتحقَّق في حال استخدام منصَّات التواصل الاجتماعي، التي ينتقد بيكرمان دورها بهذا الخصوص؛ إذ يَعدُّها طاردةً للأفكار غير التقليدية التي تحتاج إلى وقتٍ "للتجذّر والترسّخ والتطوّر ببطءٍ"؛ فجلُّ ما تفعله أنها "تسمح باشتعال الفكرة لحظةً، ثم تعود لتخبو بها إلى الظلام".
يهتم المؤلف إذًا بتحليل استخدام وسائط التفاعل الاجتماعي الحاضنة للأفكار التي بوسعها أن تجمع الأفراد حولها أكثر من انشغاله بمحتوى تلك الأفكار. كذلك يفعل عندما يروي بالتفصيل، على سبيل المثال، الدور الذي أدّاه وسيطٌ عُرف بـ"جمهورية الرسائل"، وهي شبكة مراسلات شهدتها مدينة إكس أون بروفانس في فرنسا، بدءًا من عام 1635م، ضمّت عشرات العلماء والنبلاء، لتبادل الأفكار، ولعرض النظريات العلمية، والبحث عن الحقيقة الموضوعية. فقد صِيغت عبرها، كما يوضح، أولى ملامح ما عُرف بعد ذلك بالمجتمع العلمي. وفي هذا السياق، يبرز اسم العالم الفلكي والفيلسوف الفرنسي، نيكولا كلود فابري دو بيرسك، الذي طمح إلى تحديد خطوط الطول وقياس اتساع البحر المتوسط، بوصفه أفضلَ من وظّف هذه الوسيلة أداةً للتفكير، وتلاقح العقول، وتدوين الملاحظات، واختبار المسلّمات.
الهدوء ما قبل العاصفة.. عن الأصول غير المتوقعة للأفكار الراديكالية
تأليف: غال بيكرمان
ترجمة: مروة الجزائري
الناشر: الآمال الكبرى، 2025م