
يضمّ هذا الكتاب نصوصًا للشاعر والمترجم السعودي أحمد العلي، أنجزها بين عامي 2013م و2014م في أثناء إقامته بمدينة نيويورك الأمريكية للدراسة، ويمكن عدُّها في مجملها رؤيةً إبداعية شديدة الذاتية ترتبط بصاحبها وبتأملاته عن المدينة التي طالما شغلت مَن مرّ بها أو أقام فيها من الأدباء والكتّاب.
إذًا، سيكون السرد هنا شخصيًّا بحتًا، فلن يجد القارئ سردًا جامدًا لمعلومات أو لحقائق عن نيويورك أو تفاصيل تقريرية صرفة لجوانب من واقعها، أو لأشهر معالمها التي زارها المؤلف، مثل متحف التاريخ الطبيعي، أو متحف الفن الحديث، أو سنترال بارك، أو متحف الصور المتحركة، أو متحف مؤلِّف حبكات الرعب إدغار آلان بو، وغيرها من أماكن ومزارات، وهو ما يمكن أن يُوحي به عنوان الكتاب للوهلة الأولى بوصفه "دليلًا للتائهين"، فليس المقصود التيه الفعلي داخل أرجاء المدينة، بل هو تيه وجودي، ووجداني، وعاطفي، ومتجدّد.
ومنذ السطور الأولى من الكتاب، يعلن أحمد العلي في لغةٍ أقرب إلى الصور الشعرية أن "الحياة تُمتحن بالجغرافيا، وأن المكوث في بيئة واحدة ربّما سيتسبب في نسيان اختلاف التضاريس". وهكذا حين يشق المرء طريقه، كما فعل هو، وحين يكون هذا الطريق "محيطًا مكتمل الزرقة"، كما يكتب، فلا شكّ في أن تنفرج "وريقات اليقظة". ثم يعلن من جديد، وإن بطريقة غير مباشرة، عن الإطار الذي سيحدِّد معالجته لموضوعه: "كانت غرفتي نيويورك، وإذا عطشت فتحت ثلاجة مانهاتن". وهكذا سنفهم العلاقة التي ينسجها المؤلف مع المدينة عبر الكتابة، وهي علاقة مَنْ ضَرَبه العطش فبدأ سعيه المحموم نحو الارتواء. وعلى هذا النحو، سيبدو كل مكان يذكره العلي في كتابه هدفًا ابتغاه عن قصد لتحقيق إشباعه المنشود.
وبلغةٍ مفتوحة على التأويل، يقصُّ أحمد العلي في واحدٍ من نصوص الكتاب، على سبيل المثال، كيف وقف في متاحف مانهاتن أمام مخطوطاتٍ وأيدٍ "لم يكُن مستعدًّا لها"، ويحكي عن زيارته لمتحف مورغان، وهو بيتٌ قديمٌ لنبيلٍ كان يهوى جمع الكتب، وتكوَّنت مكتبته من ثلاثة طوابق. يكتب العلي: "كان كلما كبر السيد مورغان كبرت معه المكتبة، لم يتركا بعضهما أبدًا، وعندما مات صارت متحفًا، والمتحف في أحد جوانبه موتٌ أيضًا". ويشير إلى محتويات هذه المكتبة، فبالإضافة إلى رسائل بخط تشارلز ديكنز، ومارك توين، وفان غوخ، ثمّة مخطوطاتٌ موسيقية لبيتهوفن وباخ وموزارت. ويحكي العلي أيضًا مازجًا الحقيقة بالخيال عن ذلك الهدهد الذي حطّ على كتفه وقاده إلى متحف المتروبوليتان، ثم أرشده إلى مخطوطة "منطق الطير"، وبعدها يدخل مجدّدًا في واحدة من صفحات الكتاب ليصير نقطةً سوداءَ بعيدةً خلف رأس مؤلفها الشيخ فريد الدين العطار الماكث فيها.
دليل التائهين إلى نيويورك
تأليف: أحمد العلي
الناشر: روايات (مجموعة كلمات)، 2026م