Hero image

نقل الطبيعة الخضراء إلى الفضاء

أشرف أمين

يونيو 18, 2026

شارك
بعد عقودٍ من ازدحام المدارات المحيطة بكوكب الأرض بآلاف الأقمار الصناعية وملايين الشظايا المتناثرة من الأقمار الصناعية القديمة التي خرجت من الخدمة، يبدو أن الوقت قد حان لتزدان المدارات باللون الأخضر؛ إذ تتسارع اليوم وتيرة أبحاث الزراعة الفضائية، أملًا في توفير البيئة المثلى لتفاعل الجذور بالتربة، وتعزيز امتصاص الماء والعناصر اللازمة لنمو النبات في ظروف انعدام الجاذبية.
 
تسير وتيرة الأبحاث حول الزراعة في الفضاء الخارجي عبر مسارات عديدة، لعلّ من أهمها مشروع (Veggie) في محطة الفضاء الدولية، الذي يعتمد على إنتاج الخضراوات والنباتات الورقية في علبة أشبه بحقيبة اليد. أما المشروع الثاني (X Roots)، فيعتمد على تطبيق الزراعة المائية من دون تربة لإنتاج المحاصيل في الفضاء. ومن المُتوقَّع أن تعزّز تلك المشروعات من خطط وكالة "ناسا" ما بين عامي 2030م و2032م، بتوافر وحدات في الفضاء لإنتاج الغذاء الطازج والمستدام لروّاد الفضاء الذين سيشاركون في الرحلات طويلة الأمد إلى القمر والمريخ، وربّما إلى الكواكب البعيدة الشبيهة بالأرض.
 
لا تتعلّق الزراعة الفضائية بتوفير الغذاء لروّاد الفضاء فحسب، بل بتلبية الحاجة الإنسانية إلى الشعور بالحياة وتلمّس الطبيعة في الفضاء المعتم والبارد.
 

حديقة الفضاء

 لم تعُد فكرة الزراعة في الفضاء مقتصرةً على التجارب العلمية وحدَها، بل امتدت إلى تصوُّرات معمارية تحاول تخيُّل شكل الحياة البشرية خارج الأرض. هذا التصوُّر ألهم المصمّم البريطاني توماس هيذرويك، ومهندسة التصميمات المستقبلية للسكن الفضائي الدكتورة أرييل إكبلاو، للتعاون على طرح نموذجٍ أولي "للحديقة الفضائية".
عُرض التصميم الذي قُدّم لأول مرة بأحد المعارض الدولية بإيطاليا، ويتألف نموذج الحديقة من هيكل ضخم مكوّن من 30 حوضًا زجاجيًّا، يحتوي كل منها على نوعٍ من النباتات المزروعة، يتوسطها حوض مزروع بشجرة رمّان لكونها واحدةً من أقدم الأشجار التي عرفها الإنسان وزرعها قبل 5,000 سنة. وما بين تلك الأحواض، توجد أذرع آلية تعمل على رعاية النباتات وجمع الثمار.

ووفقًا لهذا التصميم، زُوِّدت الأحواض بسقف يُغلَق عند الحاجة لحماية النبات من الأشعة الكونية أو الحطام الفضائي، كما زُوِّد كل حوض بخلايا كهروضوئية على سطحه الخارجي لتوليد الطاقة اللازمة.
في حديثٍ لأحد المواقع المتخصصة بعد عرض التصميم، قال المصمم توماس هيذرويك: "أنا مفتون بالفضاء الخارجي، وبالتحديات التي يفرضها، التي ربّما تساعد البشر على عيش حياة أفضل على الأرض. تُظهر الأبحاث أن عديدًا من أنواع الرقائق الإلكترونية الدقيقة والأنسجة والأدوية، تُصنّع بكفاءةٍ أعلى في بيئة منخفضة الجاذبية. ولا شك أنه مع تقدُّم تكنولوجيا الفضاء، سيزداد عدد الأشخاص الذين يعملون ويعيشون في الفضاء. ولأن تصميم المساكن الفضائية يهدف إلى المكوث وقتًا أطول، فمن الضروري أن تتوفّر حديقة الفضاء، فهي عامل يعزّز الحياة الصحية والنفسية للبشر بعيدًا عن الأرض".

والحال أن هذا التصوُّر المستقبلي يكشف عن مفارقة لافتة؛ ألا وهي إتلاف المساحات الخضراء على كوكب الأرض تحت ضغط التوسُّع العمراني والاستنزاف البيئي، والسعي الآن إلى إعادة بناء الطبيعة في الفضاء بتكاليف وتحديات تقنية هائلة، أملًا في إصلاح ما خُرِّب. وكأن البشر، بعد أن ابتعدوا تدريجيًّا عن الطبيعة على كوكبهم، يحاولون استعادتها من جديد وهم معلَّقون في فراغ الكون الشاسع.
ولا يتعلّق الأمر بتوفير الغذاء فحسب، بل بالحاجة إلى مساحات تمنح الإنسان شعورًا بالألفة والارتباط بالحياة، حتى وهو يستعد لرحلاتٍ طويلة إلى كواكب أخرى قد تحمل ظروفًا شبيهة بالأرض. وتوفير مساحات خضراء تلبّي الاحتياج الغذائي والارتباط الوثيق بالطبيعة، يعزِّز من رفاهية الإنسان وهو معلّق بذلك الفضاء الشاسع للكون، أو مسافر لاكتشاف كواكب قد تتوافر بها فرص للحياة شبيهة بالأرض.

 
نفايات بالأرض والفضاء

تشير الدراسات الأحفورية الحديثة إلى أنَّ عمر الإنسان العاقل على الأرض يرجع إلى أكثر من 300 ألف عام. ومع بدء أولى الثورات الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، استنزف الإنسان موارد الطبيعة لتحقيق رغباته، وتسارعت وتيرة التدمير المُمنهَج للبيئة لتحلّ المباني الخرسانية والطرق الإسفلتية محلّ الغابات والمساحات الخضراء. واستمر الحال عقودًا متوالية، حتى تراكمت آلاف الأطنان من المخلفات في البحار والمحيطات وجميع بقاع الأرض.
في سياقٍ موازٍ، ومع حلول منتصف القرن العشرين، توالى إرسال الأقمار الصناعية إلى المدارات المحيطة بالأرض كي تنقل الصور والبث المباشر والمعلومات عما يدور على كوكب الأرض. ومع تسابق الدول على إطلاق الأقمار الصناعية واحتلال الفضاء، تزاحمت الأقمار الصناعية في المدارات القريبة والبعيدة، ليصل مجمل ما يدور حول الأرض إلى 14 ألف قمر صناعي، وملايين القطع من النفايات الفضائية لأقمار صناعية مُفكَّكة فقدت صلاحيتها، وأصبحت مصدر تهديد بإتلاف الأقمار الصناعية العاملة في حال الاصطدام بها.

ووسط هذا المشهد المزدحم بالحطام المعدني، تبدو أفكار المزارع والحدائق الفضائية كأنها محاولة لإدخال شيء من الحياة إلى فضاء بات يحمل آثار النشاط البشري هو الآخر. وما بين فوضى النفايات التي تدور حول كوكبنا والخطط المستقبلية لإطلاق مزيد من الأقمار الصناعية لتزيد من التزاحم بالمدارات، تبدو خطط المزارع الفضائية بالمدارات القريبة من الأرض أشبه بنقاط خضراء وسط فضاء شاسع حالك السواد.
 
مائة محصول من الفضاء

على عكس ما قد يعتقده البعض، فإن فكرة الحديقة الفضائية، التي تبدو ضربًا من الخيال، ليست وليدة اللحظة، بل هي استكمال لجهود متواصلة منذ خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته. ففي تلك السنوات، أدركت وكالتا الفضاء الأمريكية والسوفيتية الحاجة إلى دراسة الحياة النباتية خارج نطاق الجاذبية الأرضية لتعزيز المهمات الفضائية طويلة الأمد. كان الهدف إنشاء أنظمة دعم حياة متجددة بيولوجيًّا، تُنتج الغذاء الطازج وتُسهم في تدوير ثاني أكسيد الكربون في هواء المحطة وتحويله إلى أكسجين وماء.

وبالفعل، نجحت التجارب على مدار السنوات في زرع البذور وإنتاج مائة نوع مختلف من الزهور والنباتات والخضراوات، بدءًا من البصل في عام 1975م، ثم باقي المحاصيل تباعًا، مثل: الخس، والملفوف الصيني، والكرنب الأحمر الروسي، والخردل، والقمح، والبطاطس، والطماطم، والفجل، وصولًا إلى الفلفل الحار. وأسهمت هذه التجارب في تطوير فهم أعمق لكيفية تكيّف النباتات مع بيئات انعدام الجاذبية والظروف القاسية خارج الأرض.
وبعيدًا عن الفوائد الغذائية المباشرة، كان للزراعة أثرٌ نفسي عميق على روّاد الفضاء يتخطى أي مهمة أخرى يتولّونها على مدار اليوم. ففي بيئة المحطة الفضائية المعقَّمة والممتلئة بالضغوط النفسية، كان للرعاية والمتابعة الدورية للنباتات أثرٌ في تشكيل صلةٍ حسّية نادرة، كما لو أن أولئك الروّاد كانوا موجودين على الأرض؛ إذ إن الاعتناء بهذه النباتات منحهم شعورًا بالألفة، وكسر شيئًا من العزلة ورتابة الحياة اليومية عبر تحفيز حواس البصر والشم والتذوق. حتى إن رائحة التربة كانت تمدّهم براحة عميقة وتعيد إليهم شعور الارتباط بالوطن البعيد، وتُخرجهم من العزلة ورتابة الحياة بالمحطة الفضائية.
اللافت في الأمر أن خطط الزراعة ستزداد أكثر خلال هذا العام على متن محطة الفضاء الدولية الموجودة بالمدار الأرضي المنخفض، على ارتفاع يُراوح بين 160 و2,000 كيلومتر فوق سطح البحر، ويجاورها أغلب الأقمار الصناعية المُخصَّصة لنقل الصور الأرضية.

وبحسب تقديرات علماء وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، فإن بحوث الزراعة في الفضاء بالغة الأهمية لدعم البعثات المستقبلية طويلة الأمد إلى القمر والمريخ؛ إذ يدرس روّاد الفضاء كيفية تكيّف النباتات مع انعدام الجاذبية واتجاه نمو الجذور والسيقان وتوصيل العناصر الغذائية. ومن المُتوقَّع أن تُسهم تلك الدراسات في تحديد كيفية بناء البيوت الزجاجية المستقبلية على سطح القمر والمريخ، إضافةً إلى دراسة كيفية تطوير أصناف محاصيل أكثر مقاومةً لبيئة الفضاء ذات الإشعاع العالي والظروف القاسية، وسبل زيادة كفاءة استخدام المياه والمغذيات.
ومع ذلك، لا تبدو المزارع الفضائية مجرد تجربة علمية لإنتاج الغذاء خارج الأرض، بل هي انعكاس عميق لعلاقة الإنسان بالطبيعة أينما ذهب. فبعد قرونٍ من استنزاف الموارد وتراجع المساحات الخضراء على كوكب الأرض، يحاول الإنسان اليوم إعادة اكتشاف قيمة النبات حتى وهو معلَّق في فراغ الكون البارد. وربَّما تكشف هذه الجهود حقيقةً أهم من مجرد البقاء في الفضاء؛ وهي أن الإنسان، مهما بلغ تقدمه التقني، يظل بحاجة إلى جذور تربطه بالحياة والطبيعة واللون الأخضر. وبينما تستعد البشرية لرحلات طويلة نحو القمر والمريخ، قد تصبح الزراعة لغةً جديدة تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والأمل وسط اتساع الكون المظلم.
 

 

أشرف أمين: مسؤول قسم العلوم بصحيفة الأهرام.