
حين تأتي هذه الشرارة، فإنها قد لا تكتفي بالتحريض على إنجاز عملٍ إبداعي محدد، وإنما قد تشكّل مسيرة إنسان في الحياة، وتجعله كاتبًا.
للحنين، وللأماكن، وللذكريات سطوةٌ على الروائي، وقد تكون شرارة عمله الأول مزيجًا من كل تلك المشاعر والأحاسيس. فعندما ذهب غابرييل غارسيا ماركيز مع أمه إلى القرية لبيع بيت جده، راحا في طريقهما عبر الشوارع المقفرة يبحثان وسط مشهد الانهيار هذا عن ذكرياتهما البعيدة، وعن أيام الوفرة والحياة الملأى بالحركة.
وصادف أن زارت أمه إحدى صديقاتها، وكانت تجلس إلى ماكينة الخياطة في حجرةٍ نصف مظلمة. وراحت المرأتان تنظر إحداهما إلى الأخرى، وكأنهما تحاولان العثور خلف مظهريهما المتعبين وملامحهما الكهلة على ذكرى الفتاتين الجميلتين المشرقتين اللتين كانتا يومًا ما. وبدا صوت الصديقة حزينًا، وكأنها فُوجئت، فتعانقتا، وسالت دموعهما معًا.
قال غارسيا ماركيز: "من هذا اللقاء انبثقت روايتي الأولى". وكانت تلك الرواية هي "ورق الشجر". ويقول الناقد والصحفي بلينيو ميندوثا: إن ذلك المشهد ربّما لم يكُن سببًا في كتابة ماركيز لتلك الرواية فحسب، بل لعلّه كان الشرارة الأولى لمعظم رواياته التي كتبها لاحقًا.
وقد تأتي الشرارة من لقاءٍ عابر أو رؤية شخص مجهول. فالروائي ألبرتو مورافيا، في حديثه عن روايته "امرأة من روما"، قال: "قابلتُ امرأةً من روما تُدعى أدريانا، وبعد ذلك بعشر سنوات كتبتُ الرواية. ولربّما كان الدافع الأول إلى كتابتها أن أدريانا لن تقرأ الرواية أبدًا. فقد رأيتها مرةً واحدةً فقط، ثم تخيّلتُ كل شيء، لقد اخترعتُ كل شيء". أو كما فعلت فرجينيا وولف حين ابتكرت شخصية "السيدة دالواي"، مستلهمةً إيّاها من صديقة العائلة كيتي ماكس، التي كانت المصدر الأساس للشخصية.
.jpg)
سمع هاروكي موراكامي صوت ارتطام الكرة بمضرب اللاعب ديف هيلتون، فخطرت له فجأةً فكرةٌ حاسمة: "أعتقد أنني أستطيع تأليف رواية".
رواية تُحرِّض على رواية
في بعض الحالات، يقود التأثرُ الفنيُّ الروائيَّ إلى كتابة روايته. فقد روى نجيب محفوظ أنه حين قرأ رواية "شجرة البؤس" لطه حسين، وهي رواية أجيال، أُعجب بها، وقرّر أن يكتب رواية تدور حول قصة أجيال.
حين تأتي مثل هذه الشرارة، فإنها قد لا تقتصر على إنجاز عمل إبداعي مُحدَّد، وإنما قد تشكّل مسيرة إنسان في الحياة، وتجعله يتخذ قراره بأن يصبح كاتبًا. فالروائي الياباني هاروكي موراكامي يروي أنه في ربيع عام 1978م، كان يحضر مباراة بيسبول. وبينما كان يتابع المباراة في هدوء، إذ سمع صوت ارتطام الكرة بمضرب اللاعب ديف هيلتون، فخطرت له فجأةً فكرةٌ حاسمة: "أعتقد أنني أستطيع تأليف رواية". ظلّ موراكامي يتذكّر ذلك الشعور وكأن شيئًا هبط من السماء فالتقطه بيده، من دون أن يعرف سببه. لذلك وصفه بأنه وحي أو "لحظة تجلٍّ" غيّرت حياته جذريًّا. وبعد انتهاء المباراة، ركب القطار إلى شينجوكو، واشترى ورقًا وقلم حبر، وبدأ يكتب بخط يده روايته الأولى "اسمع الريح تغني".
وقد تكون عبارةٌ تقولها أمٌّ عن ابنها مصدر إلهام للشاعر الغنائي في كتابة أغنية. فقد قالت زوجة الشاعر أحمد رامي له ذات مساءٍ، وهي ترنو إلى ابنها محمد: "النوم بيلعب في عينه"، فبرق في ذهن رامي، في اللحظة نفسها، مطلع أغنية "النوم"، وهو: "النوم يداعب عيون حبيبي"، التي غنّتها أم كلثوم. فقد تطوّر المطلع الأمومي، الذي قِيل عن الطفل الصغير، إلى خطاب للحبيب؛ حبيب الخيال والحُبِّ.
ومن المزاح العائلي قد تتولّد أفكارٌ لأعمال روائية عظيمة. فمؤلف رواية "بقايا اليوم" الكاتب البريطاني الياباني كازوو إيشيغورو، يسرد كيف جاءت فكرة تلك الرواية، أو على وجه التحديد فكرة شخصية كبير الخدم "ستيفنز". "بدأ الأمر كله بمزحةٍ من جانب زوجتي؛ فقد كنت يومًا ما على موعد مع صحفي لإجراء حوار معه حول روايتي المنشورة الأولى، وقد تساءلت زوجتي بمرحٍ وبطريقة تلقائية: "تصوّر كم كان الأمر سيبدو باعثًا على الضحك لو جاءك هذا الصحفي وأمطرك بوابل من الأسئلة المعقدة والجادة، ثم قلتَ له: إنك تعمل مديرًا للخدم في هذا المنزل! ظننا، أنا وزوجتي، أن هذه الفكرة مدهشة للغاية، ومنذ ذلك الحين وأنا مهووس بفكرة كبير الخدم، الذي صار لازمة في أغلب رواياتي".

تقدم رواية "العمى" للأديب ساراماغو فكرةً فانتازية بواقعية شديدة، وجاءت من تساؤل طرحه الروائي على نفسه في فترة الغداء؛ إذ يقول المؤلف إن رواية "العمى" انبثقت فجأةً من فكرة طرأت على ذهنه: "كنت أنتظر الغداء في مطعم، وفجأةً، من دون سابق إنذار، قلت في نفسي: ماذا لو كنّا جميعنا عميانًا؟ ثم قلت كمن يجيب عن تساؤلي: لكننا بالفعل عميان. وكانت تلك مضغة الرواية".
وقد تأتي ولادة الرواية من عصفٍ ذهني يعيشه الروائي عندما يعيش حالة إحباط، كما حدث مع يان مارتل، الذي كتب رواية "حياة باي" بعد أن مرّ بالهند وهو في حالة إحباط عميقة. فقد تعطلت الرواية التي كان ينوي كتابتها، وشعر بأنه في حاجة ماسة إلى قصة جديدة. وفي بلدة ماثيران الهادئة، وعلى قمة صخرة، عادت إليه فكرةٌ قديمة عن ناجٍ في قارب مع حيوان، فانفجرت في ذهنه ملامح الرواية دفعةً واحدة: قارب النجاة، والحيوانات، والتداخل بين الدين وعلم الحيوان، وفكرة أن الواقع نفسه يمكن أن يكون قصةً نختار طريقة روايتها.
لم يكتفِ مارتل بتلك الومضة، بل حوّلها إلى مشروع روائي عبر بحث طويل؛ فزار حدائق الحيوان في جنوب الهند، والتقى مدير إحداها، وجاب المعابد والكنائس والمساجد، وحاول أن يتشرّب عالم بطله الهندي. وبعد عودته إلى كندا، واصل البحث سنةً ونصفًا، فقرأ في الأديان وسلوك الحيوان وقصص النجاة والكوارث. وخلال الكتابة جرّب أكثر من حيوان في قارب النجاة، مثل الفيل ووحيد القرن، قبل أن يستقر على النمر؛ لأنه منح الرواية قوتها الرمزية والدرامية.

لوحة "الكاتب" للفنان النمساوي لودفيغ دويتش (1894م).
زيارات الأماكن قد تكون أيضًا محرّضة على إلهام الروائي في كتابة روايته. فقد استوحت الروائية إيسي فوكس فكرة رواية "المتجولة النائمة" بعد زيارتها قاعة ويلتون الموسيقية لمشاهدة أوبرا "أسيس وجالاتيا" لهاندل. جذبتها الأعمدة النحاسية الملتوية في القاعة، فتخيلت القصص والأشخاص الذين مروا بالمكان. وفي صباح اليوم التالي، استيقظت وفي ذهنها ثلاث شخصيات: "فيبي"، ووالدتها الأرملة المتزمتة "مود"، وخالتها المغنية "سيسي". ومن التوتر بين هاتين الأختين، ومن أجواء القاعة والأوبرا بما تحمله من حب وفقد، بدأت ملامح الرواية تتشكّل.
ومن الشرارات الإبداعية المؤثرة ما روته الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي عن ولادة روايتها الأولى "بيت الأرواح". ففي الثامن من يناير عام 1981م، تلقت في كاراكاس خبر احتضار جدّها في تشيلي، ولم تستطِع العودة لتوديعه، فجلست تكتب له رسالة روحية، ظنّت أنه لن يعيش ليقرأها. بدأت الرسالة بجملة غامضة خطرت لها فجأةً: "أتانا باراباس عبر البحر". لم تكُن تعرف من هو "باراباس" ولا لماذا جاء عبر البحر، لكنها واصلت الكتابة كأن قوةً خفية تقودها. وحين سألها زوجها عمّا كانت تفعل، أجابته: "سحر". تكرّرت الكتابة كل ليلة، حتى كبرت الرسالة وتحوّلت، مع نهاية العام، إلى خمسمائة صفحة. وهكذا لم تعُد رسالة وداعٍ، بل صارت روايتها الأولى "بيت الأرواح"، واكتشفت الليندي من خلالها أن قدرها الحقيقي هو كتابة القصص.
عندما سألنا الروائي يوسف المحيميد إن كان يذكر شرارةً ما كانت السبب في أن يكتب إحدى رواياته، لم يتأخر في الإجابة؛ لأن تلك الشرارة لا تزال حاضرةً في ذاكرته: "في إحدى الليالي كنت في أحد المجالس، وسمعت حكايةً عابرة عن قاطعَي طريق في الصحراء وقعا في قبضة قافلة وعوقبوا. انتهت تلك الحكاية في ذلك المجلس، ولكنها اشتعلت في مخيلتي؛ فقد منحتني تصوّرًا لفكرة رواية (فخاخ الرائحة)؛ إذ اخترعتُ شخصيات موازية لتلك الحكاية العابرة، وكتبت الرواية".
وفي كتابة القصص القصيرة أيضًا، قد تُداهم القاصَّ أفكارٌ غير متوقعة تجلب معها دافع الكتابة. ومن ذلك ما قالته لنا القاصة نوال السويلم عن كتابتها لإحدى قصصها: "معظم قصصي ومضة بسيطة التقطتها من الحياة، ثم وضعتها في بناء سردي. من ذلك قصة (واجب طويل الأجل). أذكر أني صلّيت صلاةً على ميت، رحمه الله، وكان المسجد يئنُّ من البكاء والتفجُّع. وعندما خرجت رأيت في الساحة الخارجية للجامع رجالًا يبيعون تمرًا وفاكهة، ويتجمهر حولهم الخارجون من المسجد يشترون منهم ويفاصلون في السعر! فبرزت فكرة استمرارية الحياة بعد الميت بتفاصيل كثيرة، وعودة الناس إلى مزاولة نشاطاتهم وكأن شيئًا لم يكُن؛ فالموت صار حدثًا عاديًّا من أحداث الحياة، له طقوسه كالفرح، بيد أنه بلا موعد".
.jpg)
لوحة "عذاب الإبداع" للفنان الروسي ليونيد باسترناك (1982م).
الروائي فيليب روث، يتحدث عن فراغ المبدع بعد الانتهاء من عمل، فيقول إنه يتساءل: "ما الذي سأفعله الآن؟ ومن أين سألتقط فكرة جديدة لكتابي القادم؟"، ثم يتلبّسه "رعب على درجة منخفضة من الشدّة"، وبعدها يحدث شيء ما يدفعه إلى الكتابة؛ شيء لا يعرفه تمامًا، ولو كان يعرفه "لفعله بلا تفكّر في كل مرة". ويروي أن عمله "الانكسار" بدأ من سطر صار فيما بعد السطر الأول في العمل، وكان يفكر آنذاك بممثلٍ ما، ليس ممثلًا محددًا، بل مجرد ممثل لم يعُد بإمكانه مواصلة التمثيل. حينها تلبّسته الفكرةُ بالكامل، وشرع في الكتابة عنها، منطلقًا من الفكرة وحدَها.
قد تبدأ الأعمال الإبداعية من تفصيلٍ صغيرٍ جدًّا، يلتقطه المبدع ويحوّله إلى عملٍ فني خلّاق. فالحكايات عن ولادة تلك الأعمال متعددة، ولكل منها سياقها الخاص، غير أن هذه الشرارات، أو لحظات التجلّي، قد تُداهم كثيرين، لكن القليل منهم فقط يصنعون منها مادةً فنيّةً، أو يتخذونها محرّضًا على إنجاز عملهم الإبداعي. وكما قال أحد الروائيين: "أثق بالإلهام، الذي يأتي أحيانًا وأحيانًا لا يأتي، لكنني لا أسترخي في انتظاره. أعمل يوميًّا".
طامي السميري: كاتب سعودي.
الصورة الرئيسية: لوحة"شاعر" للفنان الفرنسي جان-لويس إرنست ميسونييه (1815-1891).