
في السابع والعشرين من أغسطس عام 2010م، ألقت الشرطة الألمانية القبض على فولفغانغ بلتراكي، بعد عقودٍ قضاها في تزوير أعمال فنية نُسبت إلى كبار رسّامي الحداثة الأوروبية. لم يكُن بلتراكي مجرّد مقلّد بارع؛ إذ إن براعته في التزييف امتدت إلى ما هو خارج العمل الفنيّ. كان يزوّر التاريخ نفسه: يبتكر للأعمال نَسبًا، وصورًا فوتوغرافية قديمة، ووثائق مِلكية، وسِيَرًا كاملة تجعل اللوحة تبدو وكأنّها خرجت فعلًا من مرسم الرسّام الذي تحمل توقيعه.
لكن المثير في قصته لم يكُن فعل التزوير نفسه، بل ما حدث بعد اكتشافه. فجأةً، انهارت قيمة أعمالٍ بِيعت بملايين الدولارات، وتحوّلت بين ليلةٍ وضحاها من "روائع فنية" إلى مجرّد قطع قماش لا تساوي شيئًا يُذكر. ومع ذلك، لم تكُن الألوان قد تغيّرت، ولا التكوينات، ولا القوة التعبيرية، ولا الأثر البصري الذي دفع الخبراء أنفسهم إلى الاحتفاء به لسنواتٍ طويلة.
فما الذي انهار إذًا؟ اللوحات نفسها؟ أم شبكة الاعتراف التي كانت تُحيط بها؟

من مخطوطة كتاب "كليلة ودمنة".
ما نُسميه اليوم "التراث الإنساني" ليس مجموع ما كُتب، بل مجموع ما استطاع العبور عبر تقلّبات التاريخ.
تكشف قصة بلتراكي عن هشاشة الفكرة الرومانسية التي تجعل القيمة الفنية كامنةً بالكامل داخل العمل نفسه؛ فهي تبيّن أن معايير التمييز بين الأعمال، ثم تحديد قيمتها وخلودها، لا تتشكّل دائمًا من داخل النص أو اللوحة، بل كثيرًا ما تُصنع خارجها: في المتاحف، والجامعات، ودور النشر، والمؤسسات النقدية، وأنظمة التعليم، والترجمة، والسوق، والسلطة الرمزية عمومًا.
ولعلّ المعايير الجمالية نفسها تنطبق عليها، إلى حدٍّ بعيد، خصائصُ "الواقعة الاجتماعية" كما وصفها إيميل دوركايم: فهي تبدو لنا طبيعية وبديهية، في حين أنها في العمق خارجية، وجماعية، وقهرية أيضًا. الحقّ أن الأعمال لا تَخلُد، بل تُخلَّد. وربّما يكون الشرط الأوّل لخلود أيّ نصٍّ ليس عبقريته، ولا عمقه، ولا فرادته الأسلوبية، بل شيءٌ أكثر بدائية بكثير: أن ينجو ماديًّا.
فقبل أن يصير النص "أثرًا خالدًا"، ينبغي أصلًا أن يُحفَظ: أن ينسخه ناسخ، أو تُؤويه مكتبة، أو تحميه مؤسسة، أو ينجو بمحض المصادفة أحيانًا من الحريق والرطوبة والحروب والنسيان. غير أنّ هذا الحفظ نفسه لا يخضع لأيّ قانون عادل أو عقلاني؛ إذ لم تحظَ جميع النصوص بالشروط نفسها للنجاة. لقد ضاعت عبر التاريخ مكتباتٌ كاملة، واختفت أعمال لا نعرف عنها اليوم سوى عناوين مبعثرة أو إشارات عابرة، في حين وصلت إلينا نصوص أخرى؛ لأن يدًا ما قرّرت في لحظةٍ ما أن تنسخها بدلًا من غيرها. ولذلك، فإن ما نُسميه اليوم "التراث الإنساني" ليس مجموع ما كُتب، بل مجموع ما استطاع العبور عبر هشاشة المادة وتقلبات التاريخ.
لكن، حتى لو سلّمنا بهذه الشروط المادية بوصفها جزءًا من الواقع الذي لا مهرب منه، وقبِلنا بأننا لا نستطيع التفكير إلا في النصوص التي وصلت إلينا فعلًا، فإن ذلك لا يحلّ المشكلة، بل ينقلها إلى مستوى آخر.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
غلاف رواية "دون كيخوته" لميغيل ثيربانتس.
القوة الذاتية للعمل غير كافية
إنّ النصوص لا تخلُد بالطريقة نفسها، ولا عبر الآليات نفسها. فخلف كلّ "كلاسيكية" كبرى تكاد توجد دائمًا وضعية تاريخية أو ثقافية أعادت إدخال النص في التداول، ومنحته حياةً جديدة لم يكُن يمتلكها بالضرورة من تلقاء نفسه. فالأعمال لا تعيش داخل ذواتها فقط، إنما تربتُها وسمادُها في أشكال القراءة والاستعمال وإعادة التأويل التي تتعاقب عليها.
أحيانًا يبدأ الأمر من قارئ استثنائي لا يكتفي باكتشاف نصٍّ منسي، بل يعيد صناعته فعلًا. فالقارئ اللاحق لا ينتشل النص من الأرشيف وحسب، بل يمنحه جهاز قراءة جديدًا، ويعيد تقديمه بوصفه جوابًا عن أسئلة لم تكُن بالضرورة أسئلته الأصلية. ولنا مَثلٌ في لويس ماسينيون الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره مجرّد شارحٍ لمتن الحلَّاج، ومُسهمٍ في بناء سيرته، بل كان أحد الشروط التاريخية التي صنعت صورة الحلَّاج الحديثة، وأدخلته في أفقٍ فلسفي جديد. فالأعمال لا تدخل الذاكرة الجماعية بقوتها الذاتية وحدَها، وإنما تحتاج إلى من يعيد ترتيبها داخل وعي عصرٍ آخر.
بعض الأعمال والكتّاب ينجون في النهاية، لا لأنهم يُقرَؤون فعلًا، بل لأنهم يتحوّلون إلى أيقونات ثقافية. والأيقونة شكل غريب من الخلود.
الانتقاء والوسطاء والأيقونات
في أحيان أخرى، لا يكون النص هو الذي يبحث عن زمنه، بل الزمن هو الذي يبحث عن نصوصه الخاصة. فالعصور لا تستدعي الماضي بكليّته، بقدر ما تنتقي منه ما ينسجم مع حساسيتها العميقة وأسئلتها الكبرى. ألم يكُن حضور "النفَّري" في الشعر العربي المعاصر استعادةً مصنوعة؟ لم يُستعد لأنه كان غائبًا أو مفقودًا، بل لأن الحداثة الشعرية وجدت فيه لغة الشذرة، والانقطاع، والرؤيا، والتوتر الداخلي؛ أي ما كان يسمح لها بتبرير قطيعتها مع البلاغة الموروثة. كأنّ بعض النصوص تظلّ نائمة داخل التاريخ، إلى أن تعثر على حقبة قادرة على قراءتها.
وقد لا تكون نجاة النص، وخلوده أحيانًا، في القراءة المباشرة، بل عبر تحوّله إلى وسيطٍ آخر يمنحه جسدًا جديدًا. إن تلقّي فئةٍ عريضة لرباعيات الخيام لم يحدث عبر النص الشعري، بل عبر التحفة الفنية التي اجتمع فيها أحمد رامي، ورياض السنباطي، وأم كلثوم. هو إذًا تلقٍّ جديد مختلف تمامًا عن الشروط الأصلية التي أُنتج فيها العمل. إن الوسيط الجديد لا ينقل العمل فقط، بل يعيد خلق شروط تأثيره.
وفضلًا عن ذلك كله، قد تكون المرحلة السياسية نفسها هي ما يمنح النص لحظته التاريخية. فبعض الأعمال لا تصعد لأنها الأجمل أو الأعمق بالضرورة، بل لأنها تجد نفسها، فجأةً، مطابقةً لوعي جماعي أو لحاجة حضارية واسعة. هكذا تحوّلت الوجودية، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أكثر من تيار فلسفي؛ لقد أصبحت اللغة التي عبّر بها جيل كامل عن القلق، والحرية، والعبث، والمسؤولية، والخراب الأخلاقي الذي خلّفته الحرب. ومن هنا، لم يتحوّل سارتر إلى فيلسوف مشهور فحسب، بل إلى صورة رمزية كاملة للحظة أوروبية مخصوصة.
بل إن بعض الأعمال والكتّاب ينجون في النهاية، لا لأنّهم يُقرَؤون فعلًا، بل لأنّهم يتحوّلون إلى أيقونات ثقافية. والأيقونة شكل غريب من الخلود: حضور كثيف يقابله أحيانًا ضمور في القراءة الحيّة. فقد يكون "دون كيخوته" حاضرًا في المخيال العالمي أكثر مما هو حاضر في التجربة الفعلية للقراءة، وقد تتحوّل سيمون دوبوفوار إلى صورة النسوية الرائدة، وإيمي سيزر إلى صورة الشاعر المقاوم، قبل أن يشكّلا نصّين مفتوحَين للتفاعل الحيّ. وهنا بالتحديد يمكن أن نتساءل: هل الخلود حياةٌ للنصّ أم موتٌ رمزي له؟
هذا ما صنع "الكلاسيكيات الإنسانية"
الواقع أنَّ حتى النصوص الكبرى، تلك التي تحوّلت إلى كلاسيكيات إنسانية، لم تُخلَّد عبر القراءة وحدَها، بل عبر تراكم طويل من الترجمة والتعليق والشرح والتأويل وإعادة الصياغة. فالترجمة ليست عبورًا محايدًا للنصوص بين اللغات، بقدر ما هي شكل من أشكال إعادة التأليف الثقافي. والثقافة التي تُنقذ نصوصًا هي نفسها التي تَقبُر نصوصًا أخرى؛ لأنها لا تترجم كلّ ما تصادفه، بل ما ينسجم بدرجاتٍ مختلفة مع حاجاتها وأفقها العام.
ولذا، لم يدخل نص "كليلة ودمنة" الوجدان العربي بوصفه نصًّا هنديًّا مترجمًا، بل تحوّل إلى جزء من أفق الحكمة والبلاغة والسياسة العربية، حتى بدا جزءًا أصيلًا من بنيتها الثقافية. إن النصوص لا تعبر بين الحضارات كما هي، بل تُعاد صياغتها لكي تصبح قابلةً للحياة داخل ثقافة جديدة.
وأخيرًا، لا يمكن فصل كلّ ذلك عن منطق السوق والرأسمال الرمزي، كما حلّله بيار بورديو. إن الأعمال لا تتحرّك داخل فضاء بريء ومحايد، بل داخل حقول ثقافية تتصارع فيها المؤسسات، والجامعات، والنقد، ودور النشر، والجوائز، والإعلام، حول حقّ منح الشرعية وتحديد ما يستحق أن يُقرأ ويُدرّس ويُخلَّد. وهكذا لا يكون الخلود انتصارًا جماليًّا خالصًا، بل نتيجة تراكم طويل من السلطة الرمزية، ومن القدرة على فرض عملٍ ما بوصفه جزءًا من الذاكرة الجماعية نفسها.
.jpg)
ثمّة أعمال تمتلك قدرةً غريبة على التكيّف مع الأزمنة المختلفة، وعلى العثور في كلّ مرحلة تقريبًا على معنى جديد يسمح لها بالحياة من جديد.
يبدو الخلود إذًا، إن جاز لنا أصلًا أن نتحدّث عن خلود، أقلّ شبهًا بالمعجزة الجمالية التي تنتصر فيها الأعمال العظيمة تلقائيًّا على الزمن، وأكثر شبهًا بتاريخ طويل من النجاة، والانتقاء، وإعادة الإنتاج الرمزي. فالنصوص لا تعبر القرون بقوّتها الذاتية وحدَها، بل عبر شبكة معقدة من الشروط المادية، والمؤسساتية، والتأويلية، والسياسية، والاقتصادية، التي تسمح لها بأن تستمر داخل الوعي الجماعي. غير أنّ هذا لا يعني بالضرورة أن القيمة الفنية أو الأدبية مجرّد وهمٍ تصنعه المؤسسات والأسواق والسلطات الثقافية. فليست كلّ النصوص قادرةً على استثمار هذه الشروط بالقدر نفسه، وليست كلّ الأعمال قابلةً لأن تُبعث من جديد كلّما تغيّر العصر. ثمّة أعمال تمتلك قدرةً غريبة على التكيّف مع الأزمنة المختلفة، وعلى توليد قراءات جديدة باستمرار، وعلى العثور في كلّ مرحلة تقريبًا على معنًى جديد يسمح لها بحياة جديدة. لكنّ هذه الحياة نفسها لا تتحقّق إلا حين تجد من يحملها: قارئًا يعيد اكتشافها، أو مترجمًا يعبر بها إلى لغة أخرى، أو مؤسسة تحفظها، أو حقبة تجد فيها صورتها الخاصة.
ولعلّ هذا ما تكشفه، على نحوٍ ساخر وعميق في الآن نفسه، قصة فولفغانغ بلتراكي. فهو لم يكُن يزوّر اللوحات فقط، بل كان يزوّر الشروط الخارجية التي تجعل العمل قابلًا لنيل الاعتراف والخلود: النسب، والسيرة، والأرشيف، والثقة، والتاريخ. وحين انهارت هذه الشبكة، انهارت معها قيمة الأعمال، مع أن شيئًا لم يتغيّر في مادّتها نفسها. كأنّ قصته تكشف، بصورةٍ فجّةٍ، ما تحاول الثقافة غالبًا إخفاءه: أن الأعمال لا تعيش داخل ذاتها فقط، بل داخل العالم الذي يُشيَّد حولها.
محمد آيت حنا: كاتب مغربي.
المقالة الصوتية: محمد مكّاوي