Hero image

ذكاء بلا دماغ

د. غسان مراد

يونيو 11, 2026

شارك
ظلّ الذكاء طويلًا مرتبطًا بالدماغ والجهاز العصبي، فيما عُدّت الكائنات الخالية منه مجرّد أنظمة تستجيب آليًّا لما يحيط بها. لكن أبحاثًا حديثة بدأت تهزّ هذا التصوّر، مع اكتشاف نباتات تتعلّم وتتذكّر، ومواد هندسية تستجيب للطاقة من دون إلكترونيات، وروبوتات تُحاكي التنظيم الذاتي في الكائنات الحية. ولا يعني ذلك أن النباتات أو المواد تمتلك وعيًا شبيهًا بالبشر، لكنه يطرح سؤالًا جديدًا: هل الذكاء حكرٌ على الدماغ، أم يمكن أن يظهر في أي نظام قادر على استقبال المعلومات والتكيّف مع محيطه؟ 

على الرغم من صعوبة وضع تعريف جامع للذكاء، فإنه يُفهم عمومًا بوصفه القدرة على الإدراك الذي يرتبط بالوعي والتعلُّم المتمثّل في اكتساب معرفة جديدة والتكيّف مع البيئة استجابةً للتغيرات؛ بغية حل المشكلات وضمان البقاء، سواء أكان ذلك عند الإنسان، أم الحيوان، أم النبات، أم حتى الآلة.
 
التعلُّم النباتي: من الميموزا إلى دوّار الشمس
في العام الماضي، نشر الباحث بيتر فيشتون مقالًا في مجلة "العلوم الإدراكية" شكّل تحديًا لمعرفتنا عن الإدراك وآلياته. فقد أثبت أن حركات نبتة الميموزا، المعروفة بـاسم "لا تلمسني" أو "المستحية"، التي تطوي أوراقها فور لمسها أو تعرّضها للضوء فتتقلص خوفًا، تتأثّر بعدد دورات الإضاءة التي تعرّضت لها، وليس بمجرد مرور الوقت. فحين تعرّضت لنمطٍ متكررٍ ليومين مضيئين يتبعهما يوم مظلم، بدأت أوراقها تنطوي قبل حلول الظلام؛ كأنما عرفت أن اليوم الثالث سيكون مظلمًا واستعدّت له.

ويُعدّ تعديل السلوك استنادًا إلى خبرةٍ سابقة أحد التعريفات الأساسية للتعلّم؛ وهنا تكمن المفارقة: فالنبتة التي أظهرت هذا السلوك لا تمتلك دماغًا ولا خلايا عصبية. ومع ذلك، تشير هذه النتائج إلى أن بعض الكائنات الحيّة قد تؤدي وظائف شبيهة بالإدراك من خلال آليات تختلف عمّا تفترضه علوم الأعصاب التقليدية.
في سياقٍ متصل، أخضعت الباحثة مونيكا غاليانو نباتات الميموزا لاهتزازات متكرّرة غير مؤذية؛ وفي البداية، كانت النباتات تطوي أوراقها دفاعًا كما لو أنها تواجه خطرًا، لكنها توقّفت تدريجيًّا عن ذلك بعد أن "تعلّمت" أن الاهتزاز لا يشكّل تهديدًا حقيقيًّا. والملفت أكثر أن النباتات احتفظت بهذا السلوك لأسابيع بعد انتهاء التجربة.

ما الذي يقوم مقام الخلايا العصبية؟ 
تمتلك النباتات إشارات قائمة على الكالسيوم في خلاياها، تتشابه وظيفيًّا مع العمليات المرتبطة بالذاكرة عند الحيوانات. وتشمل هذه المنظومة إشاراتٍ كهربائيةً طويلة المدى شبيهةً بالخلايا العصبية، وتُنتج مواد مثل: السيروتونين، والدوبامين، وحمض غاما أمينوبيوتيريك، وهي جزيئات معروفة بدورها العصبي لدى الإنسان. لكن النبات لا "يفكّر" كما يفعل الدماغ البشري، بل يستجيب عبر شبكة موزّعة في كامل جسده، ما يوحي بأن بعض خصائص الذكاء قد تنشأ من التنظيم الحيوي نفسه، لا من وجود مركز عصبي بالضرورة.

وخلال تجارب الباحث أتاميان من جامعة "كاليفورنيا-ديفيس"، المنشورة في مجلة (Science)، تبيّن أن دوّار الشمس، حين نُقل إلى بيئةٍ بضوء ثابت من الأعلى واصل حركته الاهتزازية بين الشرق والغرب، وهو ما يعني أن المحرّكَ الحقيقي ساعةٌ بيولوجية داخلية، لا الضوء الخارجي؛ فهو لا ينتظر أن يرى الشمس ليتجه نحوها، بل يتوقّع موعد ظهورها واتجاهها مسبقًا.
ولا يبدو استقرار الزهرة الناضجة باتجاه الشرق أمرًا عشوائيًّا أيضًا؛ فالزهور الموجَّهة شرقًا تكون أكثر دفئًا، وهذا الدفء يستقطب الملقِّحات التي تفضّل الزهور الدافئة، في حين تتولّى إشاراتُ هرمون الأوكسين في الساق تثبيت هذا التوجّه. إذ إن الأوكسين نفسه الذي يحرّك الساق هو الجزيء الذي رأيناه يعمل في شبكة الميموزا، وهذا يعني أن المادة الأولية واحدة، في حين تتنوّع الوظائف.

هناك زهور تستجيب لطنين النحل، فيرتفع تركيز السكر في رحيقها! (تصوير:مصلح جميل)

الصوت.. لغة النبات الخفية
لا تقتصر قدرات النبات على الاستجابة الفورية للمؤثرات البيئية، بل تمتد إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التواصل والتكيّف، بعضها يحدث ضمن نطاقات لا تستطيع الأذن البشرية التقاطها. فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن النباتات الواقعة تحت وطأة الإجهاد والعطش تُصدر إشاراتٍ فوق سمعية مرتبطة بحالاتها الفيزيولوجية. 

وأظهرت دراسةٌ نُشرت في مجلة (Cell)، أن نباتات الطماطم والتبغ تُطلق ما بين 30 و50 إشارةً صوتية في الساعة عند تعرّضها للعطش أو الإصابة، في حين يبقى النبات السليم صامتًا. وأظهرت نماذج التعلّم الآلي قدرةً على التمييز بين أنواع الإجهاد المختلفة اعتمادًا على هذه الإشارات فقط.

وفي هولندا، طوّر فريقٌ بحثي من جامعتين نظامًا لتحليل هذه الأصوات على عشرة أنواعٍ مختلفة من النباتات الوعائية، كاشفًا أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على نوعٍ معيّن. 
ولا يكتفي النبات بإطلاق الإشارات، بل إنه يُصغي إليها أيضًا؛ فقد أثبتت دراسة في (Ecology Letters) أن زهور الربيع المسائية تستجيب لطنين النحل، فترفع تركيز السكر في رحيقها خلال ثلاث دقائق. وتتميّز هذه الاستجابة بأنها انتقائية تمامًا؛ فالزهرة تستجيب لترددات النحل المنخفضة دون الترددات العالية غير المرتبطة بها. ويُعتقد أن بتلات الزهرة تؤدي دور مستقبلات ميكانيكية دقيقة تهتز استجابةً لترددات محددة، بما يشبه هوائيًّا بيولوجيًّا مهيّأً لالتقاط أصوات الملقّحات.
المادة التي تستجيب
إذا كان الإدراك النباتي يثير الدهشة لأنه يحدث في كائن حيّ بلا جهاز عصبي، فإن ما تطوّره الهندسة الحديثة يطرح سؤالًا مختلفًا: هل يمكن لمادة غير حيّةٍ أن تُظهر سلوكًا يشبه الاستجابة الذكية؟
ما يجمع النبات وما يُعرف اليوم بـ"المواد الذكية" يرتكز على مبدأ فيزيائي واحد: تحويل الطاقة إلى معلومة. فالضوء والحرارة والضغط والاهتزازات ليست سوى أشكال مختلفة من الطاقة. ويمكن لبعض الأنظمة، سواء أكانت خليةً حيّة أم مادة مُصمّمة هندسيًّا، أن تلتقط هذه المؤثرات وتحوّلها إلى استجابة محددة.

تشير هذه النتائج إلى أن بعض الكائنات الحيّة قد تؤدي وظائف شبيهة بالإدراك من خلال آليات تختلف عمّا تفترضه علوم الأعصاب التقليدية. (تصوير: مصلح جميل).

وفي هذا السياق، طوّر فريق من مختبر "سيك لاب" في جامعة "تافتس" الأمريكية طلاءً يقيس موقع الضربة وشدّتها دون أي دوائر إلكترونية أو حسّاسات. ويتكوّن هذا الطلاء من جسيماتٍ دقيقة، كلٌّ منها بحجم خلية الدم الحمراء، وتحتوي على بوليمر متغير اللون يُحاط بغلاف من بروتين الحرير. فحين تتعرّض هذه المادة للضغط، يتغيّر ترتيبها الجزيئي، مما يؤدي إلى تغيّر لونها تدريجيًّا من الأزرق إلى الأحمر تبعًا لشدة التأثير. وفي مجال آخر، طوّر باحثون عدساتٍ بصرية مصنوعة من أطرٍ معدنية عضوية نانوية المسام، وحين تنفُذ جزيئات الغاز إلى مساماتها الداخلية، تتيح لها استشعار التركيب الكيميائي للهواء المحيط دون الحاجة إلى أي إلكترونيات. وفي الحالتين، لا توجد "معالجة مركزية" للمعلومات، بل إن بنية المادة نفسها تحدّد طبيعة الاستجابة.
فالمادة لا تحتاج إلى دماغ، ولا إلى خلية، ولا إلى برنامج خارجي؛ فبنيتها الكيميائية تُقرّر كيف تستجيب. لكن الطلاء والعدسة لا تتعلّمان ولا تتذكّران ولا تستبقان، وإنما تستجيبان فحسب. وهذا ما يجعل السؤال حادًّا: إذا كانت البنية وحدها كافية للاستجابة الانتقائية، فأين يبدأ الإدراك بالضبط؟

الروبوتات تُحاكي مبدأ الحياة
لم يقتصر الاهتمام بفكرة "الذكاء من دون دماغ" على النبات والمواد الذكية، بل امتدَّ أيضًا إلى عالم الروبوتات. فقد طرح مؤخرًا باحثون في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وجامعة دريسدن التقنية، سؤالًا مفاده: هل يمكن بناء روبوتات تتصرّف جماعيًّا بطريقةٍ تُحاكي ما يحدث في الطبيعة؟ فصمّموا روبوتاتٍ صغيرةً مستقلّة، لكلٍّ منها قواعد بسيطة، لكنها قادرة على التجمّع وتغيير شكلها بصورة جماعية. ولا يمتلك أي روبوت منها صورةً كاملة عن النظام أو قدرةً على قيادة البقية، لكن كل وحدة تطبق قواعد محلية بسيطة مرتبطة بالحركة والالتصاق والاستجابة للقوى المحيطة. ومن خلال هذه التفاعلات المحدودة، يظهر سلوك جماعي يبدو معقّدًا ومنظّمًا عند النظر إليه من الخارج. 
استُلهمت الفكرة من المراحل الأولى لتشكّل الأجنّة في الكائنات الحيّة؛ إذ لا توجد خلية تقود البقية، بل ترتّب الخلايا نفسها تلقائيًّا. ففي بعض اللحظات، تكون الخلايا مرنةً لتغيير مواقعها، وفي لحظاتٍ أخرى تصبح أصلب لتثبيت الشكل النهائي. وقد نقل الباحثون هذا المبدأ نفسه إلى الروبوتات؛ أي من دون تعليمات مركزية، وإنما تغيّرٌ في الخواص المادية يتيح للنظام أن يتشكّل، ثم يستقرّ، بحسب الحاجة.
الفارق في استجابة النبات والروبوت جوهري؛ فالنبات يستجيب بكيمياء طوّرتها الحياة، والروبوت يستجيب بقواعد صمّمها إنسانٌ يعرف النتيجة مسبقًا. الأول ظاهرةٌ بيولوجية حقيقية، والثاني محاكاةٌ هندسية لمبدئها. وتطرح هذه المحاكاة السؤال نفسه الذي تطرحه الميموزا ودوّار الشمس: هل يكمن مصدر الذكاء في الفكرة أم في البنية؟

الأبحاث على النباتات أظهرت أن بعضها يستطيع تمييز الخطر عن غيره، وبعضها يصدر أصواتًا عند العطش أو الإصابة بالمرض.

كائن "ستانتور" (Stentor)، وهو كائنٌ أوّلي وحيد الخلية، يُظهر التعوّد والتحسّس، ويتعلَّم التمييز بين المنبّه الخطر وغير الخطر ويُعدّل استجابته وفقًا لذلك.

الخلية.. الوحدة الأولى للإدراك
السؤال الأعمق الذي يُوحّد كل ما ذُكر: هل سلوك الميموزا ودوّار الشمس والزهرة والمادة الذكية والروبوتات وذكاء الإنسان، يعود إلى مبدأ واحد؟ فكل كائنٍ حيّ يتكوّن من خلايا، وكل خليةٍ تستقبل طاقةً من محيطها وتحوّلها إلى معلومات، ثم تستجيب وتتواصل.
تشير أبحاث متزايدة إلى أن بعض أشكال التعلّم والاستجابة المعتمدة على الخبرة، قد تظهر حتى لدى كائنات وحيدة الخلية. فكائن "ستانتور" (Stentor)، وهو كائنٌ أوّلي وحيد الخلية، يُظهر التعوّد والتحسّس، ويتعلَّم التمييز بين المنبّه الخطر وغير الخطر ويُعدّل استجابته وفقًا لذلك.

وتقترح هذه النتائج أن بعض المبادئ المرتبطة بالتعلّم، مثل الاحتفاظ بأثر للتجربة السابقة أو تعديل الاستجابة وفق الظروف، قد لا تكون حكرًا على الشبكات العصبية المعقّدة. فالكثير من الخلايا، حتى غير العصبية منها، تمتلك أنظمة إشارات تعتمد على التفاعل الكيميائي والكهربائي، وتستطيع استقبال المعلومات من محيطها والاستجابة لها بصورةٍ ديناميكية. 
هذا يعني أن الكالسيوم الذي يحمل ذاكرة الميموزا هو نفسه الذي يُقلّص عضلة القلب. والأوكسين الذي يُدير رأس دوّار الشمس في الليل هو شبيهٌ بالناقلات العصبية الدماغية. إنها هويات جزيئية تكشف أن الحياة كلها تتكلم اللغة نفسها.
ولا يعني ذلك أن النبات يمتلك وعيًا شبيهًا بالبشر، أو أن الخلية "تفكر" بالمعنى المعروف، لكنه يكشف أن الحياة تعتمد، على اختلاف أشكالها، على لغةٍ خلوية مشتركة تتولّى استقبال الإشارات ومعالجتها والاستجابة لها. وربّما يكون الدماغ، وفق هذا التصور، ليس نقطة البداية في ظهور الذكاء، بل أحد أكثر أشكاله تعقيدًا. 
وهكذا، لا تقدّم هذه الأبحاث إجابةً نهائية بقدر ما تفتح آفاقًا لأسئلة جديدة. فكلما توسّعت دراسة النبات والكائنات الدقيقة والأنظمة الاصطناعية، بدا أن الحدود التقليدية بين الذكاء والحياة والاستجابة الميكانيكية أقل وضوحًا ممَّا اعتقد الإنسان طويلًا.
 
د. غسان مراد: أستاذ وباحث أكاديمي لبناني متخصص في الألسنيّة المعلوماتيّة.