
قبل أن تستعمر بريطانيا أستراليا عام 1788م، كانت القارة الأسترالية موطنًا لأكثر من 250 شعبًا أصليًّا أبوريجينيًّا يتحدّثون فيما بينهم أكثر من 800 لغة. لكن هذا التنوُّع اللغوي والثقافي الغني سرعان ما واجه اختبارًا قاسيًا؛ إذ في عام 1909م، نقلت حكومة ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية الكثير من السكان الأصليين قسرًا من أراضيهم التقليدية إلى محميات معزولة، وحظرت عليهم ممارسة ثقافتهم واستخدام لغتهم تمامًا. فكانت تلك السياسات ضربةً قاصمة؛ إذ تقلّصت لغاتهم إلى 120 لغةً أصلية فقط بحلول 2019م، مع تهديد 90% منها بالزوال الوشيك.
من بين هذه اللغات تبرز لغة شعب "غومباينغير" (Gumbaynggirr)، الممتدة جذورها إلى آلاف السنين، حاملةً في طيّاتها حكمة الأجداد وأسرار الطبيعة. ولكن وفقًا للمسح الوطني للغات السكّان الأصليين، بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يتبقَ سوى نحو خمسين متحدثًا بهذه اللغة، ولم يكُن بينهم أي طفل دون سن العاشرة.
في مواجهة هذا التهديد، نظّمت بعض الشركات السياحية المملوكة للسكان الأصليين جولاتٍ سياحيةً في قلب أرضهم التاريخية، الممتدة على مساحة 6 آلاف كيلومتر مربع، بين نهري كلارنس ونامبوكا في نيو ساوث ويلز. وكان السكان الأصليون أنفسهم يتولون الإشراف على هذه الرحلات؛ لأنهم الأقدر على فهم اللغة والثقافة، والأجدر بتقديم تفسيرٍ أعمق للقصص التراثية، وربط الطبيعة بتراثهم الثقافي المُميّز.
ومن أبرز هذه التجارب رحلات التجديف على الألواح وقوفًا، التي كانت تمتد ساعتين ونصفًا على مسافة ثلاثة كيلومترات ذهابًا وإيابًا إلى مصب نهر موني كريك. ويُذكر أن هذه الرحلات مُستلهمة من تراث شعب غومباينغير الذين كانوا من أوائل الشعوب التي استخدمت هذه الوسيلة للتنقل عبر الأنهار.
ويصف أحد السائحين تجربته الغامرة بأنه بينما كان وبقية المشاركين الآخرين يكافحون للحفاظ على توازنهم فوق الألواح، كان دليلهم السياحي من السكان المحليين "تروي روبينسون"، ينزلق بسلاسة بجانب أشجار المانغروف الُمصطفَّة على ضفاف النهر، فيما يسبح سرب من أسماك "الملت" الصغيرة تحت لوحه، وتتراقص الحشرات المائية فوق سطح الماء. أمّا شعره المجدول، فكان يتدلى من تحت قبعة "الأكوبرا" التقليدية التي كان يرتديها، ووجهه مغطى بطبقة من "المُغْرَة"، وهي صبغة طبيعية مُستخرجة من الطين وأكسيد الحديد، كان أسلافه يستخدمونها واقيًا طبيعيًّا من الشمس.
وفي أثناء هذه الرحلة، لم تكُن الطبيعة مجرد مشهدٍ خلفي، بل كانت حاضرةً حيّة تشارك في صناعة التجربة الثقافية. فعلى طول الطريق، كان المشاركون يتعلّمون أسماء عناصر الطبيعة المتنوعة، من أشجارٍ وطيور، بلغة السكان الأصليين، بوصفها جزءًا من قصة حيّة نابضة. فعندما تظهر طيور "الكوكاتو" السوداء ذات الذيول الصفراء الكبيرة صارخةً، يفسّرها المرشدون بأنها نذير باقتراب المطر. أمّا الإبر الخضراء الرفيعة المنبثقة من ثمار شجرة "شي أوك" الشوكية على ضفة النهر، فهي دليل على أن المحَّار على الشاطئ أصبح جاهزًا للصيد، في حين تُستخدم أغصان هذه الشجرة ذات الزوايا الحادة في صناعة الأدوات الحربية والموسيقية على حدّ سواء.
إلى جانب رحلات التجديف على الألواح، كانت هناك أيضًا تجارب ثقافية شهرية في منطقة "نيغي نيغي" المطلة؛ إذ يمكن للزوّار التعرّف إلى طقوس شعب غومباينغير وأغانيه ورقصاته. وفي مكان قريب، يقدّم مقهى "نيانغان غابي" مخبوزاتٍ بنكهة بذور الأكاسيا وآس الليمون، وهما مكوِّنان محليّان يُستخدمان منذ القدم في طعام الأدغال الأسترالي الأصلي، إضافةً إلى وجبات تُحضَّر من الحيوانات والنباتات المحلية.
ولعلَّ أبرز ما يمنح هذه الرحلات السياحية الهادفة معناها الحقيقي، هو أن ريعها يعود مباشرةً إلى تمويل مدرسةٍ ثنائية اللغة، تعلّم لغة شعب غومباينغير الأصلية إلى جانب اللغة الإنجليزية. وقد افتُتحت المدرسة عام 2022م، ونجحت في جذب أكثر من 100 طالب تُراوح أعمارهم بين 5 أعوام و15 عامًا، لا يقتصر تعلُّمهم فيها على المفردات، بل يمتد إلى سرد قصص ثقافية كاملة بلغتهم الأم؛ حتى إن بعضهم أتقن سرد ستّ قصص طويلة تستغرق كل واحدة منها أكثر من خمس دقائق.
في عالمٍ متسارعٍ تُسحق فيه اللغات المحلية تحت وطأة العولمة، تبرز هذه التجربة الأسترالية بوصفها منارة أمل تُنير طريق إنقاذ التراث اللغوي قبل أن يختفي في طيّ الزمن. فهي تثبت أن السياحة الثقافية يمكن أن تقدّم أكثر من مجرد رحلات ترفيهية، بل يمكنها أن تكون استثمارًا حيًّا في الهوية، وجسرًا للتعايش بين الماضي والحاضر. ومن هنا، لا بدَّ من الالتفات إلى خريطة المنطقة العربية التي تضم العشرات من اللغات المحلية المهددة بالاندثار، بدءًا من لغات جبال النوبة في السودان، والأمازيغية في الجزائر، والهوبيوت والشحرية في سلطنة عمان، وصولًا إلى المهرية والسقطرية في اليمن، أو حتى اللهجة البدوية في بعض أنحاء المملكة العربية السعودية التي تُعدُّ لغةً بحدِّ ذاتها؛ لنقول إنه يمكن إطلاق جولات سياحية غامرة يديرها السكان الأصليون: رحلات عبر الجبال، وتجديف في الأنهر والواحات، ومغامرات سفاري في قلب الصحراء، تعيد للُّغات الأصلية صوتها عبر الأزمان والأمكنة. ولِم لا؟ ربما إنشاء مدارس خاصة تُعلِّم تلك اللغات وترسّخها في ذاكرة الأجيال القادمة.
من بين هذه اللغات تبرز لغة شعب "غومباينغير" (Gumbaynggirr)، الممتدة جذورها إلى آلاف السنين، حاملةً في طيّاتها حكمة الأجداد وأسرار الطبيعة. ولكن وفقًا للمسح الوطني للغات السكّان الأصليين، بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يتبقَ سوى نحو خمسين متحدثًا بهذه اللغة، ولم يكُن بينهم أي طفل دون سن العاشرة.
في مواجهة هذا التهديد، نظّمت بعض الشركات السياحية المملوكة للسكان الأصليين جولاتٍ سياحيةً في قلب أرضهم التاريخية، الممتدة على مساحة 6 آلاف كيلومتر مربع، بين نهري كلارنس ونامبوكا في نيو ساوث ويلز. وكان السكان الأصليون أنفسهم يتولون الإشراف على هذه الرحلات؛ لأنهم الأقدر على فهم اللغة والثقافة، والأجدر بتقديم تفسيرٍ أعمق للقصص التراثية، وربط الطبيعة بتراثهم الثقافي المُميّز.
ومن أبرز هذه التجارب رحلات التجديف على الألواح وقوفًا، التي كانت تمتد ساعتين ونصفًا على مسافة ثلاثة كيلومترات ذهابًا وإيابًا إلى مصب نهر موني كريك. ويُذكر أن هذه الرحلات مُستلهمة من تراث شعب غومباينغير الذين كانوا من أوائل الشعوب التي استخدمت هذه الوسيلة للتنقل عبر الأنهار.
ويصف أحد السائحين تجربته الغامرة بأنه بينما كان وبقية المشاركين الآخرين يكافحون للحفاظ على توازنهم فوق الألواح، كان دليلهم السياحي من السكان المحليين "تروي روبينسون"، ينزلق بسلاسة بجانب أشجار المانغروف الُمصطفَّة على ضفاف النهر، فيما يسبح سرب من أسماك "الملت" الصغيرة تحت لوحه، وتتراقص الحشرات المائية فوق سطح الماء. أمّا شعره المجدول، فكان يتدلى من تحت قبعة "الأكوبرا" التقليدية التي كان يرتديها، ووجهه مغطى بطبقة من "المُغْرَة"، وهي صبغة طبيعية مُستخرجة من الطين وأكسيد الحديد، كان أسلافه يستخدمونها واقيًا طبيعيًّا من الشمس.
وفي أثناء هذه الرحلة، لم تكُن الطبيعة مجرد مشهدٍ خلفي، بل كانت حاضرةً حيّة تشارك في صناعة التجربة الثقافية. فعلى طول الطريق، كان المشاركون يتعلّمون أسماء عناصر الطبيعة المتنوعة، من أشجارٍ وطيور، بلغة السكان الأصليين، بوصفها جزءًا من قصة حيّة نابضة. فعندما تظهر طيور "الكوكاتو" السوداء ذات الذيول الصفراء الكبيرة صارخةً، يفسّرها المرشدون بأنها نذير باقتراب المطر. أمّا الإبر الخضراء الرفيعة المنبثقة من ثمار شجرة "شي أوك" الشوكية على ضفة النهر، فهي دليل على أن المحَّار على الشاطئ أصبح جاهزًا للصيد، في حين تُستخدم أغصان هذه الشجرة ذات الزوايا الحادة في صناعة الأدوات الحربية والموسيقية على حدّ سواء.
إلى جانب رحلات التجديف على الألواح، كانت هناك أيضًا تجارب ثقافية شهرية في منطقة "نيغي نيغي" المطلة؛ إذ يمكن للزوّار التعرّف إلى طقوس شعب غومباينغير وأغانيه ورقصاته. وفي مكان قريب، يقدّم مقهى "نيانغان غابي" مخبوزاتٍ بنكهة بذور الأكاسيا وآس الليمون، وهما مكوِّنان محليّان يُستخدمان منذ القدم في طعام الأدغال الأسترالي الأصلي، إضافةً إلى وجبات تُحضَّر من الحيوانات والنباتات المحلية.
ولعلَّ أبرز ما يمنح هذه الرحلات السياحية الهادفة معناها الحقيقي، هو أن ريعها يعود مباشرةً إلى تمويل مدرسةٍ ثنائية اللغة، تعلّم لغة شعب غومباينغير الأصلية إلى جانب اللغة الإنجليزية. وقد افتُتحت المدرسة عام 2022م، ونجحت في جذب أكثر من 100 طالب تُراوح أعمارهم بين 5 أعوام و15 عامًا، لا يقتصر تعلُّمهم فيها على المفردات، بل يمتد إلى سرد قصص ثقافية كاملة بلغتهم الأم؛ حتى إن بعضهم أتقن سرد ستّ قصص طويلة تستغرق كل واحدة منها أكثر من خمس دقائق.
في عالمٍ متسارعٍ تُسحق فيه اللغات المحلية تحت وطأة العولمة، تبرز هذه التجربة الأسترالية بوصفها منارة أمل تُنير طريق إنقاذ التراث اللغوي قبل أن يختفي في طيّ الزمن. فهي تثبت أن السياحة الثقافية يمكن أن تقدّم أكثر من مجرد رحلات ترفيهية، بل يمكنها أن تكون استثمارًا حيًّا في الهوية، وجسرًا للتعايش بين الماضي والحاضر. ومن هنا، لا بدَّ من الالتفات إلى خريطة المنطقة العربية التي تضم العشرات من اللغات المحلية المهددة بالاندثار، بدءًا من لغات جبال النوبة في السودان، والأمازيغية في الجزائر، والهوبيوت والشحرية في سلطنة عمان، وصولًا إلى المهرية والسقطرية في اليمن، أو حتى اللهجة البدوية في بعض أنحاء المملكة العربية السعودية التي تُعدُّ لغةً بحدِّ ذاتها؛ لنقول إنه يمكن إطلاق جولات سياحية غامرة يديرها السكان الأصليون: رحلات عبر الجبال، وتجديف في الأنهر والواحات، ومغامرات سفاري في قلب الصحراء، تعيد للُّغات الأصلية صوتها عبر الأزمان والأمكنة. ولِم لا؟ ربما إنشاء مدارس خاصة تُعلِّم تلك اللغات وترسّخها في ذاكرة الأجيال القادمة.