Hero image

الانتظار.. ذلك الفن الذي فقدناه

مهى قمر الدين

يونيو 23, 2026

شارك
لطالما كان الانتظار جزءًا لا مفرَّ منه من الحياة؛ إذ يتداخل مع إيقاع التجربة اليومية، من الحركة البطيئة في طابور المحاسبة في "السوبرماركت" إلى الوقوف عند إشارةٍ حمراء تبدو أطول مما ينبغي، أو الانتظار عند نقطة تفتيش أمنية في المطار، أو بطء تحميل صفحة ويب على الإنترنت. وثمّة أشكال أعمق وأكثر جديّة، مثل الساعات الفاصلة بين إجراء تحليل طبي وصدور نتيجته، أو الأيام الطويلة بين وداعٍ ولقاءٍ منشود مع أحد الأحبّة، أو ذلك الانتظار القلق بين فقدان وظيفة وبداية فرصة جديدة. في جميع هذه اللحظات، يضعنا الانتظار وجهًا لوجه أمام حقيقة إنسانية عميقة: ذلك التوتر الدائم بين ما نريده أن يحدث الآن، وما يصرّ الزمن على تأجيله إلى حين.
 
بفعل وعود التكنولوجيا أصبح الانتظار يُعامَل بوصفه عيبًا في الأداء أو علامةً على ضعف النظام، وليس بوصفه طقسًا إنسانيًّا طبيعيًّا.

 

في الماضي، كان الانتظار يُحتمل بوصفه أمرًا طبيعيًّا، وحالةً مألوفة من الحياة اليومية، كأنّ الصبر نفسه كان يُعدُّ من مهاراتها الأساسية. لكن اليوم في عصر السرعة الذي نعيش فيه مع كل ما يقدّمه لنا التقدُّم التكنولوجي من وسائل لتوفير الوقت، أصبح الانتظار تجربةً مرّة لا تُطاق.

 تَعِدنا التكنولوجيا اليوم بالاستجابة "الفورية"؛ ففي لحظة نصل إلى المعلومات، وفي لحظة نردُّ على الرسائل، وفي لحظة نطّلع على آخر الأخبار. وبفعل هذه الوعود، أصبح الانتظار يُقدَّم بوصفه عيبًا في الأداء أو علامة على ضعف النظام، وليس بوصفه طقسًا إنسانيًّا طبيعيًّا. ومما لا شكّ فيه أن السرعة، كما وصفها الروائي ميلان كونديرا ذات مرّة أنها "شكل النشوة التي خلعتها الثورة التكنولوجية على الإنسان". غالبًا ما تُقدَّم السرعة على أنها تحسُّنٌ ونعمة من حيث توفير الوقت، ولكن هذه السرعة نفسها هي التي رفعت من سقف توقعاتنا، ودفعتنا إلى أن نشعر بالارتباك ونفاد الصبر متى ما تباطأت الأمور.

 
الانتظار فنٌّ دقيقٌ من فنون الحياة، يُتيح رصد أفكارنا ومخاوفنا ورغباتنا، ويعلّمنا التواضع أمام ما لا نستطيع السيطرة عليه.
 

فن الانتظار: بين القلق الجسدي والشجاعة الهادئة

بغض النظر عما إذا كان الانتظار أمرًا مقبولًا فيما مضى، أو أنه تحوَّلَ حديثًا إلى تجربةٍ مرفوضة تُقاس بثوانٍ معدودة، فالانتظار ليس سهلًا. فهو يزيد قلقنا، ليس على الصعيد النفسي وحسب، بل على المستوى الجسدي أيضًا؛ إذ تتدفَّق هرمونات التوتر في أجسامنا، فتُسرّع النبض، وتُجهد الأعصاب، وتجعل الهدوء صعبًا. نشعر به وكأنه فراغٌ يجب ملؤه، وشعورٌ بالعجز يجب سدّه. وفوق كل ذلك يزيد الانتظار من وعينا بالغموض؛ وهذا الغموض وعدم اليقين بزمن حدوث ما ننتظره ومكانه، يُنشّط المسارات العصبية نفسها المرتبطة بالألم والخوف والشعور بالتهديد. وكل هذه الحقائق العصبية تُفسِّر جزئيًّا سبب إثارة قلقنا عند الانتظار، لكنها لا تغيّر بالضرورة هذه الاستجابات؛ فالعقل يفهم، أمَّا الجسد فيبقى يُعاقبنا بقبضته المتخفّية.
يتجلّى الانتظار بأشكال متعدّدة، يختبرنا كلٌّ منها بطريقةٍ مختلفة تكشف طبقات صبرنا. فالانتظار اليومي، مثل زحام المرور أو بطء الإنترنت، يختبر قدرتنا على تحمُّل الإحباط الرتيب، ويذكّرنا بحدود سيطرتنا على إيقاع الحياة. أمَّا في العلاقات الشخصية، حيث يُطلب منا أحيانًا مجاراة وتيرة شخص أضعف أو أبطأ، فإن الانتظار يدعونا إلى التروّي، وإلى صقل قدراتنا الداخلية. ثم يأتي الانتظار الوجودي، وهو الأقسى؛ لأنه يرتبط بأسئلة الحياة والموت والمعنى، وقد يدفعنا إلى التفكير الكارثي، والقلق المستمر، وانهيار الدفاعات النفسية، بل حتى إلى تشتُّت إحساسنا بذواتنا.

في جميع الأحوال، يتطلَّب الانتظار تجاوز اللحظة الراهنة بروحٍ عالية، من خلال تنمية الإيمان والأمل من دون إنكارٍ أو وهم؛ وهذا يعني تحمُّل الألم بالإرادة والصبر المفعم بالشوق، لا بالتسليم السلبي. وتُقدّم لنا الطبيعة نماذج مذهلة لهذا النوع من الانتظار الفعّال؛ إذ تتزاوج طيور البطريق مدى الحياة، وتضع بيضةً واحدة كل عام، ثم يتناوب الوالدان على حضانتها لأشهرٍ طويلة، في حين يغادر أحدهما بحثًا عن الطعام في البحر. يصمد الشريك الآخر جائعًا ووحيدًا، واثقًا تمامًا بعودة شريكه، فلو غادر لماتت البيضة. يجسّد هذا الإيمانُ الراسخ، على الرغم من الجوع والعزلة، جوهر الانتظار بوصفه فعلًا إراديًّا مُفعمًا بالثقة العميقة.
ولذلك، فإن الانتظار هو فنٌّ دقيق من فنون الحياة، يمثّل حضورًا فعّالًا يتيح رصد أفكارنا ومخاوفنا ورغباتنا، ويعلّمنا التواضع أمام ما لا نستطيع السيطرة عليه، والمرونة مع الزمن، والثقة بمساره لا سرعته. وفي هذا الفن، تتحوَّل ممارسة الصبر إلى شجاعة هادئة، عندما نبقى في المركز ونترك التجارب تنضج ببطء، وندرك أن جوهر الحياة يكمن في الوجود الواعي داخل الانتظار نفسه لا في التسرّع أو الهروب.

 
استعادة فن الانتظار

ولهذا، ينبغي أن نتمسك بفن الانتظار، وأن نستعيد إيقاع الحياة الحقيقي، وألا نبدّده في مطاردة السرعة التي تفرضها روح عصرنا. وكما يُشير جيسون فارمان في كتابه "الاستجابة المتأخرة: فن الانتظار من العصور القديمة إلى عالم اللحظة الفورية"، فإن استعادة فن الانتظار ضرورية "لا بوصفه عبئًا، بل بوصفه عنصرًا أساسًا في التواصل الإنساني والألفة والتعلُّم".

وعلينا استعادته؛ لأن أول ما نفقده، إذا ما فقدنا فن الانتظار، هو ذلك المجال الخفي الذي تتكوّن فيه الحميمية الاجتماعية. فالعلاقات لا تنمو من السرعة وحدَها، بل من المسافة الصغيرة التي تتيح للشوق أن يتشكّل، وللانتباه أن يصفو، وللطف أن يجد طريقه إلى الكلام. وتدرك الثقافة اليابانية هذه الحقيقة من خلال مفهومِ "ما"، الذي يُشير إلى الفراغ أو الفاصل الزمني والمكاني بين شيئين؛ إذ لا يكون خواءً، بل مساحةً حيوية تُتيح للمعنى أن ينضج وللجمال أن يظهر. في لحظة التأخير بين رسالة وأخرى، وفي الصمت الذي يسبق الرد، وفي التمهّل الذي يسبق اللقاء، نتعلم كيف نهتم بالآخر، لا بوصفه كيانًا حاضرًا فحسب، بل بوصفه غيابًا نشتاق إليه وحضورًا نتهيّأ له. أمَّا في زمن الاستجابة الفورية، فثمّة خطرٌ دائم أن يصبح كلُّ تواصلٍ مسطّحًا ومتوقّعًا، وأن يكون أقرب إلى الأداء منه إلى القرب الحقيقي. لذلك، فإن رفض الانتظار هو، في جانبٍ منه، رفضٌ للغياب نفسه؛ ومع غياب الغياب يبهت الشوق، وتفقد العودة معناها. من هنا، لا يكون الانتظار نقيض الحميمية، بل ميدانًا لتدريبها. وإذا ضاع هذا الفن، ضاعت معه الإيقاعات الهادئة التي تمنحنا القدرة على ملامسة بعضنا في الروح قبل الوقت.
 
فوائدٌ في تأجيل الإشباع الفوري

أمَّا الانضباط النفسي والقدرة على التحكّم بالعواطف، فهما من أبرز الأمور التي يمنحها فن الانتظار، والتي يجب أن نتمسّك به من أجلهما. ففي عام 1970م، أجرت جامعة ستانفورد الأمريكية، بقيادة عالم النفس والتر ميشيل، سلسلة تجاربٍ شهيرة حول تأثير تأجيل الرغبات، باتت تُعرف باسم "تجربة المارشميلو". في هذه التجربة، قُدِّم للأطفال خيار بين تناول قطعة واحدة من حلوى المارشميلو فورًا، أو انتظار نحو 15 دقيقةً للحصول على قطعتين. وكشفت النتائج أن الأطفال الذين صبروا وأجّلوا مكافأتهم الفورية حقَّقوا لاحقًا "أداءً دراسيًّا أفضل، وعلاقاتٍ أصحّ، وتحكّمًا أفضل في العواطف"، مقارنةً بمن لم يصبروا. وفي المتابعة طويلة الأمد لهؤلاء الأطفال، ارتبطت قدرتهم على الانتظار أيضًا بجودة التفكير التنفيذي والصحة النفسية مع التقدّم في العمر.
ومن جهةٍ أخرى، تُشير أبحاث حديثة إلى أن مهارة تأجيل الإشباع؛ أي قدرتنا على مقاومة الرغبة في الحصول على شيء الآن لصالح نتيجة أفضل لاحقًا، يمكن أن تكون عاملًا حاسمًا في الحماية من ظهور الأعراض المبكرة لمرض الزهايمر وغيره من أشكال التدهور المعرفي.
 
الفراغ الخصب لتعزيز الإبداع والمعرفة

إضافةً إلى ما تقدّم، يمكن أن يكون الإبداع ضحيةً أخرى للثقافة الفورية، بحيث يشكّل الانتظار في الفن، والكتابة، والبحث، "فراغًا خصبًا" ضروريًّا للابتكار الحقيقي. وكما تُشير الكاتبة والفيلسوفة جيني أوديل في كتابها "كيف لا تفعل شيئًا؟" إلى أنه عندما نزيل فترات الانتظار، نفقد شيئًا بالغ الأهمية: "السكون الذي يُعمّق المعنى"، مُستحضرةً عصورًا كانت فيها رسائل الحب والمشروعات الفنية تتكشَّف على مدى أسابيع، لا بنقرات محمومة. فالصفحة البيضاء، والمسودة غير المُحرّرة، واللوحة غير المُكتملة، كلُّها تقع في منطقة "شبه مُعلَّقة" تتطلب صبرًا زمنيًّا. ويؤكد علماء الأعصاب ذلك، فقد أظهرت دراسة أجراها ماثيوس ميتنر وآخرون (2014م) في مجلة "العلوم النفسية"، أن فترات قصيرة من شرود الذهن التي يمنحها الانتظار، تُنشّط شبكة الوضع الافتراضي بالدماغ، وهو ما يعزِّز الروابط الإبداعية المُشابهة للتأمّل والخيال، ويؤدي إلى توليد أفكارٍ أكثر أصالة وابتكارًا.

كما أن المعرفة نفسها تتأثر بانتشار الثقافة الفورية؛ إذ يُشكّل الانتظار عاملًا أساسًا في عملية التعلُّم الحقيقي. فنادرًا ما يحدث الفهم في لحظةٍ واحدة، وإنما يحتاج إلى مساحة زمنية لاستقرار المعلومات، ومعالجة الحيرة، وتشكّل روابط جديدة. في الفصول الدراسية والمراكز البحثية، غالبًا ما تقع لحظات الإدراك بعد التعليم المباشر، حين يُترك المتعلّم يفكّر أو يُعيد الصياغة أو يتفاعل مع المشكلة. فعلى سبيل المثال، أظهر مفهوم "منحنى النسيان" الذي وضعه عالم النفس الألماني هيرمان إبينغهاوس (1885م)، أن الذاكرة تتحسّن بالتكرار المتباعد مع فترات انتظار معينة؛ إذ ينخفض معدل النسيان تدريجيًّا كلما زادت المسافات بين جلسات التعلُّم، وهو ما يجعل الانتظار أداةً أساسية للاستيعاب الدائم. تاريخيًّا، ارتبطت اكتشافاتٌ عظيمة بفترات انتظار طويلة، مثل النظرية النسبية لأينشتاين التي استغرقت سنواتٍ من التأمل، واكتشافات علماء الأحياء التي غالبًا ما تأتي بعد عقودٍ من المراقبة الدقيقة. وهكذا، إذا ما عددنا الانتظار ضياعًا للوقت، فنحن نقصّر تلك العمليات التأمّلية التي تحوِّل المعلومات إلى معرفة دائمة.

يبقى القول إن العيش ببطء والانتظار بتمعّنٍ هو فعلٌ من أفعال التمرّد الهادئ، ورفضٌ للنظر إلى الوقت بوصفه لصًّا يسلبنا الحياة. إنه شكلٌ من أشكال المقاومة ضد ثقافةٍ تُساوي بين السرعة والقيمة، وتختزل الزمن في سباق محموم نحو الإنجاز. لن يكون الانتظار سهلًا أبدًا، لكن إذا طوّرنا القدرة على الانتظار بوعيٍ وإدراك، فقد نكتشف أن الانتظار بحدّ ذاته شكلٌ من أشكال النضج الروحي والعقلي. وكما قال الكاتب والمفكر البريطاني سي إس لويس، يمكن أن يصبح الانتظار "عطر زهرة لم نعثر عليها بعد، أو صدى لحنٍ لم نسمعه"، ووعدًا بجمالٍ قادم يستحقّ الصبر.
 

 

مهى قمر الدين: كاتبة لبنانية.

المقالة الصوتية: محمد مكّاوي