
هذا التوتر بين الدهشة العلمية والإغراء الاقتصادي حيال أعماق البحار هو جوهر الحكاية. فكلما تقدّمت أدواتنا، اقتربنا أكثر من قاع البحر؛ وكلما اقتربنا، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نملك حق استغلال ما لم نفهمه بعد؟ وما الذي توصلت إليه سفن الأبحاث بوصفها البوابة العلمية إلى هذا العالم الخفي، سواء في تصوير طبوغرافية القاع، أو أخذ العينات الأسطوانية، وصولًا إلى قراءة الطبقات العميقة بالمسح السيزمي في الخليج العربي على سبيل المثال؟

لوقتٍ طويل، تعامل الخيال البشري مع الأعماق بوصفها فراغًا مظلمًا وباردًا وفقيرًا بالحياة. لكن العلم كشف صورة مختلفة تمامًا. ففي الأماكن التي تغيب عنها الشمس، لا تعتمد بعض الأنظمة الحيوية على البناء الضوئي (Photosynthesis)، كما تفعل النباتات والطحالب قرب السطح، بل على ما يُعرف بالبناء الكيميائي (Chemosynthesis)، حيث تستمد الكائنات الدقيقة طاقتها من تفاعلات كيميائية حول الفوّهات الحرارية أو البيئات الغنية بالمركّبات المعدنية والكبريتية.
هذه الحياة لا تبدو نسخةً باهتة من حياة السطح، بل نموذجًا مختلفًا للإبداع البيولوجي. كائنات تتحمّل ضغطًا هائلًا وبرودة شديدة وظلامًا دائمًا، وتبني شبكاتٍ غذائيةً كاملة بمعزل عن الشمس. لذلك، فإن قاع البحر ليس هامشًا للحياة، بل مختبرًا طبيعيًّا يكشف قدرة الكائنات على التكيف في أقسى الظروف.
وهنا تبدأ المعضلة؛ فالمناطق الغنية بالمعادن قد تكون أيضًا موائل لكائناتٍ نادرة، أو بطيئة النمو، أو محدودة الانتشار. وأي اضطراب ميكانيكي أو كيميائي في القاع قد لا يشبه جَرف تربة على اليابسة، بل قد يعني تدمير نظام بيئي لا نعرف حتى الآن عدد أنواعه ولا الزمن الذي يحتاج إليه للتعافي.

كثيرًا ما يُقال إننا نعرف عن سطح القمر أكثر ممَّا نعرف عن قاع المحيطات. قد تبدو العبارة صادمة، لكنها تكشف حقيقةً مهمّة؛ فسطح البحر مرئي ومألوف، أمَّا قاعه فيحجبه العمق والضغط والظلام. وما كان يُظن يومًا أنه قاعٌ مستوٍ، اتّضح أنه جغرافيا معقّدة تضمّ جبالًا بحرية، وأخاديد، وخنادق، وقنوات، وسهولًا رسوبية، ومنحدرات، ومرتفعات صخرية.
الخليج العربي مثلًا، على ضحالته النسبية مقارنةً بالمحيطات العميقة، فإن قاعه ليس بسيطًا؛ فهو يتأثر بالتيارات والرياح والمدّ والجزر وطبيعة الرواسب، إضافةً إلى قربه من الجزر والمناطق الصناعية والساحلية. وهنا تظهر أهمية سفن الأبحاث؛ لأنها تنقلنا من التخمين إلى القياس، ومن الصورة العامة إلى الخريطة الدقيقة.
تستخدم سفن الأبحاث أجهزةً مثل مسبار الأعماق متعدد الحزم (MBES)، الذي يرسل حزمًا صوتية متعددة نحو القاع ويستقبل أصداءها، مُنتجًا خرائط ثلاثية الأبعاد تكشف التضاريس المغمورة: القنوات، والمرتفعات، والخنادق، والسطوح غير المنتظمة، ومناطق الأعشاب البحرية والعوائق الملاحية. ليست هذه الخرائط ترفًا علميًّا، بل تمثّل المرحلة الأولى لفهم أماكن ترسّب الرواسب الدقيقة، وأين يمكن أن تتراكم العناصر المعدنية، وأين ينبغي الحذر بيئيًّا.
تكتسب أعماق البحار اهتمامًا عالميًّا متزايدًا؛ لأنها قد تحتوي على معادن إستراتيجية تدخل في صناعات المستقبل، مثل: النيكل والكوبالت والمنغنيز والنحاس والزنك والكروم والفاناديوم. هذه العناصر ليست مجرد أسماء في جدول كيميائي، بل هي مكوّناتٌ أساسيةٌ في البطاريات، وتقنيات تخزين الطاقة، والسبائك المقاوِمة للتآكل، والصناعات البحرية، والتقنيات الكهربائية، وسلاسل الإمداد الصناعية المتقدمة.
في الخليج العربي، يمكن للرواسب القاعيّة أن تشكِّل سجّلًا طويل الأمد لما يحدث في البيئة البحرية؛ فهي تلتقط أثر التيارات، وتغيّرات الترسيب، ومدخلات اليابسة، إضافةً إلى الأنشطة الصناعية والساحلية. وبقدر ما تحمل هذه الرواسب دلالاتٍ اقتصاديةً، فإنها تحمل كذلك إشاراتٍ بيئيةً. ومن هنا تبرز أهمية سفن الأبحاث، فهي لا تبحث عن معدنٍ بمعزل عن سياقه، بل تقرأ القاع بوصفه نظامًا متكاملًا.
سفن الأبحاث: التكنولوجيا التي فتحت الباب
لم يكُن الوصول إلى هذا العالم ممكنًا لولا تطوُّر التكنولوجيا البحرية. فالسفينة البحثية الحديثة لم تعُدْ مجرد وسيلة لنقل العلماء، بل مختبرًا عائمًا مجهّزًا بأنظمة ملاحة دقيقة، وأجهزة مسح صوتي، ورافعات، وكابلات، ومجسّات، ومعدات إنزال، ومنصات لأخذ العينات وتحليلها.
تبدأ الرحلة عادةً بتصوير القاع؛ إذ تحدّد خرائط (MBES) طبيعة التضاريس، ومناطق الترسيب، والمرتفعات والمنخفضات. بعد ذلك تأتي مرحلة التحقّق الميداني عبر جمعِ العيّنات، وخصوصًا باستخدام العينات الأسطوانية (Core Sampling). وتتميز العينة الأسطوانية بأنها لا تلتقط سطح القاع فقط، بل تحتفظ بالطبقات الرسوبية بعضها فوق بعض، كما لو أنها أرشيف رأسي للزمن. ومن خلالها يمكن التحقّق ممَّا إذا كانت العناصر المعدنية محصورةً
في طبقة سطحية حديثة، أم تمتد إلى طبقاتٍ أعمق، أو ترتبط بتغيرات بيئية ورسوبية أقدم.

يمثّل الخليج العربي حالةً خاصة. فهو بحر ضحل نسبيًّا، وشبه مغلق، ومحدود التبادل المائي، وشديد الارتباط بالصناعة، والطاقة، والملاحة، والتحلية. هذه الخصائص تجعل قاعه مهمًّا من زاويتين متلازمتين: زاويةٍ بحريةٍ تبحث عن موارد وفرص، وزاويةٍ بيئيةٍ تخشى من تراكم الملوثات واضطراب الرواسب.
ولذلك، فإن استكشاف الثروات المعدنية في قاع الخليج لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه سباقًا نحو الاستخراج، بل مشروعًا معرفيًّا طويل الأمد، يبدأ بالسؤال لا بالجرافة، وبالخريطة لا بالعقد الاستثماري. فالمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من بنية علمية وسفن أبحاث ومؤسسات وطنية، قادرة على بناء معرفة بحرية متقدمة تجعل أي قرار مستقبلي قائمًا على العلم لا على الاندفاع.
ومن هنا تتَّضح الأهمية الإستراتيجية للمعادن البحرية. فالنيكل والكروم يدخلان في صناعة السبائك المقاومة للتآكل، والنحاس والزنك للتطبيقات الكهربائية والصناعية، والمنغنيز والكوبالت لتقنيات البطاريات وتخزين الطاقة، والفاناديوم للسبائك عالية الأداء. لكن هذه القيمة لا تكتمل إلا بمعرفة أماكنِ وجودِ هذه المعادن، وكيف تشكّلت، وما علاقتها بالبيئة، وهل توجد بتراكيز ونطاقات تجعلها موردًا محتملًا، أم مجرد إشارات جيوكيميائية.

على اليمين: الشكل الأعلى يوضّح تصويرًا لطبوغرافية أحد المواقع بمساحة (55 X كلم) بالقرب من جزيرة جناء في الخليج العربي، ويدل على وجود القنوات (باللون الأزرق) والمرتفعات (باللون الأحمر) والسهول القاعية (باللون الأخضر). على اليسار: يوضح الشكل الذي في الأسفل شدة انعكاس الموجات الصوتية للمناطق نفسها، ويشير إلى المنكشفات الصخرية (باللون البني الداكن) والقنوات (باللون البني الفاتح).
مع تصاعد التنافس الدولي على موارد الأعماق، يصبح السؤال: هل نبدأ الاستغلال لأن التقنية أصبحت قادرةً، أم نؤجله لأن المعرفة لا تزال ناقصةً؟
المعضلة الكبرى: الاستغلال أم الحماية؟
كل تقدُّمٍ في القدرة على الوصول إلى الأعماق يفتح بابًا مزدوجًا: باب المعرفة وباب الاستغلال. وعلى مستوى العالم، يتزايد الاهتمام بالتعدين البحري مع تنامي الطلب على معادن الطاقة ومتطلبات التحوُّل الصناعي. لكن القاع ليس مجرَّد مخزنٍ معدني صامت، بل هو بيئةٌ حيّةٌ بطيئة التعافي، وقد تكون بعض أنظمته البيئية أقدم وأعقد ممَّا نتصوَّر.
ومع تصاعد التنافس الدولي على موارد الأعماق، يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي والعلمي أكثر إلحاحًا: هل نبدأ الاستغلال لأن التقنية أصبحت قادرةً، أم نؤجله لأن المعرفة لا تزال ناقصةً؟ وهل يمكن وضع قواعد تجعل المنفعة الاقتصادية مشروطةً بالحماية البيئية، لا متقدمة عليها؟
قد تكمن الإجابة في الخليج العربي في التدرّج. فلا رفض للمعرفة، ولا اندفاع نحو الاستغلال. المطلوب استكشافٌ منظّمٌ، ورصدٌ طويلُ المدى، وتقييمٌ بيئيّ صارم، وتمييزٌ واضح بين الموارد الطبيعية والتلوث، وبين المناطق الواعدة والمناطق الحساسة. وهنا ينبغي أن تتحوَّل سفن الأبحاث من أدواتٍ لجمع البيانات إلى أدوات لصناعة القرار.
تستطيع سفن الأبحاث أن تكشف ما لم يكُن مرئيًّا لنا: شكل القاع، وسجّل الرواسب، وامتداد الطبقات، ومؤشرات المعادن. لكنها تكشف أيضًا حدود معرفتنا. فالقاع الذي قد يحمل موردًا إستراتيجيًّا، يحمل في الوقت نفسه مسؤوليةً لا تقلُّ أهمية: أن نحميه، وأن نستكشف قبل أن نستغل، وأن نفهم قبل أن نغيّر، وأن ندرك بأننا لا نزال نتعلّم كيف نراه.
د. ماجد المالكي: باحث خبير بمدينه الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية - المشرف على المختبر الوطني لأبحاث العلوم المائية.
