
يحاول كلٌّ من الكتابين الصادرين حديثًا، وهما "إيكونوميكا" للمؤرخة فيكتوريا بيتمان، و"العجز" للكاتبة والناشطة النسوية إيما هولتن، تسليط الضوء على أهمية الاقتصاد النسوي، مُؤكدَيْن الدور المحوري للمرأة في الازدهار الاقتصادي، وهو الدور الذي يُستهان به بنحوٍ منهجي.
يُعيد كتاب "إيكونوميكا" تعريف التاريخ الاقتصادي من خلال تسليط الضوء على الإسهامات المُهمَلة للمرأة عبر آلاف السنين وفي مختلف القارات؛ سواء كانت تاجرةً، أو مُقدمة رعاية، أو رائدة أعمال. تتتبع بيتمان مسيرة المرأة بدءًا من المجتمعات الأمومية في عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالإمبراطوريات القديمة، وأسواق العصور الوسطى، والثورات الصناعية، وصولًا إلى الرأسمالية الحديثة، ناسجةً نقاشًا عن وضع المرأة وحقوقها، من خلال قصص فردية آسرة.
تشير الكاتبة إلى "فريني"، أغنى امرأة في أثينا القديمة، التي عرَضت دفع تكاليف إعادة بناء أسوار مدينة طيبة بعد أن دمرها الإسكندر الأكبر. كما تستشهد بالسيدة خديجة، رضي الله عنها، التي كانت تاجرة ثريّة، خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، في تجارة لها إلى الشام، فعرضت عليه الزواج بعد أن تبيّنت لها مهاراته. وتنتقل إلى "تشينغ شي"، التي كانت تُلقّب بملكة القراصنة في الصين في القرن التاسع عشر، حيث قادت أسطولًا يفوق حجُمه حجمَ الأسطول الصيني بثلاثة أضعاف، وتمكّنت من السيطرة على بحر الصين الجنوبي. إضافةً إلى الروائية وسيدة الأعمال "بريسيلا ويكفيلد" في إنجلترا في العصر الجورجي، التي أنشأت "بنك البنسات" لمساعدة النساء ذوات الدخل المحدود على الادخار.
تجادل بيتمان في أن المرأة لم تكُن غائبة يومًا عن عالم الاقتصاد، بل كانت مغيّبةً خلف سرديات يهيمن عليها الذكور، منتقدةً "التحيّز الذكوري" الذي يتجاهل أعمال الرعاية، ويُفرّق بين "الرجل الاقتصادي" العقلاني وعمل المرأة العاطفي. وتفترض الكاتبة أن الحضارات لا تزدهر إلا بالمساواة بين الجنسين، ولكن مسار هذه المساواة، الذي غالبًا ما كان متعرجًا، أقرب إلى مسار الأفعوانية منه إلى الخط المستقيم، وذلك بسبب التعارض الذي يتفاوت بين مجتمعات مختلفة وحقبات تاريخية متعددة بين متطلبات رأس مال المرأة الإنتاجي (العمل بأجر)، ورأس مالها الإنجابي (إنجاب الأطفال). فعندما تكون المرأة ذات فائدة في الاقتصاد الرسمي، يُسمح لها بالعمل، وتأسيس المشروعات، والتحكّم في خصوبتها. لكن دورها، بصفتها مُنتجةً، يُنظر إليه غالبًا على أنه تهديد لدورها في الإنجاب، أو منافسة للرجال في مجال العمل.
من جهة أخرى، تقدّم إيما هولتن في كتابها "العجز" نقدًا لاذعًا لنقاط الضعف في الفكر الاقتصادي، وما حفزها على ذلك هو قراءتها لتقرير نُشر في إحدى الصحف الدنماركية عام 2020م، وصفَ النساء بأنهن "عَجزٌ صافٍ"، إذ إنهنُّ لا يسهمْنَ إلا بنسبة ضئيلة من الضرائب، في حين يستنزَفْنَ المال العام عبر إجازات الأمومة والعمل بدوام جزئيّ.
استنكرت هولتن هذه الفكرة، بحقٍّ، ولكنها استلهمت منها عنوانًا لكتابها. فهي تقول إنه ليس من الجديد أن النساء لا يسهمْنَ بالقدر نفسه الذي يسهم به الرجال في خزينة الدولة، لكن الإيحاء بأن النساء يستنزفن الموارد يُقلل من قيمة ما يقمن به خارج نطاق العمل مدفوع الأجر. فالنساء يأخذن فترات راحة من العمل لرعاية أطفالهن، وهنّ أكثر ميلًا للعمل بدوام جزئي لتوفير الرعاية. وهذا بالطبع إسهام حيوي في المجتمع، ولا يُعدُّ عجزًا إلا في عالم الاقتصاد الذي ينظر إليه بنظرة ذكورية أحادية.
فالمشكلة ليست في النساء، ولا في أعمال الرعاية نفسها، بل في علم الاقتصاد وطريقة فهمه للقيمة. فعندما وضع مؤسس علم الاقتصاد، آدم سميث، كتابه "ثروة الأمم" عام 1776م، وخطَّ فيه عبارته: "لا نتوقّع عشاءنا من لطف الجزّار أو الخبّاز، بل من مراعاتهم لمصالحهم الذاتية"، أغفل أي ذكر للعمل غير مدفوع الأجر الذي تؤديه والدته لإعداد ذلك الطعام. وبعد اثنين وعشرين عامًا من صدور ذلك الكتاب، دعت الكاتبة الإنجليزية بريسيلا ويكفيلد إلى توظيف النساء وتقدير قيمة الأعمال المنزلية في كتابها "تأملات في الوضع الراهن للمرأة". لكن سميث، وليس ويكفيلد، هو من أرسى قواعد علم الاقتصاد الحديث.
فعلماء الاقتصاد من أمثال آدم سميث ورفاقه، تجاهلوا دور الرعاية المنزلية في تقييماتهم الكمية للأسواق، مما أدى إلى ظهور مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي التي تعُدّ العمل العاطفي وتربية الأطفال والروابط المجتمعية "ترفا"؛ أي عوامل خارجية لا قيمة لها في دعم النمو.
ترى هولتن أن الاقتصاد النسوي لا يقتصر على زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، بل يتجاوز ذلك لجعل الرعاية مرئيةً في الاقتصاد الرسمي؛ عبر وضع معايير لقياس ما لا يقبل التسعير المباشر. إن من شأن هذا النهج أن يفتح آفاقًا جديدة، ويُنعش القطاع العام، لا سيّما في مواجهة أزمة الرعاية الحالية؛ إذ تعيق هيمنةُ الناتج المحلي الإجمالي وعقليةُ السوق الاستجابةَ الفعَّالة. فالهدف السياسي الأسمى لا يتحقّق بمجرد ضخ الأموال، بل بالاهتمام بمنح كل شخص الحق في مزيدٍ مما لا يمكن تحديد قيمته كميًّا: مثل أيام الإجازة، والرعاية الصحية الجسدية والنفسية اللائقة.
1- إيكونوميكا
تاريخ عالمي للنساء والثروة والسلطة
Economica: A Global History of Women, Wealth, and Power by Victoria Bateman
تأليف: فيكتوريا بيتمان
الناشر: 2025م، Seal Press
2- العجز
كيف يُمكن للاقتصاد النسوي أن يُغيّر عالمنا؟
Deficit: How Feminist Economics Can Change Our World by Emma Holten, translated by Sherilyn Nicolette Hellberg
تأليف: إيما هولتن
ترجمة: سيرلين نيكوليت هلبرغ
الناشر: 2025م، WH Allen