Hero image

الديناصورات وهندسة التضاريس الأرضية

مارس – أبريل | 2026

مارس 8, 2026

شارك
عندما نفكّر في الحياة على الأرض، ولا سيّما قبل وجود الإنسان، وفي علاقتها بالتضاريس الجغرافية، فإننا غالبًا ما نفترض أن البيئة والتغيرات المناخية والجيولوجية الكبرى، منذ نشأة الحياة وازدهارها، هي التي تحكّمت في تطور الحياة وتشكيل هذه التضاريس. ونادرًا ما يخطر في بالنا أن الحياة نفسها قد تكون هي السبب في تغيّر تضاريس الأرض وغلافها الجوّي على مدار مئات الملايين من السنين. فهل التغيّر يسير فعلًا في اتجاه واحد، من الأرض وتضاريسها إلى الحياة، أم أن هذا السهم ينعكس أحيانًا، فتؤثر الكائنات الحية نفسها في وجه الأرض وتضاريسها وتعيد تشكيله؟
على مدى نحو 160 مليون سنة، عاشت على الأرض كائنات ضخمة، ملأت البرَّ بضجيجها وحلّقت بأجنحتها العملاقة في السماء، تأكل وتشرب، وتتناسل في كنف طبيعتها الأم. تلك الكائنات هي الديناصورات، التي لا تزال حتى اليوم تُلهب خيال البشر عند ذكرها، مع أن الإنسان لم يعلم بوجودها إلا منذ قرنين، إثر سلسلة من الاكتشافات المتلاحقة في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، توِّجت بصك كلمة "دينوصوريا"؛ أي "سحلية عظيمة" باللاتينية، على يد العالم الإنجليزي السير ريتشارد أوين عام 1842م.
عاشت طويلًا جدًّا

بدأ وجود الديناصورات على الأرض منذ نحو 230 مليون سنة، غير أنها منذ ما يقارب 200 مليون سنة أضحت شكل الحياة المهيمن على الكوكب. وعلى مدى هذه الحقبة الطويلة، جابت اليابسة وتفاعلت مع بيئتها، حتى جاءت لحظة توقّف عندها الزمن. فذات يوم، قبل 66 مليون سنة تقريبًا، اتجه كويكب عملاق إلى الأرض آتيًا من حزام الكويكبات بين زحل والمشتري، ليمزق أوتار الحياة على كوكبنا الجميل.
 اصطدم هذا الكويكب بسطح الأرض في منطقة شبه جزيرة يوكاتان بأمريكا الوسطى، مخلّفًا أحد أعنف الأحداث في تاريخ الكوكب. وتشير أغلب التقديرات إلى أن قطره تراوح بين  9 كيلومترات و16 كيلومترًا، وأنه ارتطم بالأرض بسرعة قاربت 19  كيلومترًا في الثانية، مُطلقًا طاقة انفجارية تعادل نحو مليار ميغاطن من مادة الـ(TNT) شديدة الانفجار. وعلى الرغم من أن لحظة الاصطدام نفسها تسبّبت في دمار هائل بفعل موجات الصدمة والحرائق واسعة النطاق، فإنها لم تكُن سوى بداية لسلسلة من التغيرات الكارثية التي ستقود لاحقًا إلى واحدة من أعظم موجات الانقراض في تاريخ الحياة.

انتشرت الشظايا في الغلاف الجوي للأرض، وتصاعدت كميات هائلة من الغبار إلى جانب سحب كثيفة من دخان الحرائق الهائلة التي التهمت أشجار الغابات، فحُجِبت أشعة الشمس لفترةٍ قُدّرت وفق دراسات حديثة بين سنة وسنتين.
 
ويكفي أن نتخيّل كوكبًا يغرق في الظلام لمدة سنتين متواصلتين لندرك حجم الكارثة. إذ تصبح عملية التمثيل الضوئي شبه مستحيلة، فتموت النباتات على اليابسة بسبب الحرائق وبسبب تلك الاستحالة، إضافةً إلى موت العوالق النباتية التي تشكّل أساس السلسلة الغذائية في المحيط.

لم تكُن استحالة التمثيل الضوئي هي النتيجة الوحيدة لهذا الظلام، فالشمس هي المصدر الرئيس للحرارة على الكوكب، وباختفائها ساد الصقيع. إذ تشير التقديرات إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض انخفض إلى نحو خمس درجات مئوية. وتحت وطأة هذه الظروف القاتلة، انقرضت الديناصورات، وصاحب انقراضها فناء نحو 70% من أشكال الحياة على الكوكب في اليابسة والمحيطات معًا. 

وهنا يبرز سؤال جوهري: نحن نتحدّث هنا عن كائنات عاشت عشرات الملايين من السنين على الأرض. وقبل الانقراض الذي حدث بين العصر الطباشيري والباليوجيني، هندست هذه الكائنات الأرض وبيئتها بما يتناسب مع طريقة عيشها. فقد اقتلعت الأشجار، وأصبحت المساحات المفتوحة ذات الغطاء العشبي أكثر اتساعًا؛ ولهذا تدفقت الأنهار بحرية أكبر، وكانت القنوات المائية أكثر استقامة، وتكررت الفيضانات، وانتشرت المستنقعات حيث الطمي والطين.
فما تأثير فناء هذه الكائنات بالكوكب نفسه؟ وكيف تفاعلت الأرض مع هذا التراجع الهائل في عدد الأحياء؟ يقول العلماء، استنادًا إلى ما سبق ذكره، إن ذلك الاختفاء أدى إلى نمو الغابات بكثافة أكبر، وترسّخ جذور الأشجار في التربة، مما أسهم في الحدّ من التعرية، وغيّر أنماط الجريان المائي، لتتشكل قنوات نهرية أكثر تعرّجًا واستقرارًا. لكن كيف توصّل العلماء إلى هذه الاستنتاجات؟
 
الصخور تبوح بما دفنت

ظهرت نظرية انقراض الديناصورات بسبب ارتطام كويكب ضخم للمرة الأولى عام 1979م في مؤتمر جيولوجي، عندما اقترحها العالمان الأمريكيان لويس ألفاريز ووالتر ألفاريز (الأب وابنه). وقد شكّلت هذه الفرضية لاحقًا أحد أكثر التفسيرات قبولًا لواحدة من أعظم الكوارث في تاريخ الحياة.
ولفهم الأساس الذي استندت إليه هذه الفرضية، لا بدَّ من التوقف عند عنصر كيميائي نادر يُعرف بالإيريديوم. فهذا العنصر الثقيل لا يتجاوز معدل وجوده في القشرة الأرضية جزءًا واحدًا من المليار؛ إذ يتركز أساسًا في باطن الأرض المنصهر، ولا يصل إلى سطحها إلا بكميات ضئيلة، غالبًا عبر النيازك والأشعة الكونية.
وقد اكتشف ألفاريز الأب والابن تركيزًا عاليًا من الإيريديوم في طبقة طينية رقيقة يعود عمرها إلى نحو 66 مليون سنة عُثر عليها في إيطاليا. ولأنّ تركيز هذا العنصر في تلك الطبقة الرقيقة يعادل ما يقارب 1000 ضعف معدله الطبيعي في القشرة الأرضية، فقد عُرف هذا الاكتشاف باسم "شذوذ الإيريديوم".
 
عندما حلّل الجيولوجيون صخورًا تعود إلى هذه الفترة، وجدوا أن طبقة الإيريديوم الرقيقة تمثِّل حدًّا فاصلًا واضحًا بين عالمين مختلفين. فالطبقات الأقدم الواقعة أسفلها تحتوي أحافير الديناصورات؛ أي بقايا كائنات عاشت قبل الانقراض وتحجّرت داخل الصخور، وهو ما يدل على أن هذه الطبقات تكوّنت في زمن كانت فيه الديناصورات جزءًا من النظام البيئي السائد، وتظهر دلائل على بيئات رطبة تربتها غير مستقرة، وأنهار تجري في اتجاهات متعددة، مع فيضانات متكررة وترسيب كثيف للطمي.

أمَّا الطبقات الأحدث، التي تعود إلى ما بعد الانقراض وتحتوي أحافير الثدييات الأولى، فتقدّم صورة مختلفة تمامًا: صخور مرتّبة في طبقات منتظمة ومتراصة، ومتنوعة الألوان، تشير إلى أنماط ترسيب أكثر استقرارًا.
 
التحولات في مسارات الأنهار

في البداية، فُسِّرت هذه الطبقات المنتظمة على أنها رواسب بحرية ناجمة عن ارتفاع مستويات سطح البحار. ولكن اكتشفوا بعد ذلك أنهم أخطؤوا التفسير؛ إذ تبيّن أن هذه الرواسب تمثّل في الواقع آثار أنهار، وتحديدًا منعطفات نهرية واسعة، مما يدل على تحوّل جذري في سلوك الشبكات المائية بعد اختفاء الديناصورات. 

ويُعدُّ هذا التحوّل الحاد المفاجئ في شكل الرواسب أحد أوضح الأدلة على العلاقة المباشرة بين انقراض هذه الكائنات العملاقة وتغيّر تضاريس سطح الأرض.
ووجد العلماء أيضًا أن الأنهار بدأت تفيض بدرجة أقل، وهو ما أحدث تأثيرًا كبيرًا في التربة؛ إذ الفيضانات تحمل معها الرمال والطمي، وعند تراجع الفيضانات، تستقر الأرض، فيتيح ذلك للمواد العضوية مثل الخشب والأوراق فرصةً للتراكم. ومع مرور الزمن، يتكوَّن نوع منخفضٌ من أنواع الفحم يُسمّى "الليجنيت"، وهو ما وجده الباحثون فعلًا ويمثل دليلًا آخر على هذا التحوّل.

تركّزت هذه الدراسات على مناطق في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في حوض ويليستون، الممتد عبر شرق مونتانا وغرب داكوتا الشمالية والجنوبية، إضافةً إلى حوض بيغهورن في ولاية وايومنغ. وهناك تحمل الصخور دلائل جيولوجية مفاجئة وواضحة على طبيعة الحياة قبل انقراض الديناصورات وبعده.
 

الدراسات حول بصمة الديناصورات على بيئتها وما ترتب على انقراضها، تبيّن لنا كيف يُمكن أن تُؤثّر كتلة حيوية ما في تضاريس الأرض، وعلى نحو لم يُتَوقع من قبل.

بين الحياة والتضاريس علاقة في الاتجاهين

وفي هذا السياق، يقول عالم الحفريات في جامعة ميشيغان وقائد عملية البحث، الدكتور لوك ويفر، إن نتائج الدراسة تظهر أن "الحياة لا تستجيب للعمليات المناخية والتكتونية فحسب، بل يمكنها أيضًا إعادة تشكيل تضاريس الأرض نفسها". وقد نُشرت الدراسة في مجلة (Nature Communication) في 15 سبتمبر عام 2025م، ووصفت الديناصورات بأنها "مهندسة النظام البيئي"، لما لها من تأثير هائل ببيئتها التي عاشت فيها. وأضافت: "ومن المرجح أن انقراضها أدى إلى إعادة تنظيم هائلة لبنية النظام البيئي في مطلع العصر الباليوجيني".

قد تبدو هذه الدراسات، التي تُلقي الضوء على أحداث غابرة، بعيدةً عن واقعنا المعيش. ولكن، إن أمعنا النظر، فسنجد صلة وثيقة بين تلك الأحداث وحاضرنا؛ إذ يتبيَّن لنا كيف يُمكن أن تُؤثّر كتلة حيوية ما في بيئة الأرض، وعلى نحو لم يُتَوقع من قبل. 
لقد أدركنا أن اختفاء الديناصورات من السجل الأحفوري للأرض، وهو كرّاسة يوميات الكوكب، لم يكُن مجرد اختفاء كائنات ضخمة، بل تغيرًا جذريًّا كبيرًا في طبيعة الرواسب نفسها، كاشفًا حجم التحوّل الذي تركته تلك الكائنات في بيئتها.
كما وجّهت هذه الدراسات أنظارنا إلى حيوانات تعيش بيننا الآن كالفيلة، التي نراها رأي العين تقتلع الأشجار وتؤثّر في بيئتها. لكن بالتأكيد ليس على نحو ما فعلته الديناصورات التي كان يزن بعضها سبعين طنًّا، ويتغذى على أطنان من النباتات يوميًّا، فتُعيد عبر حركتها وتغذيتها رسم ملامح المشهد البيئي برمَّته.
وإذا كنا، نحن البشر، جزءًا من الكتلة الحيوية التي تسكن الأرض منذ عشرات الآلاف من السنوات، فإن لنا أثرًا مماثلًا ببيئة الأرض، بل ربما يفوق كل ما سبقه. ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذا الأثر بجدِّية ومسؤولية؛ لأنه يظهر لنا ما يجب أو ما لا يجب فعله لضمان بيئة ملائمة للأجيال القادمة وللأحياء الأخرى.
 

 

ياسر أبو الحسب: كاتب علمي وروائي.