Hero image

كُتب شهيرة لم تُنشر قطُّ!

عزت القمحاوي

مارس 30, 2026

شارك
السينما ابنة الأدب؛ هي شكل جديد من أشكال رواية القصص، سواء ارتكز الفِلم على نصٍّ أدبي أو كُتبَ مباشرةً للسينما، وغالبية الأفلام العظيمة هي ذات أصل أدبي. لكن العلاقة بين الأدب والسينما لا تمضي في اتجاهٍ واحد؛ إذ باتت الأفلام تختلق كتبًا في حبكتها، وبات عالم النشر بأدبائه ومحرريه وناشريه وبائعي كتبه موضوعًا جذابًا لصنّاع السينما.

لا يمكن معرفة اللحظة التي ظهرت فيها الكتب على الشاشة على وجه التحديد، بسبب اختفاء أكثر من 70% من أفلام الحقبة الصامتة الأولى، أي من 1895م وحتى العقدين الأولين من القرن العشرين. لكن ما تبقّى من أفلام الحقبة الصامتة المتأخرة يشير إلى حضور الكِتاب بشكلٍ أو بآخر.
 

منذ عقد الثمانينيات، تقدّم الكتاب ليصبح حجر الزاوية في حبكة بعض الأفلام، وتكررت ثيمة الكتاب المختلق داخل الفِلم.

الطفولة أولًا

 يعود الحضور الموثّق للكِتاب في السينما إلى أفلام الصغار، ومن أبرزها أفلام والت ديزني، التي اتبعت تقليد عرض غلاف الكتاب المنقول إلى الشاشة، وتقليب صفحاته في بدايات الأفلام، كما في فِلم "سنو وايت والأقزام السبعة" (1934م)، المقتبس من قصة شعبية ألمانية من ضمن قصص الأخوين غريم، وكذلك الفِلم الأيقوني "كتاب الغابة" (The Jungle Book)، من إنتاج عام 1967م، المستلهم من كتاب الشاعر الإنجليزي روديارد كبلينغ.

كانت تلك كتبًا حقيقية، يعكس وجودها إيمان صنّاع الفِلم بقدرة الكتاب على الإقناع والإيهام بالواقع، وإسباغ الصدقيّة على الحكاية. مع مرور الوقت، بدأ ظهور الكتاب يتزايد في الأفلام بكل أنواعها، ليؤدي أدوارًا إضافية، كأن يكون عنصرًا من عناصر بناء شخصية البطل. ومنذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي فصاعدًا، تقدّم الكتاب ليصبح حجر الزاوية في حبكة بعض الأفلام. وتكررت ثيمة الكتاب المختلق داخل الفِلم الذي يحدد مصير أبطاله الخياليين. فبدأنا نرى في الأفلام عشرات الروايات التي حققت أعلى المبيعات على الشاشة. ونرى الكتب بأيدي الأبطال، يوقعونها ويتناقشون حولها. كتب بأغلفة فنيّة جيدة التصميم، لكنها في النهاية كتبٌ متخيلة لم تُكتب قطُّ.
 
الخيال يقود الواقع

من أبرز الأفلام التي يتحكّم فيها الخيال بالحياة الحقيقية للأبطال، فِلم "القصة التي لا تنتهي" (The NeverEnding Story)، من إنتاج عام 1984م؛ إذ يجد البطل نفسه عالقًا داخل كتاب. يستند هذا الفِلم إلى رواية الكاتب الألماني مايكل إنده، وهو من أفلام الأطفال التي يمكن أن يستمتع بها الكبار. أخرج الفِلم ولفغانغ بيترسن، وقام ببطولته الطفل باريت أوليفر في دور صبيٍّ منطوٍ يعاني تنمُّرَ زملائه؛ فيختبئ في متجر للكتب القديمة، ويلتقط كتاب "القصة التي لا تنتهي" رغم تحذير البائع من خطورته. ينفرد الصبي بالكتاب في عِليّة المدرسة، ثم يُفاجأ بالكتاب يبتلعه ويصير جزءًا من عالمه.

في فِلم "أغرب من الخيال" (Stranger than Fiction)، للمخرج مارك فورستر (2006م)، يعيش الشاب "هارولد كريك" (ويل فيريل)، الموظف في مصلحة الضرائب، حياةً روتينية مملّة، والأسوأ أن حياته تلك معلّقة بين أصابع الكاتبة الروائية "كارين إيفل"، فكل ما تكتبه "كارين" يحدث له في الواقع.

أدركت الكاتبة ذلك، فوقعت في صراع نفسي رهيب، عندما كانت خطوتُها التالية في الكتابة الدفعَ ببطلها تحت عجلات حافلة. وأصبح بيدها أن تجعله يتعافى من الإصابة أو يموت. تدفع "كارين" بمخطوط الرواية إلى الناقد البروفيسور "جولز هيلبرت" (داستن هوفمان)، ويصارحها برأيه: "إذا تركتيه يعيش فستكون رواية مقبولة، وإن قررتِ موته فستكونين قد كتبتِ قطعة من الأدب الخالد".

وبالمصادفة، يعرف "هارولد كريك" أن مصيره معلّق بيد الكاتبة. يذهب إليها، ويقرأ المخطوطة ويفتنه جمال الكتابة، فيقرر الرضوخ لموته لكي تصبح الرواية تحفة فنية.
وفي رؤية شبيهة ومعكوسة عن ثيمة دخول البطل الواقعي إلى الكتاب الخيالي، غادرت البطلة الخيالية الرواية لتصبح واقعًا سعيدًا ومخيفًا لكاتبها، في فِلم "روبي سباركس" (Ruby Sparks)، من إنتاج عام 2012م، الذي أخرجه الثنائي جوناثان دايتون وفاليري فاريس، وكتبته زوي كازان، وهي تؤدي فيه دور بطولة النسائية أيضًا. يعاني بطل الفِلم، وهو كاتب اسمه "كالفن ويرــ فيلدز" (بول دانو)، قفلةَ كتابة منذ عشر سنوات، ثم يبدأ في كتابة رواية تحمل اسم بطلتها "روبي سباركس" عنوانًا لها. وتصورها الرواية امرأة مثالية. ووسط سعادته بما أنجزه من الكتابة يُفاجأ بظهورها حقيقية تمامًا في مطبخه، ثم يقنع نفسه أنها مجرد تهيؤات، إلا أن شقيقه يؤكد أنه رآها أيضًا.
 
إبداع في الإجرام

فِلم "غريزة أساسية" (Basic Instinct) من أشهر أفلام السينما الأمريكية، أخرجه بول فيرهوفن عام 1992م، ومن بطولة شارون ستون ومايكل دوغلاس. يحكي الفِلم عن كاتبة ثرية تكتب روايات تتناول جرائم سرعان ما تقع في الحقيقة. فيتتبعها محقق لكشف غموض مقتل نجم روك متقاعد بمخرز الثلج، وبالطريقة نفسها التي جرى بها القتل في روايتها. ومن خلال السرد، نعرف بالمصادفة، أن مصدر ثروة الكاتبة هو التعويض الذي حصلت عليه من مقتل والديها حرقًا في اليخت الذي يملكانه، وهو ما يشبه موضوع روايتها الأولى.
 
الكتب المشتهاة للأقارب

"حسد ذوي القربى" واحدة من الحبكات الدرامية الست والثلاثين التي حددها الكاتب الفرنسي جورج بولتي. لكن حسدهم في الكتب والشهرة أقسى، وهذه ثيمة أخرى تتعلق بالكتب تكررها الأفلام.

فِلم "الزوجة" (The Wife)، وهو الفِلم المبني على رواية ميغ ووليتزر، ومن إخراج السويدي بيورن رونغي، وصادر عام 2017م، يبدأ باستيقاظ الروائي الشهير "جون كاسلمان" (جوناثان برايس) وزوجته "جون كاسلمان" (غلن كلوز) على هاتف يخبره بفوزه بجائزة نوبل. تظهر الفرحة الخالصة عند الكاتب، وتقابلها نظرات الزوجة مشوبة بالتوتر. وبعد ذلك، يسافر الزوجان إلى السويد مع ابنهما لحضور حفل تسليم الجائزة. وبينما يستمتع الكاتب بصحبة المعجبات الشابات، تبدأ الكاتبة في مراجعة مسيرة حياتها، وتقتلها المرارة لقرارها المبكر بالتضحية بمسيرتها الأدبية. ويكشف السرد الاستعادي أنها كانت الأذكى والأمهر عندما قابلت ذلك الكاتب في شبابه وحرَّرت له كتابه الأول، فنال إعجابًا وتقديرًا واسعًا بفضل تدخلها، وصارت هذه مهمتها بقية عمرها. حازت غلن كلوز مديحًا نقديًّا عاليًا، ورُشّحت للأوسكار عن دورها الذي يطرح أسئلة الأمانة الفكرية والإبداعية والتمييز ضد المرأة.
 
وفي الفِلم البريطاني "الدرس" (The Lesson)، من إخراج أليس تروتون، وصادر عام 2023م، تتفوّق رغبة كاتب في الشهرة على عاطفة الأبوة، حيث يُصاب فيه الكاتب "ج.م. سنكلير" (ريتشارد إي غرانت) بحبسة كتابة منذ موت ابنه الأكبر في حادث غامض.

يعيش "سنكلير" في قصر ريفي مترف من قصور أدباء الأفلام، وهذا عنصر خيالي آخر قياسًا بحياة معظم الأدباء! يكتسي هذا البيت الفاخر مع الغابة والبركة الفسيحة حوله بحزن يفوق جماله، ثم يدخله المدرّس الطموح "ليام" (داريل ماكورماك) لتدريس الابن الثاني "بيرتي" (ستيفن ماكميلان)، الذي يعاني اكتئابًا، لكنه عبقري أنجز رواية مذهلة يحتفظ بنصّها. وفي الوقت نفسه، يعاني الأب لإكمال رواية "شجرة الورد"، مؤمنًا بفكرة أن الأدباء العاديين يُحاكون، أمَّا العظماء فيسرقون.

إحياء كتاب ميت


في فِلم "اسم الوردة" (The Name of the Rose)، من إخراج الفرنسي جان جاك أنود، المأخوذ من الرواية الشهيرة للإيطالي أمبرتو إيكو، يشهد دير معزول وقائع موت متتابعة للرهبان. وعبر حبكة معقدة ومشوقة نكتشف أن الرهبان يتسللون في الظلام إلى المكتبة لمطالعة كتاب ممنوع، هو كتاب "الكوميديا" لأرسطو، الذي عدَّه رئيس الدير كتابًا خطِرًا؛ فسمّمه وأخفاه بين الرفوف. لكن فضول الرهبان كان أكبر، وكل من توصل إليه وفتح صفحاته الأولى وقع قتيلًا. الطريف أن "الكوميديا" هو الجزء الثاني المفقود من كتاب "فن الشعر"، وقد وصلت أخباره من خلال الجزء الأول "التراجيديا". إذ يذكر أرسطو في متن الجزء الأول أنه سيتحدث لاحقًا عن "الكوميديا"، ولا أحد يعرف هل أنجز الفيلسوف كتابًا عن الكوميديا بالفعل واندثر، أم أنه لم يكتبه قطُّ!
 

يبدو حضور الكتاب في الفِلم العربي بسيطًا ولا أهمية له في الحبكة تتجاوز مشهد فتاة أو شابًا يقرأ، أو تظهر المكتبة في البيت إشارةً إلى الخلفية الاجتماعية.

في الفِلم العربي: حضور عابر

يبدو حضور الكتاب في الفِلم العربي بسيطًا ليس له أهمية كبيرة في الحبكة؛ فغالبًا ما نشاهد فتاةً أو شابًا يقرأ، أو تظهر المكتبة في البيت إشارةً إلى الخلفية الاجتماعية. وأحيانًا يكون البطل كاتبًا، ولم تكُن القصة تتأثر لو كان يزاول مهنة أخرى. ومثال على ذلك فِلم "الأطلال" الذي يحمل عنوانًا فرعيًّا "اذكريني"، عن رواية "اذكريني" ليوسف السباعي.

وقد حظيت هذه الرواية باقتباسين: الأول أخرجه عزالدين ذو الفقار عام 1959م، وفيه تعقيدات علاقة حب بين الكاتب المتزوج "محمود فهمي" (عماد حمدي)، والشابة "منى" (فاتن حمامة) المفتونة برواياته. أمَّا النسخة الثانية، فكانت للمخرج هنري بركات عام 1978م وحملت عنوان الرواية فحسب "اذكريني"، من بطولة محمود ياسين ونجلاء فتحي. ويبدو حديث الكاتب عن رواياته ومصادر إلهامه في الفِلم ساذجًا.

في فِلم "مواطن ومخبر وحرامي" لداود عبدالسيد (2001م)، يصبح الكتاب أكثر حضورًا من خلال مقابلة عبثية بين اللص والمؤلف. الحرامي اسمه "شريف" يسطو على سيارة المواطن، وهو كاتب شاب اسمه "سليم". وكان من بين المسروقات مخطوط روايته، وينجح المخبر في إقناع الحرامي بإعادة المخطوط. ولكن كان للحرامي رأي في الرواية بعد أن قرأها، وعدَّها فاسدةً أخلاقيًّا.
 

بطل مزدوج.. نصفه كاتب

ربّما يكون الحضور الأقوى لكتاب في السينما العربية في فِلم "الاختيار" (1971م). وهو واحد من أكثر أفلام يوسف شاهين غموضًا، ويحتل مكانة مركزية في أعماله. يؤدي فيه عزت العلايلي دورًا مزدوجًا لتوأمين: أحدهما "سيد"، الكاتب الشهير المقرّب من السلطة؛ والآخر هو "محمود"، الشاب العاطل الذي التحق بمهن هامشية بين وقت وآخر، من بينها العمل في الميناء وعلى ظهر السفن. يبدأ الفِلم باستعدادات الكاتب الشهير للسفر إلى باريس، وفي الوقت نفسه يُعثَر على جثة قد تكون لـ"محمود" من دون تأكيد. ومع تصاعد الأحداث، تبدأ شكوك في هوية القاتل والمقتول، فالكاتب يكره توأمه الصعلوك، ويعتقد أن زوجته تحبه، ثم يصل اللامعقول إلى حد تصوّر أن الصعلوك هو الذي قتل الكاتب وحلّ محله حتى في بيته. وسط هذا الشك ينتهي "محمود" من كتابة مسرحية "البحار"، يتناول فيها علاقته بتوأمه، وبعد أن يبدأ يوسف وهبي بروفات المسرحية يطلب "سيد" وقفها ويأخذ في مراجعتها من جديد.

يمكن إرجاع الفارق بين حضور الكتاب الباهت في الفِلم العربي وحضوره الواضح في الأفلام الأجنبية إلى ثلاثة أسباب: الأول حجم عادة القراءة في المجتمع، والثاني حجم الصناعة، والثالث ثقافة الإتقان والإيمان بالتخصص الذي يجعل صنّاع السينما يستعينون بخبرات الخبراء في المهن التي تظهر في أفلامهم وليس في الكتابة فحسب. 
يبقى أن الرواية والسينما ترتبطان بمصير واحد، تتبادلان فيه دوري الأم والابنة.

 

عزت القمحاوي: كاتب وروائي مصري.