Hero image

كيف يصنع العقل قصتنا؟

د. أحمد الردادي

مارس 12, 2026

شارك
تقول الكاتبة الأمريكية ليزا كرون إننا نستطيع أن نعيش أربعين يومًا بلا طعام، وثلاثة أيام بلا ماء، لكننا لا نستطيع تجاوز 35 ثانية من دون أن نبحث عن معنى لأي شيء يحدث حولنا. تساعدنا القصص في مواجهة العشوائية بشيء من النظام، وفي زيادة شعورنا بالسيطرة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل.

من اللحظة الأولى في يومك يعمل العقل كما لو كان مخرجًا سينمائيًّا؛ يختار الأدلة واللقطات بناءً على أجندة خاصة، ويخرج من خلالها بقصص تساعدك على استيعاب كل شيء حولك وفق تسلسل منطقي. كل حدث يُفسَّر ضمن قصة مترابطة تصنع شخصيتك وتوقعاتك وطريقة تفكيرك، وفي النهاية واقعك. فلو استوعبنا كل معلومة بشكلها الخام، لكان الحمل الإدراكي أثقل بكثير. فالحقائق التي نسرد حولها القصص تتضمن أحلامنا، ونجاحاتنا، وعلاقاتنا، وطموحاتنا. فمن الصعب التعامل مع كل معلومة منفصلةً؛ لذلك نفرض عليها كل ما نحمله من تجارب سابقة لتبدو منطقيةً أكثر.

يعمل العقل وفق أجندة واضحة، أهمها حماية المشاعر. لذا، فإن أحد المبادئ الأساسية في السلوك البشري هو الاقتراب مما يمنح المتعة، وتجنّب ما يسبب الألم؛ لذلك يحاول العقل تطويع الواقع بالشكل الذي يجعله أقل وطأة على النفس.
 
تناقض إدراك الذات

منذ ثمانينيات القرن الماضي، صار الباحثون يرون النفس نظامًا ديناميكيًّا، وليست صورة ثابتة؛ فهي تحكم السلوك والعاطفة والقرارات التي نتخذها؛ إذ نفسّر الأحداث وفق ما تعنيه لنا ومدى تأثيرها فينا. أمَّا العقل، فيعامل المعلومات المتعلقة بالنفس بأولوية قُصوى.

في هذا السياق، قدّم عالم النفس الاجتماعي من جامعة كولومبيا، إدوارد توري هيغنز، واحدة من أهم الأوراق العلمية في علم النفس الاجتماعي: نظرية "تناقض إدراك الذات" (Self-Discrepancy Theory)، يشرح من خلالها سلوك الأفراد والإشارات الاجتماعية، ويقترح أن لكل فرد ثلاث صور أو قصص، يحملها عن ذاته:

الذات الحقيقية: وهي الطريقة التي نرى بها أنفسنا الآن، بعاداتنا ونجاحاتنا وفشلنا. و"الذات الحقيقية" لا تعني أنها واقعية، فبعضنا يرى نفسه أفضل مما هو عليه، وبعضنا يراها أسوأ؛ المهم ما نؤمن به، لا ما يعكسه الواقع بدقة.

الذات المثالية: طموحات الفرد، وأهدافه والنسخة التي يرغب أن يصبح عليها.

الذات الواجبة: وهي الصورة التي نعتقد أن الآخرين يحملونها عنا، والمرتبطة بالأدوار الاجتماعية والالتزامات التي يفرضها المجتمع.
 
النقطة المحورية في الدراسة ليست الصور نفسها، بل الفجوات بينها. فحين نشعر بابتعادنا عن ذاتنا المثالية، نمرّ بمشاعر إحباط، وتميل سلوكياتنا إلى الانسحاب. في المقابل، فإن الفشل في تلبية صورة الذات الواجبة اجتماعيًّا يصاحبه توتر وقلق أكثر حدّةً، مع اندفاع أسرع لسدّ الفجوة، وكأن العقل والجهاز العصبي يدفعاننا إلى التصرف بعجلة. نتحمّل الفشل بيننا وبين أنفسنا، لكننا لا نطيق الفشل أمام الآخرين.

وتدعم هذه الفكرة دراساتٌ اجتماعية عديدة تشير إلى أن الإنسان كائن اجتماعي، كما يدعمها علم الأعصاب الذي يصف العقل بأنه مبني ليفكر اجتماعيًّا؛ وهو ما يفسّر أن إحدى أكبر رغباتنا هي القبول الاجتماعي، ويقابلها أحد أكبر مخاوفنا: الرفض الاجتماعي.

فسُلّم "ماسلو" للاحتياجات الإنسانية، ووفرة الموارد، بالإضافة إلى حقيقة أن الإنسان يتصرف أصلًا وفق غريزة البقاء، كل ذلك يؤكد أن كثيرًا مما نحتاج إليه لا يتحقق إلا عبر قدرة الفرد على التأقلم مع الآخرين، ومحافظته على صورة إيجابية لديهم. ولهذا، فإنه حين يُنتقد شخص في عمله أو مهاراته، غالبًا ما يلجأ إلى إبراز شهاداته وخبرته. ويظهر هذا السلوك بوضوح حتى في السياقات الأكاديمية، حيث يصبح اللقب والخبرة جزءًا من آلية الدفاع عن الصورة الذاتية.
 

حتى "رواية القصة" أصبحت ركنًا أساسًا في التسويق. فالملابس الفارهة، والسيارات، والساعات، أو حتى الكتب التي تُصوَّر وتُنشر على منصات التواصل، كلها أدوات تساعد الفرد في صياغة القصة التي يرغب أن يرويها عن نفسه.

الشركات ورواية القصة

حين يزيد الفارق بين الصورة الحقيقية والصورة الاجتماعية، تظهر منتجات ذات دلالة اجتماعية تُستخدم لسدّ هذه الفجوة. فبينما يميل ذوو الدخل المحدود إلى شراء الملابس التي تُبرز العلامة التجارية بوضوح، إشارةً إلى أنهم مكتفون ماديًّا، تُظهر دراسات لبيرجر وآخرين أن ذوي الدخل المرتفع يتخلّون عن علامات تجارية معيّنة بمجرد أن تبدأ الفئات الأقل دخلًا في تبنّيها. قصص مختلفة، لكن كلها يثبت هدفًا واحدًا: التأثير بالقصة التي يرويها الآخرون عنّا.
ويظهر هذا المنطق جليًّا في سلوك المستهلك؛ إذ ينظر كتاب مايكل سولومون "سلوك المستهلك"، الذي قرأه أجيال من طلاب التسويق في أمريكا، إلى المستهلك من زاويتين: زاوية تدرس المستهلك الفرد، وزاوية تدرس المستهلك باعتباره فردًا ضمن مجموعات اجتماعية مختلفة. ومن الموضوعات التي تُناقش في هذه الكتب ما يُسمّى بـ"الاستهلاك التعويضي"، وهو كل استهلاك يهدف المستهلك من خلاله إلى تعويض نقصٍ معين يشعر به، أو سدّ فجوة بين الصور الثلاث للذات التي تحدث عنها هيغنز.

ولذلك، أصبحت اليوم "رواية القصة" ركنًا أساسًا في التسويق الحديث؛ فالملابس الفارهة، والسيارات، والساعات، حتى الكتب المتداولة، كلها أدوات تُساعد الفرد على صياغة القصة التي يرغب أن يرويها عن نفسه. وأهم من ذلك، القصة التي يرويها الآخرون عنه.

وربما أكثر الشركات التي استغلت هذه النزعة الغريزية هي شركات وادي السيليكون. فما بدأ فكرةً بريئة: منصات إلكترونية تدعم التواصل الإنساني، سرعان ما تحوّل إلى شركات يعتمد نموذج عملها على جذب انتباهنا، واستغلال نقاط ضعفنا، وتحديد معايير القصص التي يجب أن نرويها عن أنفسنا وعن الآخرين.

زرّ الإعجاب الذي غيّر الموازين

حين أطلقت شركات وادي السيليكون منصاتها، قُدّمت في البداية على أنها مواقع لمشاركة الأخبار الشخصية والتواصل مع الأصدقاء وأفراد العائلة، لكن عام 2009م شهد تحوّلًا جذريًّا بإطلاق فيسبوك (ميتا حاليًّا) زرَّ الإعجاب لأول مرة.
يرى بروفيسور علوم الحاسب والناقد التقني، كال نيوبورت، أن قرار إضافة زر الإعجاب كان إستراتيجيًّا ومقصودًا، وأن هذا التغيير - البسيط في ظاهره - عميقٌ في تأثيره، ونعيش تبعاته إلى اليوم. يقول نيوبورت: "قبل زر الإعجاب كانت هذه المنصات وسيلة للمشاركة والتعبير عن النفس، وبعده تحوّلت إلى مساحة لاستعراض صور مختلفة عن الذات، ووسيلة للتسابق الاجتماعي".

ويُضيف أن عام 2009م مثّل نقطة تحوّل؛ إذ بدأت الشركات منذ ذلك الحين تركّز على زيادة التفاعل بدلًا من جودة تجربة المستخدم، بل وجودة حياته أيضًا.
ظهر مع زر الإعجاب "عدد المشاهدات"، و"عدد المتابعين"، و"إعادة التغريد"، وغيرها من وحدات القياس التي رقمنت القبول والرفض الاجتماعيَّين، وجعلتهما في العلن وأمام مرأى الجميع. ومع هذه الأرقام، أصبح القبول الاجتماعي قابلًا للقياس والمقارنة المباشرَين.

وبهذه التعديلات، خرجت "الذات الواجبة" التي تحدث عنها هيغنز عام 1987م إلى العلن، وأصبح تقييم القصص التي نسعى لإرسالها إلى الآخرين علنيًّا وقابلًا للملاحظة. وربما لو أجرى هيغنز بحثه اليوم، لتحدث عن صورة جديدة إلى جانب الصور الثلاث السابقة: "الذات الرقمية".

التأثير النفسي لهذه الأرقام، وما يصاحبها من هندسة اجتماعية، واضح وجلي. تشير إحدى الدراسات إلى أن مجرد مشاهدة حسابك في "فيسبوك" قد تزيد من ثقتك بنفسك؛ لأن ما تشاركه غالبًا ما يكون إيجابيًّا ومُنتقًى بعناية، وكأنك تنظر إلى "الذات المثالية". فهي حتى إن لم تكُن واقعية، فإن تأثيرها حقيقي.

في المقابل، تشير دراسات أخرى إلى أن مجرد تصفّح تطبيق "إنستغرام" قد يرتبط بمشاعر سلبية لدى بعض المستخدمين، بما في ذلك الاكتئاب، وهو ما يعني أن التأثير لا يتطلب المشاركة، بل يكفي التعرّض المستمر للمحتوى.
الذات المثالية وأهدافنا وطموحاتنا، كلها تتأثر بما يُعرف بـ"مجموعات المقارنة" (reference groups)، وهي المجموعات التي نستخدمها لتحديد ما نراه صوابًا أو خطأ، وما نرغب فيه أو نتجنبه. في السابق، كانت هذه المجموعات محدودة وقريبة منا، ونتعرض لها في فترات متقطعة من يومنا. أمَّا اليوم، فنحن نتعرض لمجموعات المقارنة باستمرار، وربما على مدار الساعة، وبأعداد هائلة، وهو ما يضعنا أمام كمٍّ كبير من الصور والقصص المنتقاة بعناية، لتصبح لاحقًا مرجعًا نقارن به أنفسنا.
 
نهاية التأمل

في مقالة بعنوان "نهاية التأمل"، يرى الكاتب تيدي واين أن الاستخدام المفرط للأجهزة ساعدنا على تجنب الملل، لكن بتكلفة عالية. فقد أصبحنا اليوم نتعرّض لكمٍّ هائل من المعلومات، مما سهّل علينا الهروب من أي لحظة صمت أو فراغ، وأضعف قدرتنا على التوقّف والتأمّل.

ومع غياب هذه المساحة، لم نعُد نواجه تساؤلاتنا العميقة وحدَنا. مثل: من أنا؟ ماذا أحب؟ ولماذا أفعل ما أفعل؟ سمحنا للآخرين بالدخول واحتلال مساحة كان يُفترض أن تبقى شخصية.
وفي حديثٍ عن "القراءة الاستعراضية"، يشير برادي وود إلى أن كثيرًا من تصرفاتنا في العلن باتت تُفسّر بوصفها استعراضًا للآخرين، حتى الأفعال البسيطة. وبمرور الوقت، أصبح من الصعب التمييز بين ما نحبه فعلًا، وما نفعله من أجل التأثير على نظرة الآخرين إلينا.

لطالما عانينا الفجوات بين الصور الثلاث للنَّفس. لكن في السابق، كان لدينا متسع من الوقت لمعالجة المشاعر الناتجة عنها، ومساحة خاصة للتصحيح والمواجهة بعيدًا عن أعين الآخرين. اليوم، لم تعُد هذه المساحة موجودة.
أصبحنا نعيش في سباق دائم لإبقاء سرد قصصي معيّن حاضرًا في أذهان الآخرين، عوضًا عن كتابة قصص حقيقية عن أنفسنا. ومع التعرّض المستمر لمعلومات صُمّمت بعناية، نعيش هذه العملية أمام مرأى الجميع، وبتدخل واضح من شركات تستغل حاجتنا للقبول. وربما ما نحتاج إليه اليوم هو عزلة أكثر، ولحظات صمت أطول؛ لعلّها اللحظات التي تتوقف فيها النفس المفروضة عن سرد قصتنا بالنيابة عنّا.
 

 

د. أحمد الردادي: باحث في سلوك المُستهلك.