Hero image

الإنسان ابن الجسور

مارس – أبريل | 2026

مارس 10, 2026

شارك
تحت جسر ميرابو يجري "السين"
وحبُّنا
هل على الجسر أن يُذَكّرني بذاك الحبّ
يأتي الفرح دائمًا بعد الألم
يحلّ الليل تدقّ الساعة
تمضي الأيّام وأبقى


يرسم غيوم أبولينير بهذه الأبيات الاستهلالية في قصيدة "جسر ميرابو"، صورة مؤرّقة لمضي الزمن، للحب الذي يجري مثل مياه نهر تحت هيكل الجسر الثابت. يبتعد الجسر هنا عن وظيفته التقنية والهندسية، ليصبح شاهدًا على تدفق المشاعر والذكريات، ونقطة التقاء بين الثبات والجريان، بين الصلابة والسيولة. في هذا التصوير الشعري، يمكننا أن نلمح بذرة الفكرة التي طورها لاحقًا الفيلسوف الفرنسي ميشال سير في رؤيته عن "الفيلسوف باني الجسور"، وهي الرؤية التي تحول الجسر من كيان مادي إلى استعارة كونية لوجود الإنسان في علاقته بنفسه وبالآخرين وبالعالم.
 
وُلدت هذه الرؤية نحو الجسور لدى سير من تجربة ذاتية عاشها منذ طفولته على ضفاف نهر الجارون. إذ قامت مهنة عائلته على تجريف النهر واستخراج الرمل والحصى، وهي ممارسة شاقّة شكّلت وعيه المبكر بالعالم والعمل. وصف سير نفسه بـ"كسّار الحصى"، المهنة التي شبَّهها بالسِّخرة، خاصة في زمنٍ كان فيه العمال يكسرون الحجارة يدويًّا، مستخدمين مطارق ثقيلة، ويحتمون بنظَّارات من سلكٍ معدني لتفادي شظايا الحجر أو الغرانيت. في خطابٍ مؤثّر أمام جمعية المهندسين الفرنسيين عام 2007م، يستحضر سير هذه التجربة بقوله: "كنت أبيع الحصى لنوعين من الأشخاص: من كان يُطلق عليهم البيض، وهم صانعو الخرسانة وبناة المباني؛ والسود، وهم بناة الطرق. ومن ثَمَّ، أنتم وأسلافكم، كنتم أول عملائي، وأول طغاتي، وأول كهنتي، ولكن أيضًا أول إعجاباتي". 

بفضل مهنة أسرته إذًا تشكّل لدى سير وعي مبكر بمهندس الجسور، بوصفه الشخص الذي يمتلك نظرية لممارسة كان سير يؤديها دون معرفة نظرية. ويشير إلى أن كتابه "فن الجسور" كُتِب وهو يستحضر هذا المهندس وأسلافه باستمرار، مصحوبًا بشيء من التأثر. فهو يرى في هذا العمل نوعًا من الردّ الرمزي لما تعلّمه في شبابه، ومن هذا الحوار بين الجهد الجسدي والفكر التقني، تبلورت نواة فكره، ليكتشف أن الفيلسوف الحقيقي هو في جوهره باني جسور، أو كما يسميه "Homo Pontifex".
 

لوحة "المتجوّّل فوق بحر الضباب" عام 1818م، كاسبار ديفيد فريدريش.

وكلمة "Pontifex" ذات الأصل اللاتيني، مركّبة من "pons" وتعني جسر، و"facere" وتعني يبني، فهي تعني "باني الجسور". وقد أُطلقت اللفظة في روما القديمة على الكاهن الذي يضطلع بدور الوسيط بين البشر والآلهة، لكن سير استعاد اللفظة ليحررها من دلالتها الضيقة، مظهرًا أن الفيلسوف في العصر الحديث لم يعُد "مُولِّدًا" للحقيقة على طريقة سقراط، أو "قاضيًا" للعقل على طريقة كانت، أو"مفكِّكًا" للنصوص على طريقة دريدا، أو غيرها من أنماط الفلاسفة، بل هو مهندس علاقات، ووسيط بين عوالم منفصلة. إنه هرمس العصر الحديث، إله العبور والرسائل، الذي يحمل عوض الألواح الحجرية شبكات من المعنى تمتد بين ضفاف العلوم والإنسانيات. وبهذا التصور يقدم سير موضوعًا جديدًا للتفكير ومنهجًا جديدًا للفلسفة نفسها، منهجًا قائمًا على الربط والعبور، وهو ما يتجلى في تصنيفه العبقري لأنماط الجسور التي تحكم وجودنا.

يميّز سير بين أربعة أنواع من الجسور، كلٌّ منها يكشف طبقة من طبقات واقعنا المركّب. أولها "الجسور الصلبة"، وهي تلك الهياكل المادية من الحجر والخرسانة التي تعلن انتصار الإرادة البشرية على العوائق الطبيعية. كان سير مفتونًا بهذه الإنجازات، من جسر ماري الذي يراه أفضل جسور باريس إلى جسور بودابست وفيينا الملقاة فوق نهر الدانوب الأزرق، إلى جسر ريون-أنتيريون في اليونان، المُّصمَّم لتحمل زلازل تصل إلى 8 درجات على مقياس ريختر في أحد أكثر المناطق تعرُّضًا للزلازل في العالم. ويقابل حب سير للجسور كرهه للمدن؛ فمع أن الخرسانة والصلابة واحدة، فإن سير يكره البذخ الكنسي القوطي المدعوم بالتماثيل والنصب التذكارية والكاتدرائيات وناطحات السحاب، وكلها في نظره تَشي بالعنف الطارد نحو الأرياف والجسور.

لكن البناء المادي وحده لا يكفي. يسرد سير قصةً طريفة من ورشة بناء جسر لشبونة عاصمة البرتغال، ويكتشف من خلالها حقيقة جوهرية مفادها أنه من دون إتقان تقنية بناء الجسور الناعمة لا يمكن بناء الجسور الصلبة. فعندما اشتغل المهندس الفرنسي ميشيل برنار على بناء جسر "فاسكو دي غاما"، أمر عماله أن يبللوا بالماء "الأجسام الميتة" (corps morts)، وهو مصطلح بحري يُقصد به المراسي الثابتة حول أعمدة الجسر، إلا أن المترجم البرتغالي ترجمها لهم إلى "dead men"، إذ ظن، وهو غير مطلع على المصطلحات البحرية، أنها تعني "جُثثًا". نشرت الصحف في اليوم التالي عنوانًا عريضًا في الصحف يؤكد أن "الورشة الفرنسية تُغرق العمال البرتغاليين".

هذه الحادثة تكشف عن نوع آخر من الجسور: "الجسور الناعمة"، النوع الثاني في تصنيف سير، وهي جسور الكتابة واللغة والترجمة والرمز والسرد. إنها الوسائط غير المادية التي تنقل المعنى وتصنع الفهم المشترك. والرمز، بحسب تحليل سير الاشتقاقي الدقيق، هو نفسه جسر، فالكلمة اليونانية "symbolon" تشير إلى القِطَع الخزفية التي كان يكسرها المُضيف والضيف، كلٌّ يحتفظ بنصفٍ عهدًا منهما بضيافة مستقبلية بين الأبناء. الترميز، إذًا، هو فعلٌ جسريٌّ بامتياز يجمع بين ما تفرق. ونقيضه "diabolos" (الشيطان) وهو ما يقطع الجسور ويدمر التواصل.
 

وظيفة الإنسان الأساس هي بناء الجسور بين الفضاءات والأزمنة المختلفة، فيصبح جسرًا حيًّا يصل بين الجسد والعالم والكون.

من الجسور الصلبة إلى الناعمة

في الانتقال من فكرة الجسر الصلب إلى الجسر الناعم، هناك قصص عن الجسور، يذهب بعضها أبعد مما ذهبت إليه القصة الطريفة لورشة بناء جسر لشبونة؛ عن التجسير الذي يجمع بين العلوم فيفضي بعضها إلى بعض، مثل مشكلة جسور كونيغسبورغ السبعة التي طرحها أويلر، الرجل الذي تنزه في نهر بريجيل راسمًا جزيرة تربطها سبعة جسور. سأل أويلر: هل يمكن للمرء أن يجتاز جميع الجسور مرة واحدة دون عبور أي منها مرتين؟ وأثبت استحالة ذلك، ثم سأل نفسه: أي نوع من الرياضيات نحتاج لحل هذه المشكلة؟ لقد أدرك أن الهندسة الإقليدية التقليدية لا تنفع هنا. ما كان مطلوبًا هو علم جديد يهتم فقط بالاتصال والانقطاع، دون اكتراث بالقياس. وهكذا وُلدت "نظرية المخططات" التي أفضت بدورها إلى علم "الطوبولوجيا". أنجبت مشكلة الجسور السبعة العلم الذي يدرس "الجسرنة" بحد ذاتها. الفضاء الطوبولوجي هو فضاء القطع واللصق، إنه فضاء القصص في جوهره.
 

لوحة "المطر والبخار والسرعة" عام 1844م، ويليام تورنر.

وهذا يقودنا إلى القوة الجسرية للسرد. يحكي سير في محاضرته أمام المهندسين، قصة الخطيب الأثيني ديماتيس، الذي حاول تحذير مواطنيه من خطر الغزو المقدوني فلَم يأبه به أحد. فلجأ إلى الحكاية: "قرَّرت الإلهة ديميتر السفر، فاصطحبت ثعبانًا وسمكة. وصلوا إلى نهر عظيم، فطارت السمكة وسبح الثعبان". توقف الخطيب، فصاح الجمهور: "وكيف عبرت الإلهة؟". فأجاب: "عندما أقول لكم إن الوطن في خطر، لا تسمعون، وعندما أحكي لكم هراءً، تنتبهون!". 

القصة، كما يحلِّل سير، هي "جسرنة انقطاع"، فهي تخلق "توقّفًا" (suspense) في تدفق المعلومات (وكلمة "suspense" تشترك في الجذر اللغوي نفسه لكلمة "suspension bridge" أي "الجسر المعلق")، ثم تبني جسرًا لحل ذلك التوقف. فالسرد هو الجسر الناعم الذي يعبر فوق فجوات جهلنا أو خوفنا أو انتباهنا المتناثر.

أما الجسور الحيّة، فمثالها الإنسان الذي يعيش في أكثر من زمن؛ زمنٌ نيوتنيٌّ دائري (زمن الساعة المتكرر والمنظّم)، وزمن ترموديناميكي أو إنتروبي (زمن التآكل والشيخوخة الذي يسير في اتجاه واحد)، وزمن دارويني (زمن التطور والانتقال والتحسّن بين الأجيال). كما أنّ جسده نفسه يحمل تواريخ متعددة، من عمره البيولوجي إلى عمر خلاياه وذراته التي تعود إلى نشأة الكون. وهكذا يظهر الإنسان كائنًا حيًّا، وظيفته الأساس بناء الجسور بين الفضاءات والأزمنة المختلفة، أي "جسرًا حيًّا" يصل بين الجسد والعالم والكون.

ثم نصل إلى "الجسور المقدسة"، تلك التي تربط الإنسان بما يتجاوزه. وليس هناك مثال أكثر دلالة من أوراق اليورو، التي تحمل جميعها صورًا لجسور أوروبية غير محددة. أوروبا هي قارة مقطوعة الأوصال بشرخين، أولهما شرخ شرقي-غربي يعود إلى نحو العام 1000م، وهو انقسام سياسي بين روما والقسطنطينية، نتج عن الجدل حول طبيعة المسيح، هل هي إلهية أم بشرية؟ كان الميل في الشرق نحو التأكيد على اللاهوت (الطبيعة الإلهية المتعالية والخالدة)، أما الغرب فقد مال نحو التركيز على الناسوت (الطبيعة البشرية، والجسد، والتاريخ، والألم)، مما ولّد مسارين حضاريين مختلفين. والثاني هو الشرخ الشمالي-الجنوبي الذي أحدثه الإصلاح البروتستانتي. أوروبا، إذًا، هي صليب ضخم منقوش عليه انقطاعات لاهوتية وأنثروبولوجية. واليورو هو محاولة رمزية "لجسرنة" هذا الانفصال.

ولم يغادر سير تأملاته حول الجسور المقدسة دون التوقف عند التمثيلات المنقوشة على الجدران والتماثيل، أي تلك الكائنات الهجينة نصف البشرية نصف الحيوانية. فبينما يرى فيها المؤرخون التقليديون دليلًا على بدائية التفكير الديني، يرى سير فيها تمثيلات "جسرية" للتطور الذي خرجت به البشرية من الحيوانية. إنها ترمز، قبل داروين بآلاف السنين، لعملية "الأنسنة"، ذلك الجسر الذي يربط بين عالم البيولوجيا وعالم الثقافة.

يقول سير مُلخِّصًا رحلة عمره: "لم أحلم قط إلا بالجسور، ولم أكتب إلا حولها، ولم أفكر إلا فوقها وتحتها، ولم أحب إلا إياها. هذا الكتاب عن الجسور ينتهي بوصفه كتاب كل كتبي". وحين نفكر في الأمر، نجد فعلًا أن "فن الجسور" يتخذ موقعًا وسطًا في مشروع سير الفكري، فهو يستعيد موضوعات الاتصال التي بلورها في "خماسية هرمس"، مثل الرسالة والوسيط، و"جسرنة" العلاقات بين البشر وغيره من الكائنات في "العقد الطبيعي"، ويمهّد في الوقت نفسه لنظرياته حول "السردية الكبرى"، التي اشتغلت على تاريخ شامل للبشرية والكون، ويهيّئ الأرضية لأفكاره حول التحول الرقمي والمعرفة الشبكية في "الإصبع الصغير".

 

إيمان العزوزي: