Hero image

زجاجة العطر

د. حذيفة الخراط

مارس 11, 2026

شارك
 للعطور حضور قوي في حياتنا المعاصرة، فقد أصبحت جزءًا مهمًّا من واقعنا اليومي، وفرضت وجودها في منازلنا، وأماكن عملنا، ومناسباتنا الاجتماعية المختلفة. كما لا يخفى على أحد ما للرذاذ الذي يفوح من زجاجات العطر الفاخرة من أثر ملموس في تحسين المزاج، وإضفاء رائحة منعشة على الجسد، وما يحيط به من البيئة القريبة. وازدهرتْ نتيجة لذلك صناعةُ العطور في مختلف دول العالم، وغدت منظومة سريعة النهوض والتطور، لسدّ ظمأ الأسواق الشديد، ولتلبية الطلب المتزايد على هذه السلعة التجارية الحيوية.

غير أن دراسات بدأت تطفو على السطح العلمي في الآونة الأخيرة، تُبدي قلقها مما ينبعث من زجاجة العطر الأنيقة من مواد كيميائية مختلفة، وشرعت أصابع الاتهام تتجه نحوها، مشيرةً إلى وجود تساؤلات جديَّة تدفع علماء البيئة إلى إعادة التفكير في تبرئة العطور من تهمة الإضرار بالأجواء المحيطة بنا.
 
مساوئ المركّبات العضوية المتطايرة

لفهم الحقيقة الغائبة وراء هذا القلق العلمي، لا بدَّ من التعرُّف، ولو إيجازًا، على طبيعة هذا السائل ذي الرائحة الزكية. وما يهمّنا في هذا السياق تحديدًا هو ما تحويه العطور من مركّبات عضوية متطايرة، مثل: الليمونين، واللينالول، والجيرانيول. ما يميز هذه المركّبات المتطايرة أنها سريعة التبخر؛ إذ سرعان ما تنتشر في الهواء المحيط بأجسامنا عقب خروجها من زجاجة العطر لتمتزج بجزيئات الهواء، وهنا يكمن الخطر وتبدأ سلسلة الأحداث.

إن الهواء المحيط بنا غني بجذور كيميائية تُعرف باسم "جذور الهيدروكسيل"، وهي مواد طبيعية ضرورية لتكوين درع كيميائي غير مرئي حول الجسم، ويسهم في حمايته من آثار التعرض للملوثات والغازات الضارة.
وتشير مراجع الكيمياء إلى أن جذور الهيدروكسيل تتكوَّن نتيجة تفاعل الأشعة فوق البنفسجية مع غاز الأوزون وبخار الماء. وهي جذور شديدة التفاعل مع الوسط المحيط بها، ولها دور رئيس في ضبط كيمياء الغلاف الجوي، وتنقية الهواء عبر أكسدة المركّبات العضوية الضارة والملوّثات الغازية. ويحدث ذلك نتيجة تفاعلها القوي مع ملوثات الهواء، فيقود إلى تحللها وتكسّرها، وهو ما يسهم في تنقية الغلاف الجوي، ووقاية الجسم من الغازات الضارة المحيطة بالبيئة.

وعندما ينتشر رذاذ العطر في الهواء، تنطلق مكوناته العضوية المتطايرة لتدخل سريعًا في تفاعل مع جزيئات الهواء من حولنا. وهنا تدور معركة كيميائية ضارية؛ إذ تنشط جذور الهيدروكسيل في أكسدة مكوّنات العطر، بغية تكسيرها وتخفيف تأثيراتها السلبية. غير أن نتيجة هذا التفاعل هي نضوب هذه الجذور تدريجيًّا مع ما يصاحب ذلك من تراجع قدرتها على تخفيف آثار الملوّثات والغازات الضارة الأخرى التي ستزيد نسبتها تدريجيًا في الهواء.
 

مساوئ أخرى محتملة

ومن جهة أخرى، لا تلبث أن تظهر في هذه الساحة ملوثات ثانوية، من أبرزها مادة الفورمالدهايد ذات التأثير الضار المثبت علميًّا. كما تنشأ عن ذلك جسيمات عضوية دقيقة، أثبتت الدراسات أن أضرارها الصحية قد تفوق أضرار مركّبات العطور الأصلية.

وبالعودة إلى المركّبات العضوية المتطايرة في العطور، يتضح أن لها تأثيرات سلبية أخرى؛ إذ أثبتت الدراسات أنَّ تعرض أجسامنا لها، ولا سيّما عند تجاوز الحد الطبيعي، قد يصاحبه ظهور أعراض مرضية عديدة، منها تهيج الجهاز التنفسي وبطانة الأنف والحلق، وظهور أنماط من الحساسية في العين تترافق مع الحكة والاحمرار، إضافةً إلى أعراض أخرى كالصداع والدوار والغثيان، وقد يتطور الأمر في بعض الأحيان إلى تأثر وظائف الكبد والكلى.   
وبذلك، فإننا نسهم، من حيث لا ندري، في الإضرار بصحة أجسامنا، وتلويث الهواء، وتغيير تركيبته الكيميائية، وتقليل جودته حينما نطلق العنان لقطرات العطر كي تنتشر في الهواء. وهو سلوك يشارك في تعطيل المنظومة الكيميائية للهواء الطبيعي، ويخلّ بما يُعرف بمجال الأكسدة، وهو الغلاف الكيميائي الذي يحيط بأجسامنا ويسهم في حمايتها من تأثيرات الغازات والأشعة الضارة.

وفي المحصلة، لم يُجانب العلماء الصواب حين أشاروا إلى أنَّ للعطور وجهًا آخر يحمل في طياته أخطارًا بيئية كامنة. وقد دفعهم ذلك إلى إطلاق تحذيرات تدعو إلى إعادة النظر في أسلوب تعاملنا مع العطور بمعظم أشكالها، والترشيد في استهلاكها قدر المستطاع. ومن بين النصائح التي قد تسهم في الحد من تأثيراتها السلبية: تجنّب المكوث في بيئة مغلقة غنية برائحة العطور مدة طويلة، والحرص على تهوية المنازل بانتظام؛ مما يضمن الحفاظ على سلامة أجسامنا على المديين القريب والبعيد.
 

د. حذيفة الخراط: أخصائي جراحة تجميل وحروق.