
تنشأ العلاقات الاجتماعية الطبيعية عادةً من التواصل المباشر بين الأفراد؛ إذ تتجسّد في مشاعر داخلية متنوعة تتأثر بأحداث الحياة ومصادر التواصل. وتُترجم هذه المشاعر إلى سلوكيات ظاهرة في إطار التواصل البيني، وتُوصف بأنها سويّة لأنها متبادلة تمامًا بين الطرفين.
أمَّا العلاقات شبه الاجتماعية، فتنبثق من جانب واحد، بين متابع وشخصية مشهورة أو مؤثر أو صاحب رأي، عبر متابعة محتواه على منصات التواصل الرقمي. فيجد هذا الشخص في ذلك المحتوى لغةً حميمة تلامس واقعه، وحديثًا صادقًا يستهويه، أو تجارب مشابهة لتجاربه الشخصية أو تحاكي حياته اليومية. ومع التعرض المتكرر، يتحول هذا إلى شعور بالألفة والانتماء، فيتخيّل أن هذه الشخصية تفهمه وتمثّله. هكذا تنشأ رابطة عاطفية أو نفسية أحادية الاتجاه، يشعر فيها المتابع بالقرب، في حين لا يعلم الطرف الآخر بوجوده أصلًا ولا يتفاعل معه.

تُثير العلاقات شبه الاجتماعية اهتمام علماء النفس؛ إذ لا تزال أصولها محل نقاش في ظل غياب نظرية واحدة مهيمنة. ومع ذلك، تُقدّم أدمغتنا نقطة انطلاق مُقنعة. فقد تطوّر البشر بوصفهم كائنات اجتماعية ضمن قبائل مُترابطة، حيث كان التعرّف على الوجوه ركيزةً لضمان البقاء من خلال التعاون والتحالفات. واليوم، ينشط "التلفيف المغزلي" في الدماغ عند رؤية الوجوه المألوفة، مُحفّزًا شعورًا بالدفء يدعمه هرمون "الأوكسيتوسين"، حتى تجاه الأشخاص الذين نراهم مرارًا وتكرارًا. وفي عالمنا المُشبع بالشاشات، حيث نقضي ساعات طويلة على منصات، مثل: فيسبوك، وتيك توك، ويوتيوب، يُصبح هذا النظام العصبي الغريزي مُختلًّا. نشاهد مُقدّم برامج مشهورًا أو مؤثر يُشارك مدونات فيديو يومية، فتُكوّن المسارات العصبية شعورًا وهميًّا بالألفة من التكرار وحدَه، مُخطئةً في عدِّ "البكسلات" أصدقاء حقيقيين.
كما تبرز الوحدة بوصفها أحد الأسباب الرئيسة لتعزيز العلاقات شبه الاجتماعية؛ إذ يلجأ الأفراد إليها بحثًا عن عزاء عاطفي في عالم رقمي سريع الإيقاع. وتربط دراسات حديثة، مثل بحث نشرته مجلة "ميديا سيكولوجي" عام 2024م بعنوان: "تشعر بتحسن.. ولكن أيضًا بوحدة أقل"، بين ارتفاع مستويات الشعور بالوحدة وزيادة الاعتماد على هذه الروابط. إذ يستمع المعجبون بحماسةٍ إلى "بودكاست" يشعرون فيه بأن المقدّم يقرأ أفكارهم، أو يتصفحون منشورات إنستغرام بحثًا عن لحظات ضعف تلامس آلامهم، من دون الحاجة إلى رد فعل حقيقي. وتحاكي هذه الروابط جلسات العلاج النفسي: متنفس آمن يتسم بالحيادية التامة، حيث لا يتجاهل "الصديق الافتراضي" مشاعرهم أو يثير جدالًا مُرهقًا، مما يوفر راحة فورية ويقلل من التوتر العاطفي.
وتتداخل عوامل نفسية واجتماعية أخرى لتعزيز العلاقات شبه الاجتماعية، مما يجعلها أكثر جاذبية في عصرنا الرقمي. فيرى علماء النفس التطوري أن هذه الروابط تعمل بمنزلة "إشارة مكانة"؛ إذ يمنح الاقتراب الوهمي من النخبة أو الشخصيات المؤثرة شعورًا بالرفعة الاجتماعية، تمامًا كما كان يحدث في العصور القديمة عندما كان الارتباط بالزعماء يعزّز هيبة الأفراد داخل القبيلة. ويستفيد مصممو وسائل الإعلام من هذه الغريزة ببراعة؛ ففي برامج تلفزيون الواقع، تُصمَّم جلسات الاعتراف تحديدًا لإظهار لحظات ضعف مصطنعة، مما يولِّد شعورًا بالحميمية والثقة، ويحول المُشاهد إلى "صديق افتراضي" مُخلِص.
ومن جهة أخرى، يؤدي النوع الاجتماعي دورًا حاسمًا أيضًا، إذ تكشف دراسات استقصائية متعددة الثقافات أن النساء غالبًا ما يتعلَّقن بعمق أكبر بالشخصيات الرومانسية العاطفية، في حين ينجذب الرجال إلى النماذج البطولية القوية، مما يعكس أنماطًا تطورية في تفضيلات الارتباط.

يتمثّل الخطر النفسي والسلوكي للعلاقات شبه الاجتماعية في أنها توفر وهمًا بالطمأنينة، مُخففةً الشعور بالوحدة من خلال مساحة افتراضية من القرب العاطفي والألفة. فتُقدم هذه الروابط بديلًا صناعيًّا يشبه العلاج لمن يعانون العزلة الاجتماعية، فيشعرون بتخفيف فوري للألم النفسي من دون الحاجة إلى تفاعل حقيقي أو مواجهة أخطار الرفض. لكنها في الواقع لا تعالج الجذور الرئيسة للوحدة، بل هي أشبه بفخٍّ مظلم قد يُفاقم المشكلة بتعزيز التوحد الاجتماعي، مما يُبعد الأفراد عن بناء علاقات متبادلة حقيقية، ويُحوّل الراحة المؤقتة إلى معاناة نفسية أعمق.
وفي المقابل، تشكّل هذه الظاهرة نوعًا من التعلق العاطفي غير المتكافئ، الذي يتعمَّق مع التكرار والاستمرارية ليصبح ارتباطًا حسيًّا وحيد الجانب، مصحوبًا بإحساس مفرط بالقرب الوهمي. وقد تقود إلى نشأة شعور الغيرة أحيانًا، بحيث تكون الصورة جلية وواضحة لمن يعاني سرعة التعلق المَرَضي، أو من يعاني الفراغ العاطفي المزمن. ومثل هذه الإفرازات النفسية تفضي عادةً إلى التأثير السلبي بصورة الفرد عن ذاته، وصولًا للهشاشة النفسية والشعور بالنقص وعدم الكفاية والمقارنات بالآخرين وربط القيمة الذاتية بالتفاعل الرقمي بدلًا من التفاعل الاجتماعي الحقيقي، وهو ما يحوّل هذه الظاهرة إلى مصدر ألم عميق لمن يغرق فيها من دون أن يتمكن من وضع بصمته الخارجية في محيطه الطبيعي.
“
هي ظاهرة غير سويّة ومحيّرة؛ فهي لا تعالج الجذور الرئيسة للوحدة، بل هي أشبه بفخٍّ قد يُفاقم المشكلة بتعزيز التوحد ويُحوّل الراحة المؤقتة إلى معاناة نفسية أعمق.
تُعيد هذه الظاهرة تشكيل أنماط الانتماء الاجتماعي جذريًّا، محوِّلةً الولاءات التقليدية من الروابط الأسرية والجماعية إلى انتماء رقمي هشٍّ يدور حول شخصيات فردية. فيُفضي ذلك إلى تآكل الروابط الاجتماعية التقليدية، وتكوّن كيانات شبه اجتماعية مبنية على المتابعة السلبية، مع هويات متفتِّتة تديرها منصات ومعرفات وهمية، مما يُهَدّد الثوابت القيمية والمواقف والسلوكيات الاجتماعية الأصيلة. وتنشأ علاقات غير متكافئة ومهترئة تُضعف نسيج الترابط الأسري والمجتمعي، ليُصبح الإنسان أقرب إلى منتج تَسوُّق أو أداة جذب رقمية أو مجرد محتوى مُستهلَك، في تحول مُرَوِّع يُقَرِّبُهُ من التسليع الكامل.
تُعدُّ العلاقات شبه الاجتماعية ظاهرة غير سوية ومحيّرة، ولكنها ليست اضطرابًا نفسيًّا ولا يمكن تصنيفها مرضًا بحد ذاته. فقد تكون في بعض الأحيان مصدر إلهام ووسيلة ترفيه، أو قد تكون نافذة للتعلّم والشعور بالمشاركة، إلا أنها تصبح مقلقة عندما تتحول إلى بديل كليّ عن العلاقات الواقعية، وتخلق اعتمادًا عاطفيًّا مبالغًا فيه، وتضعف القدرة على بناء علاقات اجتماعية حقيقية، أو تسبِّب ضيقًا نفسيًّا عند غياب الشخصية المتابعة أو تغيرها. وهنا يمكن القول إن المشكلة ليست في العلاقة نفسها، بل في الدور النفسي الذي تؤديه. والحقيقة أن ظاهرة العلاقات شبه الاجتماعية تؤكد أن الإنسان مهما تطورت الوسائل التقنية لديه، يظل يبحث عن التواصل الفعّال والمعنى الحقيقي والشعور الصادق بالانتماء. وحين تضيق المساحات الإنسانية الحقيقية المتاحة، أو حين يسعى الفرد نفسه لإغلاقها لسبب نفسي أو اجتماعي معين، فإن النفس البشرية قد تجد طرقًا أخرى لتلبية هذه الحاجة، حتى لو كانت أحادية الاتجاه!
د. سعيد هادي وهاس: استشاري علم النفس السريري والعصبي.