Hero image

رمال الكثبان تختزن التاريخ

أمين نجيب

مارس 29, 2026

شارك
الكثبان الرملية هي من أكثر التشكّلات الطبيعية إثارةً على سطح الأرض؛ فهي ليست مجرد تراكمات من الرمال، بل أرشيفات بيئية معقّدة تحفظ في طبقاتها سجلِّات تمتد إلى آلاف السنين من تاريخ المناخ والنشاط البشري والحوادث الطبيعية. فهي تتشكّل عندما تلتقط الريح حبيبات الرمل وترسبها في مناطق معيّنة، لتتكوَّن مع الزمن تلال وتموُّجات ساحرة تتغير أشكالها ومواقعها تبعًا لشدة الرياح واتجاهاتها وتوافر الرمال. لكنها تحافظ في الوقت نفسه على ما يترسب في كل حقبة بديناميكية طبيعية كشفتها الأبحاث الحديثة. 
 
كان الاعتقاد سابقًا أن المناطق الجافة وشبه الجافة هي من أفقر البيئات في السجلات الطبيعية للمناخ والنشاط البشري القديم؛ فهي تفتقر إلى البحيرات الدائمة والمستنقعات وتَشكُّل الهوابط أو متدليات الكهوف، وتبعد غالبًا عن أرشيفات الرواسب البحرية. لكن الأبحاث الحديثة أظهرت أن الكثبان الرملية تشكل سجلات طبيعية استثنائية تحفظ في طبقاتها تاريخًا يعود إلى آلاف وملايين السنين من التغيّرات المناخية والنشاط البشري والحيواني والبيئي، لا توفرها سجلات الرواسب المعروفة تقليديًّا. فالرياح تدفن الرواسب في الكثبان بسرعة، وهو ما يحمي بقايا الفحم من الحرائق أو الأدوات أو الطين من التعرية والتآكل؛ وهكذا يتأمن حفظها لأزمان طويلة. كما تجمع الكثبان بين بيانات مناخية وبيئية وبشرية، مما يجعلها أرشيفًا متكاملًا وفريدًا من نوعه، وفي الوقت نفسه تزودنا بمعلومات محليّة.
 

اكتُشفت أدواتٌ حجرية عمرها 13,000 سنة في كثبان محمية الرمل الكبيرة في كولورادو.

تشكُّل الكثبان وفق أحجام حبيبات الرمل 

الرياح لا ترفع الرمال بطريقة واحدة، بل عبر ثلاث آليات تعمل معًا وفق حجم حبيبات الرمل. الحبيبات الكبيرة تتحرك ببطء عبر الزحف بضغط الرياح القريبة من السطح أو بدفع من الحبيبات القافزة، وبسبب وزنها النسبي تبقى في القاع. والحبيبات القافزة متوسطة الحجم هي الأكثر حركة؛ إذ ترتفع بضع سنتيمترات، ثم تهبط لتضرب سطح الكثيب، فتدفع حبيبات أخرى للحركة باتجاه الجهة الخلفية للكثيب. أمَّا الحبيبات الدقيقة جدًّا، فتتطاير في الهواء لمسافات قصيرة قبل أن تستقرَّ فوق السطح. وقد وجد فريق من الباحثين من جامعة كولورادو بولدر أن الكثبان النجمية الضخمة في متنزه حديقة ومحمية كثبان الرمل الكبيرة في كولورادو، تنتقل ببطء مدفوعة بهذه الديناميكية، مع تحرك باتجاه الرياح بمعدل نصف متر في السنة، وقد نُشر البحث في نشرة الجامعة في 18 أغسطس 2025م. 

(لمزيد من المعلومات أنظر: "حركية كثبان الرمل وأهميتها على ضوء ظاهرة التصحر"، القافلة مايو/ يونيو 2020م).
 
الحفاظ على الرسوبات

لكن، كيف ينتقل الكثيب من مكان إلى آخر من دون أن تتناثر رسوباته؟ الجواب العلمي جاء في مقالة بموقع (Science Direct) في فبراير 2024م، ومفاده أن الرسوبات لا تتناثر على الرغم من انتقال الكثيب من مكان لآخر بفضل ديناميكية "النسخ المستمر" لطبقاته. فعندما ترفع الرياح الحبيبات من الجهة المواجهة لها، تسقط هذه الحبيبات على المنحدر الخلفي، حيث تستقر في طبقات جديدة تعيد تشكيل الكثيب من دون أن تُفقده بنيته. كما أن الانتقال يحدث ببطء شديد يمنع الفوضى أو التشتت. ومع ذلك يحدث القليل جدًّا من التناثر، لكن الحجم الإجمالي للرواسب يبقى محفوظًا؛ لأن معظم الحبيبات تنتقل لمسافات قصيرة ضمن حدود الكثيب نفسه.

بهذه الآلية، يظل سجل الكثيب الرسوبي الداخلي متماسكًا وقابلًا للقراءة العلمية من خلال معرفة أعمار طبقاته واتجاه حركته، وذلك بأخذ عينات عمودية من الكثيب لمعرفة عمر كل طبقة؛ أي المسافة التي تحركت خلالها الطبقة منذ دفنها. وبقسمة المسافة على الزمن، يحصل العلماء على سرعة تحرك الكثيب في تلك الفترة، ومن ثَمَّ معرفة مكانه في كل فترة زمنية، وفقًا لما جاء في نشرة جامعة أبيريستويث البريطانية عام 2022م؛ نتيجة بحثٍ عن أعمار كثبان صحراء ناميبيا الإفريقية.
 

حبيبات الكوارتز في كثبان الصحراء المغربية أتاحت تقدير أعمار طبقاتها بدقة.

التأريخ بتقنية "التألق"

لمعرفة تاريخ هذه الترسبات استخدم فريق الباحثين من جامعة أبيريستويث بحثًا آخر معتمدًا على تقنية التأريخ بالتألق، لفحص كثيب في الصحراء المغربية (لالا لالية)، وتمكن من معرفة متى توقفت حبيبات الرمال عن التعرّض لأشعة الشمس؛ وهو ما يتيح لهم تقدير أعمار طبقات الكثيب بدقة.

تعمل حبيبات الكوارتز في الرمال كأنها بطاريات دقيقة تُخزّن الطاقة عبر الزمن. فعندما تُدفن هذه الحبيبات تحت السطح، تتعرّض باستمرار لإشعاع طبيعي يصدر عن العناصر المشعة في محيطها. وهذا الإشعاع يدفع بعض الإلكترونات داخل بلورة الكوارتز إلى مواقع تحبسها لسنوات طويلة؛ لتتراكم تدريجيًّا كطاقة مخزّنة. وبمجرد أن تتعرض حُبيبة الرمل للضوء في المختبر، تتحرر هذه الإلكترونات وتصدر ومضات ضوئية ضعيفة. ومن خلال قياس كمية هذا الضوء باستخدام تقنية التأريخ بالتألق، يستطيع العلماء تحديد الفترة التي مضت منذ آخر مرة تعرضت فيها الحبة لأشعة الشمس. وهكذا يتحوّل الرمل إلى سجل دقيق يساعد على إعادة بناء تاريخ تحرك الكثبان وطبقاتها والبيئات القديمة.
ويقول البروفيسور دولر: "في مختبرنا المظلم، نرى ضوءًا من حبيبات الرمل هذه؛ فكلما كان الضوء أكثر سطوعًا، دلَّ ذلك على قِدم حبيبات الرواسب، وطول فترة دفنها".

ومن خلال هذا الأسلوب، عرف العلماء أن الكثيب المذكور يعود قاعه إلى نحو 13 ألف سنة مضت، لكنه نما بسرعة كبيرة خلال ألف سنة ماضية، وهو ما يكشف عن قدرته على التفاعل السريع مع التغيرات المناخية.
 
الكثبان بوصفها مكتبة مناخية

إضافةً إلى ذلك، فإن أحد أكثر الاكتشافات إثارةً هو أن الكثبان الرملية تنطوي أيضًا على سجلات لحرائق قديمة، وهو ما كشفت عنه دراسة للدكتور نيكولاس باتون من جامعة كوينزلاند، نشرتها دار نشر جامعة كامبريدج في 11 مايو 2023م. ففي كثبان "كولولا ماس ساند" الأسترالية، عثر الباحثون عند قاعدة الكثبان على طبقات من الفحم النباتي ممزوجة في الرواسب، بعضها يعود إلى ما يقارب 12 ألف سنة. إذ إن الكثبان ذات المنحدر الحاد تكون عادةً الأحدث وتدفن بقايا الحرائق الفردية بسرعة، فتتكوّن طبقة فحم تمثّل حريقًا واحدًا، بينما في الكثبان الأقدم ذات المنحدر الأقل انحدارًا، يمتزج الفحم الناجم عن حرائق متعددة عبر الزمن، مما يؤمِّن للعلماء فهمًا أفضل لدورات الحريق عبر آلاف السنين.

هذه السجلات مهمّة؛ لأنها توفر رؤًى محلية جدًّا. فضمن نطاق تقريبي لا يتجاوز مائة متر حول كل كثيب، يمكن بناء تاريخ حرائق دقيق؛ وهو أمرٌ نادرٌ في الأماكن الجافة التي تفتقر إلى بحيرات أو مستنقعات لتسجيل الفحم. وتكشف هذه السجلات أيضًا تأثير الإنسان القديم في هذه الأماكن. فقد استخدم السكان المحليون النار لتنظيف الحقول أو الصيد، وربَّما في ممارسات طقسية أيضًا، مما يعزّز أيضًا فهمنا لكيفية تفاعل الإنسان مع البيئة.
 

تعمل الكثبان الرملية بوصفها مقابر طبيعية للأدوات، والرماد، وبقايا مخيمات الإنسان القديم، ويمكن للمختبرات أن تحدد عمر كثيب من خلال ما تختزنه حبة رمل من الأشعة.

 سجلٌّ للإنسان الأوَّل

وتحفظ الكثبان أشياء عديدة غير آثار الحرائق، من بينها آثار الإنسان القديم. ففي متنزه حديقة ومحمية كثبان الرمل الكبيرة في كولورادو على سبيل المثال، اكتُشِفت أدوات حجرية تعود إلى ما قبل 12000 سنة. إضافة إلى بقايا عظام لـ "الماموث" و"البيسون" القديم. وتشير الحفريات في الموقع إلى أن بشرًا عاشوا في المنطقة خلال عصور مناخية أبرد وأكثر رطوبة، عندما كانت الأنهار الجليدية تذوب، وتتشكّل مروج غنية تدعم الحياة. 

هذه الأدلة البشرية محفوظة تحت طبقات الرمال التي دفنتها الرياح؛ فالكثبان تعمل بوصفها مقابر طبيعية للأدوات، والرماد، وبقايا المخيمات. وقد عثر العلماء أيضًا على أدوات يومية وصناعية مثل آلات موسيقية صخرية، وكذلك حُليّ حجرية وألعاب أطفال، وهو ما يعطينا لمحة إلى الحياة الاجتماعية والروحية لسكان تلك العصور.
 

أدوات حجرية من عصور ما قبل التاريخ، شبيهة بتلك التي عُثر عليها تحت الكثبان الرملية.

تغيُّرات النظام البيئي

إلى جانب المناخ والنار والإنسان، تعكس طبقات الكثبان تغيرات النظام البيئي نفسها. فخلال الفترات الرطبة، ينمو الغطاء النباتي على الكثبان وسفوحها، وهو ما يثبّت الرمال ويقلّل من تحرّكها. أمَّا في فترات الجفاف، فتضعف النباتات، وتصبح الرمال متحركة، فتكتسب الكثبان زخمًا جديدًا.

كما أن فترات الجفاف القديمة التي بدأت منذ 6000 سنة، أدّت إلى انهيار الغطاء النباتي وتحرك كثيف للرمال، وهذا ما يمكن رصده اليوم في الطبقات العميقة لبعض الكثبان الرملية. أمَّا الفترات الرطبة السابقة، فقد تُظهرها طبقات الربط بين الرمال وتربة قديمة، مما يشير إلى عصور ازدهار نباتي ومائي.

إضافةً إلى ذلك، تسمح طبقات الفحم والرمل والرواسب المتداخلة بفهم آليات تأقلم النظم البيئية القديمة مع التغير المناخي عبر طرح تساؤلات جوهرية: هل ازدهرت النباتات؟ هل قلت الكثافات؟ هل تجددت الحيوانات؟ هذا الفهم ضروري لمعرفة كيفية استجابة الأرض للضغوط البيئية على مدى الزمن.
 
آفاق مستقبلية

مع تسارع التصحّر في بعض أنحاء العالم في وقتنا الحاضر، يزداد الاهتمام بدراسة الكثبان لفهم كيفية استجابتها للتغيرات المناخية. فبفهم تاريخها، يمكننا استشراف مستقبلها، وكيف يمكن أن تتغير الديناميكيات الرملية مع ارتفاع درجات الحرارة أو تغير أنماط الأمطار.
من جانب آخر، ومع التقدّم العلمي والتكنولوجي، سوف نرى في رحلاتنا المستقبلية عبر الكثبان وجهًا جميلًا من أوجه الطبيعة وسنقرأ أرشيفًا حيًّا من سجلات التاريخ؛ يروي لنا قصة الزمن وعوامله في الصحراء الساحرة.
 

 

أمين نجيب: كاتب لبناني.