البحر.. من أعماق الوجدان الخليجي إلى اللوحة
يسهم التجاور الجغرافي بين الدول العربية وكثافة التبادل الثقافي وغياب الصرامة التقليدية الدارجة في الأوساط الفنية الأكاديمية، في إكساب الحركات الفنية العربية قدرًا من المرونة قد يفوق نظيراتها في التيارات الفنية السائدة عالميًّا. وهذا ما يجعل العلاقات الاجتماعية من أبرز محرّكات الفعل الفني، ويعزّز من العفوية في الإنتاج.
وهكذا يمكن فهم التنوّع الواسع في حضور البحر داخل الفن الخليجي، واستمرار هذا الحضور واتساعه، حتى غدا أحد الملامح المؤسسة لهويته.
يحضر البحر في فنون مختلف الثقافات، غير أنَّ له في الفن الخليجي سِمَته الخاصة. فقد صوّره الفنانون الخليجيون بطريقة فريدة، بوصفه رمزًا يحمل المقدار نفسه من الأمل والقسوة. وجسّدت أعمالهم بعض التقاليد الخليجية المتعلقة بالإبحار، من بناء السفن إلى "النقعة" وغيرها. وتميّز حضور البحر في الفن الخليجي بمحاكاة التراث المحلي بكل معالمه وخصوصياته، من لباس الصيادين إلى أشرعة "الداو"، وصولًا إلى اللؤلؤ.
وهكذا يمكن فهم التنوّع الواسع في حضور البحر داخل الفن الخليجي، واستمرار هذا الحضور واتساعه، حتى غدا أحد الملامح المؤسسة لهويته.
يحضر البحر في فنون مختلف الثقافات، غير أنَّ له في الفن الخليجي سِمَته الخاصة. فقد صوّره الفنانون الخليجيون بطريقة فريدة، بوصفه رمزًا يحمل المقدار نفسه من الأمل والقسوة. وجسّدت أعمالهم بعض التقاليد الخليجية المتعلقة بالإبحار، من بناء السفن إلى "النقعة" وغيرها. وتميّز حضور البحر في الفن الخليجي بمحاكاة التراث المحلي بكل معالمه وخصوصياته، من لباس الصيادين إلى أشرعة "الداو"، وصولًا إلى اللؤلؤ.
تجذّر صورته في الوجدان العام
في زمن ازدهار الصناعة البحرية ما بين القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ارتكز اقتصاد الخليج العربي، كما هو معلوم، على لقط المحار واستخراج اللؤلؤ. وتوارثت أجيال عديدة في الدول الواقعة على الخليج العربي هذه المهنة التي كانت حرفة يدوية تفتقر إلى التقنيات الحديثة المستخدمة في الغوص؛ مما جعلها عملًا شاقًّا ومهددًا للحياة. فلفترة تمتد إلى أشهر، عادةً خلال الربعين الثاني والثالث من السنة، كانت أطقم الصيادين تُبحر بحثًا عن المحار من دون أن تعرف ما يخبئه لها البحر. واعتمد الصيادون تقليديًا على أدوات محدودة، منها: القفاز، والسكين، والحبل، والحجر. وفرضت هذه الصناعة على البحّارة والغواصين جهدًا عصيبًا، ليس أقلّه الغوص لأطول وقتٍ ممكن، ولأقصى عمقٍ متاح، بالاعتماد فقط على سعة رئاتهم من الهواء. كانت مهنة حافلةً بالوعود والخيبات، وبالفرح والمآسي، وبالأمل والأخطار بما فيها احتمال الموت. فحفر البحرُ صورةً له في الوجدان الخليجي لم تُمحَ ذكراها، حتى بعد تقلّص صناعة اللؤلؤ غداة اكتشاف النفط وانتشار اللؤلؤ الزراعي. وتفاعل الفنانون الخليجيون مع هذه الصورة، واهتموا بتوثيق حياة الصيادين وعالمهم، وصولًا إلى يومنا هذا، كما هو الحال عند بعض الفنانين المعاصرين، مثل مريم النعيمي وهشام العمال.
في زمن ازدهار الصناعة البحرية ما بين القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ارتكز اقتصاد الخليج العربي، كما هو معلوم، على لقط المحار واستخراج اللؤلؤ. وتوارثت أجيال عديدة في الدول الواقعة على الخليج العربي هذه المهنة التي كانت حرفة يدوية تفتقر إلى التقنيات الحديثة المستخدمة في الغوص؛ مما جعلها عملًا شاقًّا ومهددًا للحياة. فلفترة تمتد إلى أشهر، عادةً خلال الربعين الثاني والثالث من السنة، كانت أطقم الصيادين تُبحر بحثًا عن المحار من دون أن تعرف ما يخبئه لها البحر. واعتمد الصيادون تقليديًا على أدوات محدودة، منها: القفاز، والسكين، والحبل، والحجر. وفرضت هذه الصناعة على البحّارة والغواصين جهدًا عصيبًا، ليس أقلّه الغوص لأطول وقتٍ ممكن، ولأقصى عمقٍ متاح، بالاعتماد فقط على سعة رئاتهم من الهواء. كانت مهنة حافلةً بالوعود والخيبات، وبالفرح والمآسي، وبالأمل والأخطار بما فيها احتمال الموت. فحفر البحرُ صورةً له في الوجدان الخليجي لم تُمحَ ذكراها، حتى بعد تقلّص صناعة اللؤلؤ غداة اكتشاف النفط وانتشار اللؤلؤ الزراعي. وتفاعل الفنانون الخليجيون مع هذه الصورة، واهتموا بتوثيق حياة الصيادين وعالمهم، وصولًا إلى يومنا هذا، كما هو الحال عند بعض الفنانين المعاصرين، مثل مريم النعيمي وهشام العمال.
من صناعة السفن إلى لباس البحّارة
من بين الفنانين الذين كانوا روّادًا في التعبير عن عالم البحر في الفن الخليجي بلغة تشكيلية حديثة، نذكر إبراهيم إسماعيل المولود في الكويت عام 1945م، الذي اهتم بتوثيق مشاهد الحياة اليومية للمجتمع الكويتي، وكان من الطبيعي أن تكون من بينها صناعة السفن والغوص. وتصوِّر لوحته "صناعة السفن"، التي أتمها عام 1966م، مشهدًا يتضمن شخصين منهمكين في بناء هيكل السفينة. ويبدو الشخص على يسار اللوحة أكبر سنًّا نظرًا إلى اللحية التي تكسو ذقنه، ويشغل حيزًا أكبر من اللوحة. بينما يظهر الشخص الآخر، الجالس قرب أسفل السفينة، أصغر سنًّا. ويرمز تفاوت أعمار الشخصيات وحجمها في اللوحة إلى توارث مهنة صناعة السفن بين الأجيال، وكأن اللوحة تعكس درسًا تعليميًّا.
لكن أهم رمزيات اللوحة هي ألوان الخلفية؛ إذ تعبّر عن الأمل الكامن في الترابط الاجتماعي في الكويت. فتتلوّن السماء بطيفٍ لوني واسع يمتد من الأصفر والأحمر وصولًا إلى البنفسجي والأزرق. وبينما يغيب اللون الأخضر عن الخلفية، فإنه يحضر في ثوب الشخصية الكبرى، ليكتمل حضور كل الألوان في اللوحة، ويصبح الرجلان وثيابهما والسماء والبحر جزءًا من قصة واحدة لا تكتمل إلا بوجود عناصرها كافةً. وعلى يمين اللوحة يُبحر قارب صغير يُعرف باسم "الداو"، ويتكوّن من شراع واحد مثلث الشكل، ويُستخدم تقليديًّا في السواحل العربية، ويحمل طاقمًا صغيرًا من العمال. وبذلك، تتضافر الرموز في لوحة إبراهيم إسماعيل لتؤكد أهمية المحافظة على الإرث والتقليد حتى في ظل الإقبال على الحياة الحديثة، وخصوصًا أهمية الترابط بين الأجيال، حيث يقع على عاتق كل جيل استكمال مسيرة مَن سبقه.
من بين الفنانين الذين كانوا روّادًا في التعبير عن عالم البحر في الفن الخليجي بلغة تشكيلية حديثة، نذكر إبراهيم إسماعيل المولود في الكويت عام 1945م، الذي اهتم بتوثيق مشاهد الحياة اليومية للمجتمع الكويتي، وكان من الطبيعي أن تكون من بينها صناعة السفن والغوص. وتصوِّر لوحته "صناعة السفن"، التي أتمها عام 1966م، مشهدًا يتضمن شخصين منهمكين في بناء هيكل السفينة. ويبدو الشخص على يسار اللوحة أكبر سنًّا نظرًا إلى اللحية التي تكسو ذقنه، ويشغل حيزًا أكبر من اللوحة. بينما يظهر الشخص الآخر، الجالس قرب أسفل السفينة، أصغر سنًّا. ويرمز تفاوت أعمار الشخصيات وحجمها في اللوحة إلى توارث مهنة صناعة السفن بين الأجيال، وكأن اللوحة تعكس درسًا تعليميًّا.
لكن أهم رمزيات اللوحة هي ألوان الخلفية؛ إذ تعبّر عن الأمل الكامن في الترابط الاجتماعي في الكويت. فتتلوّن السماء بطيفٍ لوني واسع يمتد من الأصفر والأحمر وصولًا إلى البنفسجي والأزرق. وبينما يغيب اللون الأخضر عن الخلفية، فإنه يحضر في ثوب الشخصية الكبرى، ليكتمل حضور كل الألوان في اللوحة، ويصبح الرجلان وثيابهما والسماء والبحر جزءًا من قصة واحدة لا تكتمل إلا بوجود عناصرها كافةً. وعلى يمين اللوحة يُبحر قارب صغير يُعرف باسم "الداو"، ويتكوّن من شراع واحد مثلث الشكل، ويُستخدم تقليديًّا في السواحل العربية، ويحمل طاقمًا صغيرًا من العمال. وبذلك، تتضافر الرموز في لوحة إبراهيم إسماعيل لتؤكد أهمية المحافظة على الإرث والتقليد حتى في ظل الإقبال على الحياة الحديثة، وخصوصًا أهمية الترابط بين الأجيال، حيث يقع على عاتق كل جيل استكمال مسيرة مَن سبقه.
بينما ركّز إبراهيم إسماعيل على القيمة الاجتماعية لصناعة السفن، استغرق الفنان السعودي عبدالستار الموسى في تمثيل مشاهد الصيد. وُلد الموسى في مدينة الأحساء عام 1945م، وتأثر أسلوبه الفني بالحقبة التي قضاها في روسيا (الاتحاد السوفيتي آنذاك)، حيث تمرّس في فنون الحفر والطباعة، واحترف الفن الغرافيكي.
نفّذ الفنان سلسلة من المشاهد التي تبرز الشخصيات المرتبطة بالصناعات البحرية، بدءًا من صيد اللؤلؤ للحلي، وصولًا إلى صيد السمك للغذاء. وركّز على صياغة تعابير هذه الشخصيات وقوتها الجسدية التي تتطلبها المهنة. ففي عمله الفني "الصيادون" عام 1988م، يرمز ظلام المشهد إلى قسوة الحرفة والوحدة التي تسيطر على الطاقم الصغير عند الإبحار لأيام ممتدة. ومع سكون اللوحة، تظهر السرعة الضرورية للنشاط في الخطوط المحيطة بأجساد الصيادين. ويزيد اختيار الحفْر لغةً للتعبير من بلاغة العمل؛ لأنه من الأساليب الفنية الشاقة، وكأن الجهد المطلوب لصناعة اللوحة يتماهى مع صعوبة العمل في الصيد. كما تعكس الهالات المحيطة بأعين الشخصيات والزوايا الحادة في ملامحهم صرامة المهنة وأهمية استغلال الوقت في عرض البحر. وإضافةً إلى ذلك، اهتم الفنان بتمثيل رداء الصيادين، حيث ترتدي الشخصية على يمين اللوحة "الوزار"، وهو قطعة قماش تُلفّ حول الخصر، يرتديها الرجال في الخليج. وبينما يعبّر كل ما في المشهد عن الحركة، من خلفية البحر إلى الشِّباك بين أيدي الصيادين، يبرز الصيادون في حالة من الثبات والرسوخ، وكأن الفنان يقول لا شيء باستطاعته أن يزعزعهم. وبذلك تخلّد هذه اللوحة الجهد الذي يبذله الصيادون في الخليج.
“
تتسم صورة البحر في الأعمال الفنية الخليجية بأقصى حدٍّ من الأمانة للصورة التي طبعها الإبحار في الخليج العربي وعالم الصيد في الذاكرة.
وفي النحت إضافة إلى الرسم والطباعة
لم تقتصر الحركة الفنية في الخليج في تعاطيها مع موضوع البحر على لغة تشكيلية واحدة، بل شملت أيضًا النحت إلى جانب الرسم والطباعة. ففي تمثال "الصياد" للفنان العماني أيوب البلوشي، المولود عام 1955م، نرى صيادًا مرتديًا اللباس التقليدي، ويحمل بحرص سمكة كبيرة، مما يعكس الجهد الذي تطلبه صيدها كما يُعرف عن المهنة. وفي قرار الفنان استخدام الخشب لإتمام التمثال ما يحاكي استخدام الخشب في بناء قوارب الصيد. ويزيد حجم السمكة الكبيرة من احتمالات تأويلها. فهل ترمز السمكة الكبيرة إلى احترافية الصبي مع صغر سنه؟ أم إلى براعة الرجل البالغ في الحصول على سمكة بهذا الحجم؟
لم تقتصر الحركة الفنية في الخليج في تعاطيها مع موضوع البحر على لغة تشكيلية واحدة، بل شملت أيضًا النحت إلى جانب الرسم والطباعة. ففي تمثال "الصياد" للفنان العماني أيوب البلوشي، المولود عام 1955م، نرى صيادًا مرتديًا اللباس التقليدي، ويحمل بحرص سمكة كبيرة، مما يعكس الجهد الذي تطلبه صيدها كما يُعرف عن المهنة. وفي قرار الفنان استخدام الخشب لإتمام التمثال ما يحاكي استخدام الخشب في بناء قوارب الصيد. ويزيد حجم السمكة الكبيرة من احتمالات تأويلها. فهل ترمز السمكة الكبيرة إلى احترافية الصبي مع صغر سنه؟ أم إلى براعة الرجل البالغ في الحصول على سمكة بهذا الحجم؟
وتطول القائمة..
لا يقتصر عدد الفنانين الذين تفاعلوا مع مفهوم البحر على الأسماء المذكورة آنفًا، بل يشمل أيضًا عبدالله يوسف في لوحة "الدانة" (1975م)، وعبدالله المحرقي في لوحة "العذاب الأبدي" (1988م) من ضمن لوحات أخرى، ولوحة "سهام" للفنان علي الصفار (1997م). كما تبرز أعمال الفنان عبدالله القصار في الستينيات الميلادية، مثل لوحتي "ميناء الأقصر" و"الشونة" التي تظهر تقليد "الشونة"، وهو مصطلح كويتي يصف عملية طلاء أسفل السفينة لمنع تسرب الماء. وتروي لوحة محمود بن رضوان "نقعة كويتية" تقليد ترك القوارب على الساحل بين مواسم الصيد لحمايتها وتنظيفها وصيانتها، وهو المشهد نفسه الذي جسّده إبراهيم إسماعيل في لوحة "نقعة" عام 1975م؛ مما يظهر التآلف الثقافي والاجتماعي الذي يكوّن محور الحركات الفنية. وتطرّق فنانون آخرون إلى البحر في بعض أعمالهم من دون حصر نتاجهم به، ومنهم الفنانة صفية بن زقر في "مجموعة الصيد".
لا يقتصر عدد الفنانين الذين تفاعلوا مع مفهوم البحر على الأسماء المذكورة آنفًا، بل يشمل أيضًا عبدالله يوسف في لوحة "الدانة" (1975م)، وعبدالله المحرقي في لوحة "العذاب الأبدي" (1988م) من ضمن لوحات أخرى، ولوحة "سهام" للفنان علي الصفار (1997م). كما تبرز أعمال الفنان عبدالله القصار في الستينيات الميلادية، مثل لوحتي "ميناء الأقصر" و"الشونة" التي تظهر تقليد "الشونة"، وهو مصطلح كويتي يصف عملية طلاء أسفل السفينة لمنع تسرب الماء. وتروي لوحة محمود بن رضوان "نقعة كويتية" تقليد ترك القوارب على الساحل بين مواسم الصيد لحمايتها وتنظيفها وصيانتها، وهو المشهد نفسه الذي جسّده إبراهيم إسماعيل في لوحة "نقعة" عام 1975م؛ مما يظهر التآلف الثقافي والاجتماعي الذي يكوّن محور الحركات الفنية. وتطرّق فنانون آخرون إلى البحر في بعض أعمالهم من دون حصر نتاجهم به، ومنهم الفنانة صفية بن زقر في "مجموعة الصيد".
كما امتد في السنوات الأخيرة الانغماس الفني في البحر ليعيد تشكيل ملامح الفضاء العام. ففي قطر، يقف تمثال لامرأة تنتظر على كورنيش الدوحة، استلهم الفنان سلمان المالك هيئته من الأغنية الشعبية "توب توب يا بحر"، التي اعتاد النساء غناءها بانتظار عودة رجالهن من رحلات الصيد. وعلى كورنيش مدينة أبوظبي يستقر عمل الفنانة فرح القاسمي "الحنين إلى الوطن" المستلهم من أغنية بالعنوان نفسه؛ إذ يخلد ذكرى الصيادين عبر خمس محارات ضخمة، في جوف إحداها لؤلؤة مدمجة بسماعة تعزف نوتات من الأغنية الشعبية.
هديل الخصيفي: