Hero image

ماذا تبقّى لأدب الرحلة؟

مارس – أبريل | 2026

مارس 8, 2026

شارك
يُعَدّ أدبُ الرحلة أحدَ أقدم الأجناس الأدبية، وقد نشأ من حاجة الإنسان إلى اختراق المجهول، واكتشاف الآخر وفهمه. وهو أدبٌ تتزاوج فيه السرديات، ويجمع بين التاريخ والجغرافيا والتأمل، فيتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة العالم ومعناه. غير أن هذا الأدب لم يبقَ على حاله، بل تحول بتحولات العالم، منذ بدايات العصر الصناعي وصولًا إلى زمننا الراهن؛ إذ أعادت وسائل الاتصال والتواصل الحديثة صياغة علاقتنا بالزمان والمكان، ولا سيما في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجيا المتسارعة.
 
ما كتبه المغربي ابن بطوطة والإيطالي ماركو بولو يُدرَج ضمن ما نسميه اليوم "أدب الرحلة"، وتُعدّ نصوصهما من أبرز الأعمال الكلاسيكية في هذا المجال، وقد سبقت التشكُّل الحديث لهذا النوع الأدبي الذي عرفته حضارات قديمة، من اليونان والصين إلى العالمين العربي والإسلامي. وقبل ذلك، بلاد ما بين النهرين، حيث كُتبت ملحمة جلجامش. من هناك جاء جلجامش وإنكيدو إلى غابة الأرْز وفضائها الأسطوري في جبل لبنان. في مطلع اللوحة الخامسة من الملحمة الخالدة، وردت العبارة الآتية: "وقفا مذهولين ينظران إلى جمال الأرْز... ظلُّه وارفٌ، يملأ القلب بالفرح والبهجة". من يقترب من تلك الأشجار الدهرية يُبحر في أبديّتها السابحة في الزمن، وهي تفتح أذرعها الواسعة كأنها تُعانق الكون، من الشرفة الأعلى إلى وادي قاديشا، نزولًا في اتجاه البحر المفتوح على العالم. لكن الجمال الذي سحر الزائرَين الآتين من بعيد، لم يمنعهما من قتل خمبابا، حارس الغابة، للتمكن من قطع أشجارها والاستئثار بخشبها لبناء القصور والمعابد.
 

ملحمة جلجامش هي الجنين الأول في أدب الرحلة، وكُتبت في زمنٍ لم تكُن فيه الأجناس الأدبية قد تبلورت بعد، ولذلك فالرحلة فيها تؤلّف سرديّةً داخل ملحمة.

كُتبت ملحمة جلجامش في زمنٍ لم تكُن فيه الأجناس الأدبية قد تبلورت بعد. ولذلك فالرحلة فيها تؤلّف سرديّةً داخل ملحمة، وتؤدي وظيفة رمزية ومعرفية. ومع ذلك، تبقى هي الجنين الأول لأدب الرحلة، وأحد أصوله العميقة. وأهميّتها أنها رحلة وجودية بامتياز؛ لأنّ الهدف منها اكتشاف حدود الإنسان أمام الموت والطبيعة والقدر. تُحيلنا هذه الملحمة إلى "أوديسة" هوميروس ورحلة العودة إلى إيثاكا، وهي رحلة محفوفة بالتيه، يصارع فيها الإنسان البحر والمصير، ليبلغ بيته وقد تغيَّر.
 
من الانتقال في الجغرافيا إلى الانتقال في الوعي

لا نزال نرتحل ونسافر، من ذلك الزمن إلى زمننا الراهن، مرورًا بـ"ألف ليلة وليلة" التي تجسّد معنى الرحلة في أعمق معانيها، خارج التصنيف والترقيم؛ لأنّ الرحلة الأولى بعد الألف ليست سوى بداية ألف جديدة إلى ما لا نهاية. ومن قال إن المتاهات دائمًا مظلمة، كما وصفها دانتي أليغييري في كتابه "الكوميديا الإلهيّة"؟ هناك متاهات أكثر توهّجًا وزهوًا ودهشة، كما هي الحال مع حكايات "الليالي" الساحرة، التي يصبح المتخيّل فيها وسيلة للنجاة.
جَوبُ الآفاق والارتحال لم يقتصر على الرحّالة الكبار الذين أسّسوا أدب الرحلة: ابن بطوطة وماركو بولو. ما كُتب من بعدهم في سياق الحج والتجارة وطلب العلم، فتح المخيلة الأوروبية على الشرق، كما فتحتها كتابات أدبية أخرى وخصوصًا حكايات "ألف ليلة وليلة". ثمّ جاءت أعمال المستشرقين والمستعربين، فتحولت الرحلة إلى أداة معرفة وسلطة، وأمست بعض أعمالهم مطيّة لسياسة الاستعمار.
 
إلى ذلك، طالت الرحلة عددًا كبيرًا من الأدباء والفنانين التشكيليين. هؤلاء لم يكُن ترحالهم مجرّد انتقال في الجغرافيا، بل انتقالٌ في الوعي أيضًا. إنها شقُّ طُرقٍ نحو الأفق، يتحوّل فيها المبدع نفسه أفقًا آخر. هنا لا تعود الرحلة حركة في المكان، بل تَحَوُّل في الكائن؛ إذ أصبحت تجربة وجودية، لا مجرّد استكشاف خارجي. إنها، بهذا المعنى، رحلة عمودية لا أفقية. رحلةٌ يتجلّى فيها البُعدَان الأدبي والجمالي بقوة. وبهذا الصدد، يقول مارسيل بروست: "الرحلة الحقيقية الوحيدة، ينبوع الشباب الوحيد، لن يكون في الذهاب نحو مشاهد طبيعية جديدة، بل في امتلاك عيون أُخرى، ورؤية الكون بعينَي شخص آخر، بعيون مائة شخص آخر، ورؤية الأكوان المائة التي يراها كلُّ واحد منهم ويَكُونُها".
 

لوحة سان جرمان قرب تونس (نحو الداخل)، بول كلي، تونس عام 1914 م؛ حيث تحوّّل المشهد الطبيعي إلى مساحات لونية مجرّّدة تعكس أثر الرحلة في رؤية الفنان، لا وصف المكان فحسب.

اختلاط الواقعي بالغرائبي

ثمّة نصوص أدبية يختلط فيها الواقعي بالغرائبي، منها على سبيل المثال: "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. هذا الكتاب هو رحلة أيضًا: من الواقع إلى الخيال، ومن المنطقي إلى اللامنطقي. الواقعي فيه ليس نقيض الغرائبي، بل مادّته الخام. العوالم الأكثر غرابةً وعبثية تحمل في أعماقها شظايا من الواقع. وهي تكسر منطق الواقع بحثًا عن منطق أعمق.

في السياق نفسه، ومع تباين الأساليب واللغات، نقرأ "مدن غير مرئية" لإيتالو كالفينو، و"خيالات" لخورخي لويس بورخيس، و"المحاكمة" لفرانس كافكا. يقول هذا النوع من الأدب إن المنطق ليس حقيقة مطلقة، وإن الغرائبية ليست هربًا من الواقع، بل مسعًى إلى كشف بنيته الخفية وفضح هشاشته. هكذا يتحول النص إلى رحلة في طبقات غير مرئية من العالم، تلامس اللغة والذاكرة والسلطة والزمن. إنها رحلة في اتجاهات غير مألوفة، تتبدل فيها شروط الرؤية نفسها، كما هو شأن الإبداع الحق. يقول ألبرت أينشتاين: "الخيال أهم من المعرفة"؛ لأنه بلا حدود، ويفتح إمكانية ما لم يوجد بعد. إن عبارة أينشتاين لا تتناول الخيال بوصفه مناقضًا للواقع، بل باعتباره شرطًا سابقًا للمعرفة نفسها. ولذلك، فإن رحلة الأدب والفن لا تنحصر في مكان وزمان محددين؛ لأنها مفتوحة على الأمكنة والأزمنة، ومن هنا فهي رحلة عمودية لا أفقية.
 

أدب الرحلة هو الذي عبّدَ الطريق لظهور الأنثروبولوجيا، وكان جزءًا من تكوينها أيضًا، وهو الذي اجتذب الفنانين الغربيين إلى الشرق.

من الرحلة ولدت الأنثروبولوجيا وفن مختلف

يجدر القول إن أدب الرحلة هو الذي عبّدَ الطريق نحو الأنثروبولوجيا، وكان جزءًا من تكوينها أيضًا، وأبرز الكتب التي صدرت في القرن العشرين في هذا المجال يحمل توقيع عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستروس، وعنوانه "مدارات حزينة". في هذا الكتاب، الذي يقع بين الأنثروبولوجيا وأدب الرحلة والسيرة الفكرية، يستعيد المؤلف رحلاته في ثلاثينيات القرن العشرين إلى البرازيل، حيث عاش بين قبائل عدة في منطقة الأمازون. يجمع الكتاب بين دفتيه السرد والتأمل في مصير الشعوب الأصلية، وكذلك الحنين إلى عوالم تتلاشى، وتُستأصل كما تُستأصل الآن مساحات واسعة من غابة الأمازون. في تلك الغابة التي عاش فيها ستروس سنوات عديدة، رأى كيف يمكن أن تتحول الجغرافيا إلى مرآة يرى فيها الكاتب أزمة الحضارة الحديثة التي يتسيدها الغرب.

وقبل الالتفات إلى تحوُّل أدب الرحلة، لا بد من فتح قوسٍ للإشارة إلى أن التفاعل مع الرحلة لم يقتصر على الكتّاب وحدهم، بل طال أيضًا عددًا من الفنانين التشكيليين، الذين دفعتهم كتابات الرحّالة إلى السفر بحثًا عن آفاق بصرية وثقافية جديدة، نهلت منها أعمالهم، وأعادت تشكيل لغتهم الفنية.
 
ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توجّه هؤلاء الروّاد إلى المغرب العربي وبلاد الشام وإفريقيا، ومنهم "أوجين دولاكروا" و"بُول كْلي" و"هنري ماتيس"، بحثًا عن مرجعيّات فنية جديدة غير المرجعية اليونانية الرومانية التي سادت طوال قرون. بيكاسو لم يسافر إلى هناك، لكنه التفت إلى الفنّ الإفريقي منذ عام 1907م، ليمهّد بذلك للحركة التكعيبية. لم يكُن بيكاسو وحدَه في هذا المجال. كان ثمّة فنانون يحرثون في الأرض نفسها، وفي الوقت نفسه تقريبًا، منهم "جورج براك" و"خوان غريس" و"فرنان ليجيه". 
 
البحث عن معنى جديد للسفر

ما زلنا نسافر، لكن السفر لم يعُد يعني ما كان يعنيه من قبل. لم ينتهِ أدب الرحلة، غير أنه تغيّر مع عالمٍ صار يُشاهَد على الشاشات قبل أن يُعاش على الطرقات. في الماضي كان المسافر يذهب ليكتشف المجهول، وكانت الدهشة هي الدافع الأول. أمّا اليوم، فقد صار العالم مكشوفًا وسريع الوصول، فتراجعت دهشة الاكتشاف، وتقدّم منطق المنفعة والسيطرة. لذلك، لم تعُد الرحلة بحثًا عن أرضٍ بعيدة، بل محاولة للعثور على معنى جديد للسفر نفسه، لا سيّما بعد أن أخذت الحدود تتراجع بين الواقعي والافتراضي.
يبقى أن الترجمة هي أيضًا رحلة. رحلة بين لغتين وثقافتين، ويد ممدودة إلى الآخر. وهي ليست مجرّد وعاء للأفكار، ولا عبور كلمات من مكانٍ إلى آخر، بل لقاء بين نظامين للرؤية. "الترجمة لغة أوروبا"، يقول أمبرتو إيكو، وهي لغة العالم كذلك. ولولا ترجمة الفكر اليوناني، وانتقاله من ضفّة إلى أخرى، لكانت انطفأت في العتمة مفاهيم غذّت الوعي الإنساني.

أهمّ ما في كتابة الرحلة منذ القدم، وشأنها شأن السفر كما تناولناه في بعض محطّاته، أنها تتحلّى بالعمق الوجودي، وتذهب إلى الآخر لمعرفة الذات، وكشف حدودها وإمكاناتها. ومن هذا الاحتكاك يمكن أن يتولّد وعيٌ يمهّد يومًا لتأسيس حوار متكافئ، لا حوار التابع والمتبوع. بيْدَ أنّ هذا الحوار لا يزال غائبًا، وغيابه هو ما يضعنا أمام قلقٍ متفاقم بشأن مصير البشرية جمعاء. وقد يكون هذا القلق نفسه علامة يقظة كامنة. يقول هولدرلين: "حيث يشتدّ الخطر، تنمو أيضًا إمكانات الخلاص".
 

 

عيسى مخلوف: شاعر وكاتب لبناني.