Hero image

بين المسرح العربي وجمهوره

د. سامي عبداللطيف الجمعان

أبريل 28, 2026

شارك
هناك هوّةٌ، بل فجوةٌ يتسع قطرها يومًا بعد يوم بين المُنْتَج المسرحي والناس أو المجتمع وأفراده. بعبارةٍ أخرى؛ لم يعُد المسرح حاضرًا أو مؤثرًا في الجماهير، على نحو ما كان عليه، فقد بدأ المتابعون يلاحظون تراجع التفاعل الجماهيري مع العروض المسرحية، بل تكاسلهم عن الذهاب إلى المسرح الذي كان يشكّل في أجندة الجماهير سابقًا حدثًا أساسيًّا إن لم يكُن يوميًّا، فكيف حدثت هذه القطيعة؟ ومتى حدثت؟ ولماذا حدثت؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم نظرةً متأنية إلى طرفي الظاهرة: المسرح والجمهور.
 
مرّ المسرحُ ويمرّ بتحولات عديدة، بدءًا من مرحلة النشأة إلى مرحلة التماهي مع التراث، عبورًا بمرحلة تأصيل المسرح العربي، ثم مرحلة التجريب وما إلى ذلك من مراحل التحوّل. وهذه هي طبيعة كل نشاطٍ بشريٍّ، سواءً أكان اجتماعيًّا، أم سياسيًّا، أم ثقافيًّا، أم فنيًّا. والمسرح من الأنشطة الإبداعية التي تتأثر بالسياقات والظروف، إلا أن ارتباط نشأته وأصول تكوينه بالناس والمجتمع وثّق هذه العلاقة حتى أصبحت علاقةً ثنائية راسخة، تتأثر بغياب أحد طرفيها. وأسوأ حالاتها تتمثّل في غياب الجمهور، وفي انحسار حضوره عن أبي الفنون، وخصوصًا إذا ما سلّمنا أن المسرح ابنُ المجتمع، وأن نشأته كانت من الطقوس التي تؤديها المجتمعات. ومن هنا، فإن حديثنا في هذه المساحة سيكون عن تلك العلاقة، أو بالأحرى عن الحضور المجتمعي للمسرح، وعن أثر المسرح في مجتمعاتنا العربية، ولا سيَّما في ظل ما حدث للمسرح من تحولاتٍ أسهمت في تأطير شكل هذه العلاقة وتحديد مسافتها وحدودها، مما أدى إلى تبديل مراكز الثقل الفنيّ للمسرح، مقارنةً بغيره من الفنون والمستجدات.

لا يمكن مقارنة الحضور الجماهيري للمسرح في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وحتى ثمانينياته، بحضوره وتفاعله في التسعينيات وما بعدها.

تاريخ التباعد بين الطرفين 

يمكن تحديد تاريخ التباعد بين المسرح وجمهوره بفترة التسعينيات الميلادية وما بعدها؛ فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة الحضور الجماهيري للمسرح في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وحتى ثمانينياته، بحضوره وتفاعله في التسعينيات وما بعدها. ومع تسعينيات القرن العشرين لاحظنا الإرهاصات الأولى لتراجع التفاعل الجماهيري مع المسرح، تلاه تراجع في المستوى الفنيّ للمسرح وعروضه. وسنفنّد المسببات والعوامل المتعددة التي أدّت إلى هذا الانحسار الجماهيري والتراجع الفنيّ.

سننطلق من المواسم المسرحية التي كانت سمةً غالبةً على الفعل المسرحي العربي، فهناك حالة مسرحية تتابعية في الدول العربية تعتمد على الإنتاج المسرحي المستمر، أو كما يُسمى "الموسم المسرحي". والموسم المسرحي كفيل بتحقيق عدد من الضمانات لقوة المسرح، ومن أبرزها استمرارية المُنْتَج الذي يضمن للفنّان المسرحي حضوره المستمر وصقل أدواته الأدائية، كما يضمن ظهور المواهب الجديدة في كل عام، إضافةً إلى تراكم التجربة وتطورها. ولعلّ الأهم من ذلك كله، هو الجسر الممتد بين الجمهور المتلقي وفنّ المسرح؛ إذ يضرب الجمهور موعدًا سنويًّا مع النتاج المسرحي حتى يتحوّل إلى عادةٍ حياتية يومية. وبافتقاد الدول العربية لمواسمها المسرحية، ولا سيَّما في مصر وتونس والكويت والمغرب، فرغت الساحةُ من المسرح بوصفه فعلًا اجتماعيًّا يتسم بالديمومة.
 
العامل الثاني الذي أوجد هذا التراجع المسرحي، بشقيه الجماهيريّ والفنيّ، كان ذلك التطور الصادم للرقميات والثورة الإلكترونية، ومن تجلياتها الكبيرة ظهور تطبيقات التواصل الاجتماعي التي لا ينبغي تجاهل أثرها في حضور الفنون الحيّة عامةً، وعلى المسرح خاصة. وقد أبدى المسرحيون محاولةً للتوافق مع هذه الرقميات، حين سعوا لاستثمارها في عروضهم المسرحية. بَيْد أن هذا التفاعل لم يُعِد التواصل الجماهيري إلى سيرته الأولى؛ فانشغال الناس بصناعة محتوياتهم الشخصية، وتوفر وسائط تحقق الاكتفاء الذاتي من المشاهدة صنَعا عالمًا موازيًا لا يمكن إنكار جاذبيته وقوة تأثيره.
 
تحوّل ذائقة الناس

هناك عامل نلمسه بوجهٍ خاص ويمكننا أن نُطلق عليه عامل "التحوّل في ذائقة الناس". فذائقة الأجيال السابقة تختلف جذريًّا عن ذائقة الأجيال الجديدة التي شغلها شاغل عن المسرح وطقوسه التقليدية، فباتوا رهنًا للمنصات التلفزيونية الرقمية، بكل ما توفره من محتويات ترفيهية "حسب الطلب" عبر الإنترنت، وهي بحدّ ذاتها منصاتٌ تغنيك عن عناء الذهاب والتنقل، وتجعلك تحت سطوة إبهارها ودهشتها وجاذبيتها. فاستحالت معها عادة الذهاب إلى المسارح عبئًا على المتلقي أينما وُجد البديل الممتع. وإذا كانت الآثار السلبية للرقميات وبرامجها لطالما انعكست على السينما، بكل ما تحمله من جاذبيّة جماهيريّة طاغية، فكيف سيكون الأمر إذًا على المسرح؟
 

بنى المسرحيون حاجزًا كبيرًا بينهم وبين الجمهور، حين بدأ المسرح يتعالى على قضايا الناس ومشكلاتهم اليومية، بل يتجاهل ذائقة المتلقي بسواده الأعظم.

مسؤولية المسرحيين

نأتي الآن إلى عامل غاية في الأهمية، المسرحيّون أنفسهم، الذين وسّعوا الفجوة مع الجمهور المسرحي العربي. فقد بنى المسرحيون حاجزًا كبيرًا بينهم وبين الجمهور، حين بدأ المسرح يتعالى على قضايا الناس ومشكلاتهم اليومية، بل يتجاهل ذائقة السواد الأعظم منهم. فالمسرح الاجتماعي، على سبيل المثال، استُبدل به المسرحُ الأسود، الذي يسوده الغموض والحوارات الملغّزة، فضلًا عن الصراخ والضجيج. أمَّا المسرح الفكاهي، الذي يُعدّ أحد أسباب جذب الجماهير، فاستحال مسرحًا كئيبًا ثقيلًا على روح المتلقي، وهذا ما جاء تحت مسمّيات عديدة، كالمسرح التعبيري، والمسرح العبثي، والمسرح الأسود، وغير ذلك من المسارح التي لم يجد الجمهور فيها نفسه، ولا تطلعاته حتى وإن كانت هذه العروض تلبي حاجة المسرحيين أنفسهم، فيجدوا فيها مجالًا للإبداع، لكن ضريبتها كانت غاليةً جدَّا، وتمثّلت في انسحاب الجمهور بمفهومه الشعبي لا بمفهومه النخبوي من المسرح.
عامل المهرجانات والبُعد التجاري

وهناك عامل المهرجانات المسرحية، وهو عامل غاية في الأهمية. فمهرجانات المسرح على امتداد الوطن العربي أصبحت كثيرةً، وكثيرة للغاية، لكن أثرها في التنمية المسرحية ضئيل جدًّا. فالمهرجانات تستقبل عروضًا مسرحية لمدة أيام معدودة، ومن ثَمَّ، فحضورها في الغالب الأعم من النخبة. كما أن العروض المسرحيّة التي تجلب لهذه المهرجانات عروضًا تجريبيّةً لا يمكن أن تجذب المشاهد العادي، بل إن المسرحيين العرب تمادوا كثيرًا في تكريس هذا التوجّه الفنيّ النخبويّ، وكأن العروض المسرحية العربية لم تعُد تُنتَج إلا لحضور هذه المهرجانات، حتى ضربوا برغبات الجمهور عُرض الحائط. 

ولا يمكننا المرور على المسرح التجاري دون تساؤلٍ عن الأثر الذي تركه هذا النوع من العروض على العلاقة بين الجمهور والمسرح، وكذلك على مستوى الأعمال المسرحيّة. فبكل أسف، اتسعت مساحة الأعمال التجاريّة الهزيلة، فتحوّلت إلى مِعول هدمٍ لوظيفة المسرح وفاعليته الاجتماعيّة، إلى الحدّ الذي حوّل المسرح بكل ما يحمله من تاريخ عريق ومستوى فكريّ عظيم إلى مجرد شباك تذاكر لمسرحياتٍ ضعيفةٍ فنيًّا، ومتدنية في خطابها التربوي والأخلاقي، وتافهة في حسّها الكوميديّ، وهو ما جعل الأُسَر تبتعد عن المسرح، بل تحذر من الذهاب إليه خوفًا على أبنائها.

هكذا بِتنا أمام حالة مسرحيّة عربيّة تستلزم إعادة النظر في كل مظاهرها، فهي في حقيقتها غير صحية، وتقتضي تضافر الجهود كافةً. الجهات الحكومية المسؤولة عن هذا النشاط عليها مسؤولية كبيرة في دعم المسرح وانتشاله من الركود، وتوجيه بوصلته ليكون معول بناءٍ، مما يتطلب وضع خطط إستراتيجية مع تنفيذها بشيء من الحرص والدقة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقع على عاتق المسرحيين مسؤولياتٌ جسام على رأسها كسر الحواجز بين المسرح والجمهور، وذلك بالاقتراب من قضايا المجتمع واهتماماته، والتبسّط في صناعة العروض المسرحية كي تكون جاذبةً للناس. المجتمع يريد أن يرى نفسه ومشكلاته، ولا يريد للمسرح أن يغرّد بعيدًا عنها. وأهم من ذلك كله، أن يحمل المسرح هويته الخاصة على عاتقه، لينبض المسرح من جديد بتراثه الخاص وصيغه الإبداعيّة الخاصة؛ فبذلك يصنع المسرح قوة حضوره، ويبني قاعدةً جماهيريّة صلبة، ويحقق المنافسة الفنيّة المرجوة منه.
 

 

د. سامي عبداللطيف الجمعان: كاتب ومُخرج مسرحي سعودي.