Hero image

الثقوب السوداء

د. نضال قسوم

أبريل 30, 2026

شارك
على مدى عقود طويلة، ظلّت الثقوب السوداء موضوع أغرب النظريات التي عرفتها الفيزياء، بل العلوم بأسرها. فقد ظهرت قبل أكثر من قرنين بوصفها فكرةً مبدئية ترتبط بالجاذبية في الفضاء: ماذا لو كانت جاذبيةُ جُرمٍ ما قويةً إلى درجة لا تسمح للضوء بالخروج منه؟ سيكون جُرمًا مظلمًا أسود. ثم ظهرت الثقوب كحلول غريبة لمعادلات النسبية العامة التي وضعها ألبرت آينشتاين عام 1915م: "ثقب" في نسيج الزمكان، وهو أساس تلك النظرية. ثم تطورت الفكرة عبر أعمال عدد من الفيزيائيين. لكن مع رصانتها الرياضية، ظلّت هذه الثقوب لفترة طويلة فكرةً نظرية، ولم تتوفر وسائل للرصد والقياس والتحقق من خصائصها.

لسنوات طويلة، كانت الرسومات والأشكال الفنية الوسائلَ الوحيدة الممكنة لعرض مواصفات الثقوب السوداء. فقد كان العلماء يرسمون أقراصًا من الغاز المتساقط حول بقعة سوداء في المركز، ويشيرون إلى أن الجاذبية القوية في تلك المنطقة واحتكاك الغاز مع بعضه سيرفع درجة الحرارة، بحيث تنتج أشعة سينية أو أشعة في نطاقها قبل أن يصل الغاز إلى الثقب الأسود، ويكون رصد ذلك الإشعاع دليلًا غير مباشر على وجود ثقب أسود في المركز. لكن كل ذلك ظلّ، إلى حدّ بعيد، تخيّلًا علميًّا مدعومًا بالمعادلات لا بالصور الحقيقية.
 

ثم حدثت قفزة تاريخية في عام 2019م، عندما نشر مشروع "تلسكوب أفق الحدث" (Event Horizon Telescope) أول "صورة" ملتقطة (أو مستنتجة) لثقب أسود عملاق في قلب المجرة (M87) البعيدة. وللمرة الأولى، رأى البشر ظِلَّ ثقب أسود مُحاطًا بحلقة من الضوء القوي. وبعد ذلك بثلاث سنوات، في عام 2022م، جاءت الصورة الثانية لثقب أسود آخر: الثقب العملاق في مركز مجرتنا درب التبانة.

 
ولم تتوقف القصة عند الصور. فالعلماء اليوم يقتربون من خطوة جديدة أكثر إثارة: تحويل هذه الصور إلى فيديوهات تُظهر حركة المادة حول الثقب الأسود. وإذا تحقق ذلك، خلال السنة المقبلة، كما يتوقع قادة المشروع، فقد ننتقل من "تصوير" الثقوب السوداء، مع ما في ذلك من صعوبة وإنجاز تقني، إلى إنتاج أفلام قصيرة لما يحدث حول أحد أكثر الأجسام غرابة وإثارة في الكون.
فماذا يعني أن يتحول شيء، كان تخمينًا نظريًّا لقرون، إلى ظاهرة يمكن تصويرها ومشاهدة تغيّراتها من على بعد ملايين السنوات الضوئية؟
 

المصدر: وكالة الفضاء الأوروبية (ESA).

ماهية الثقوب السوداء وأنواعها

هناك ثلاثة أنواع من الثقوب السوداء: النجمية والعملاقة والبدائية.
الثقب الأسود النجمي هو الذي يتشكّل عندما ينهار قلب نجم كبير في نهاية حياته بسبب نفاد وقوده النووي. حينئذٍ تؤدي قوة الجاذبية في القلب إلى تقلّصه فتزداد الجاذبية بشدة حتى يصبح الضوء غير قادر على الإفلات منها. ولا يزيد قطر مثل هذا الثقب الأسود على عشرات الكيلومترات.

أمَّا الثقب الأسود العملاق، فهو الذي نعتقد أنه موجود في مراكز معظم – وربَّما كل – المجرات في الكون، وهو هائل، تبلغ كتلته من ملايين إلى مئات ملايين المرات من كتلة الشمس. ولا نعرف حتى الآن كيف تتشكل؛ ربما من اندماجات عديدة لثقوب سوداء نجمية وابتلاع النجوم المجاورة على مدى مليارات السنين. 
هذه الثقوب العملاقة صُوِّر اثنان منها حتى الآن، ويسعى العلماء إلى إنتاج فيديوهات لها هذه السنة. ويُراوح قطر مثل هذا الثقب العملاق بين مليارات ومئات مليارات الكيلومترات.

وأمَّا الثقوب السوداء البدائية، التي يُعتقد أنها تشكّلت في بدايات الكون، فهي صغيرة للغاية، بحجم ذرَّة أو أكبر، ولكنها ذات كتلة كبيرة (كتلة جبل أو أكثر)، لكن لم يحصل أي رصد يؤكد وجودها فعلًا.
يُسمّى مركز الثقب الأسود "نقطة التفرّد"، وهي نقطة نظرية تتنبأ بها المعادلات الفيزيائية؛ إذ تصل الكثافة فيها إلى ما لا نهاية. لكن كل ما بداخل الثقب الأسود غير متاح للرصد، وكل ما يمكننا الوصول إليه هو المنطقة المحيطة به، التي غالبًا ما تعجُّ بالمادة الملتهبة والمُشعّة بسبب الاحتكاكات والحرارة العالية. وتُعرف "حافة" الثقب الأسود، التي تفصل داخله عن خارجه، باسم "أفق الحدث".

ومن المهم تصحيح فكرة شائعة: فالثقوب السوداء ليست "مكانس كونية" تبتلع كل ما حولها. إنها ببساطة أجسام صغيرة نسبيًّا، وذات كتل كبيرة، وأحيانًا تمتلك شحنة كهربائية أو عزمًا دورانيًّا، وتخضع لقوانين فيزيائية محددة، شأنها شأن أي جسم آخر في الكون، وإن كان ذلك في ظروف أكثر تطرفًا.
 

المصدر: وكالة استكشاف الفضاء اليابانية "جاكسا" (JAXA).

تاريخ مختصر للثقوب السوداء

تعود الفكرة الأولى لهذه الأجرام إلى أواخر القرن الثامن عشر. ففي عام 1783م، اقترح الفيلسوف والعالم البريطاني جون ميتشل فكرة "النجوم المظلمة"، وهي أجرام ذات جاذبية قوية إلى درجة أن الضوء لا يستطيع الخروج منها. وبعده بسنوات قليلة ناقش الفلكي الفرنسي بيير - سيمون لابلاس فكرة مشابهة. لكن هذه التصورات بقيت ضمن إطار الفيزياء الكلاسيكية ولم تحظَ باهتمام كبير آنذاك.

ثم جاء التحوُّل الحاسم مع نظرية النسبية العامة لآينشتاين عام 1915م؛ إذ توصل الفيزيائي الألماني كارل شوارزتشيلد إلى أول حل دقيق لمعادلات هذه النظرية، وأظهر أنها تسمح بوجود مناطق في الزمكان يصبح فيها الانحناء لا نهائيًّا، فهي إذًا "ثقوب". أمَّا مصطلح "الثقب الأسود" نفسه، فقد صاغه الفيزيائي الأمريكي جون ويلر عام 1967م، ومنذ ذلك الحين أصبح الاسم المعتمد في الفيزياء.
ومع ذلك، ظلّت الثقوب السوداء لعقود طويلة موضع شك؛ إذ ليست كل الحلول الرياضية لمعادلات الفيزياء موجودة فعلًا في الطبيعة. 

بدأت الإجابة تتضح في الستينيات عندما اكتُشفت أنظمة نجمية ثنائية تصدر أشعة سينية بتدفقات قوية. في هذه الأنظمة يدور نجم عادي حول جسم غير مرئي عالي الكتلة، وفسّر العلماء هذه الظاهرة على أنها مادة تسقط من النجم العادي نحو ثقب أسود فتسخن وتصدر أشعة سينية قوية.
 
وفي تسعينيات القرن العشرين، ظهر دليل أقوى؛ فقد رصد الفلكيون مدارات نجوم تدور بسرعات هائلة حول نقطة غير مرئية في مركز مجرتنا درب التبانة. وأظهرت القياسات أن هذه النجوم تدور حول جسمٍ كتلته أكبر من كتلة الشمس بملايين المرات، وهو ما يُعرف اليوم بالثقب الأسود (Sgr A*).
 
ثم جاء تأكيد آخر مذهل في عام 2015م، عندما رصد مشروع "لايغو" أول موجات ثقالية ناتجة عن اندماج ثقبين أسودين. لم يكُن هذا الاكتشاف دليلًا على وجود الثقوب السوداء فحسب، بل برهانًا مباشرًا على أن هذه الأجسام يمكن أن تندمج وتُطلق طاقة هائلة في شكل تموجات في نسيج الزمكان.

وأخيرًا، دخلنا عصر الصور المباشرة. فقد تمكن مشروع "تلسكوب أفق الحدث" من تصوير الثقب الأسود العملاق في المجرة (M87)، مستخدمًا بيانات جُمعت على مدى سنوات. ونُشرت أول صورة عام 2019م، ثم تبعتها صور أخرى من بيانات إضافية. ومع تطور التقنيات، تمكن العلماء من رصد تغيّرات في محيط الثقب الأسود في مركز مجرتنا، من قطعة غازية ساخنة تدور قرب أفق الحدث بنحو ثلث سرعة الضوء.
 

تَطلَّب التقاط الصورة الواحدة لثقب أسود عمل شبكة عالمية من المراصد الفلكية تعادل في قوتها تلسكوبًا بقطر نصف الأرض، وشبهه البعض بتصوير تفاحة على سطح القمر.

تصوير الثقوب السوداء منذ 2019م

كان تصوير الثقب الأسود العملاق عام 2019م إنجازًا علميًّا مدهشًا؛ إذ تطلّب تعاونًا عالميًّا وتقنيات غير مسبوقة في رصد البيانات ومعالجتها.
فـ"تلسكوب أفق الحدث" ليس تلسكوبًا واحدًا، بل شبكة عالمية من المراصد الراديوية المنتشرة في قارات عديدة، وتعمل بتقنية "التداخل بقاعدة طويلة جدًّا"؛ إذ تُجمع إشارات الراديو القادمة من الفضاء بواسطة مراصد تفصل بينها آلاف الكيلومترات، وتُدمج لاحقًا كما لو كانت تلسكوبًا واحدًا بقطر نصف الأرض. هذه التقنية تسمح بالرصد بدقة خارقة للعادة، تُشبَّه أحيانًا بالقدرة على تصوير تفاحة على سطح القمر.

ولم يقتصر التحدي على الرصد وحده، بل شمل أيضًا معالجة البيانات. فقد جمع المشروع بيتابايتات عديدة من البيانات نُقلت إلى كمبيوترات فائقة السرعة تستخدم خوارزميات معقّدة جدًّا. وشارك في هذا الجهد مئات العلماء من عشرات المؤسسات حول العالم، واستغرق العمل سنواتٍ من المعايرة الدقيقة والتحليلين الرقمي والفيزيائي.

كانت الصورة الأولى لثقب أسود عملاق في مركز المجرة (M87)، تبلغ كتلته نحو 6.5 مليارات كتلة الشمس، ويبعد عنا 55 مليون سنة ضوئية، وكان أسهل للرصد من نظيره في مركز مجرتنا؛ لأنه كبير جدًّا ويتغير ببطء.
أمَّا الثقب الأسود في مجرتنا، والمعروف باسم (Sgr A*)، فهو أصغر بكثير، بكتلةٍ تقارب 4 ملايين كتلة شمسية، لكنه أقرب إلينا بمسافة 26 ألف سنة ضوئية. غير أنه ديناميكي متغيّر بسرعة (نسبيًّا)، مما جعل تصويره أكثر صعوبة.
 

المصدر: مجموعة مركز المجرة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA Galactic Center Group).

الأهمية العلمية لهذه الصور

قد يبدو تحويل صور الثقوب السوداء إلى فيديوهات مجرد إنجاز تقني مثير، لكنه في الـواقع يحمل أهمية علمية كبيرة. فهذه الأرصاد تتيح للعلماء دراسة الجاذبية في أقصى ظروفها المعروفة في الكون.
لقد تنبأت نظرية النسبية العامة، المُعتمَدة اليوم لدى كل الفيزيائيين، بالثقوب السوداء ومواصفات الزمكان حولها، ومع هذه الصور والفيديوهات الدقيقة، أصبح بالإمكان تَفحُّص هذه التنبؤات بدقٍة أكبر.
كما تسمح هذه الأرصاد بقياس دوران الثقوب السوداء، وهو عاملٌ مهمٌّ في فهمها وكيفية تفاعلها مع المادة المحيطة بها. ومن خلال دراسة جوانبها المختلفة، يستطيع العلماء فهم الدور الذي تؤديه الثقوب السوداء في تطوُّر المجرات. 
لهذا، لم تَعُد الثقوب السوداء مجرد فكرة غريبة في كتب الفيزياء النظرية، بل أصبحت مادة بحث في مختبرات فلكية وكونية تتيح لنا دراسة القوانين الأساسية للطبيعة في أكثر البيئات حدّةً.
 

 

د. نضال قسوم: فيزيائي فلكي وكاتب جزائري.