يؤكد الناقد التونسي علي السيّاري في هذا الكتاب ضرورة أن تُعالِج الكتابةُ الأدبية غرابة الواقع في حدِّ ذاته؛ ما دام من وظائف الأدب الأساسية السعي نحو تحقيق سعادة الإنسان وتفسير العالم له. وحتى لو عالَجَ هذا الأدب موضوعات تتأسَّس على عوالِم خيالية، فإنه يجب ألّا يحدث ذلك، كما يكتب، من "باب الترف الإبداعي" أو البحث عن جماليات يبحث عنها نوعٌ بعينه من القرَّاء، بل يجب أن ينشغل أساسًا بتفكيك الواقع الإنساني الذي تتفاقَم مآسيه على نحوٍ مخيفٍ مع ازدياد وتيرة الحروب والتهجير والأوبئة والتجويع، ونزع الغرابة عنه عبر معالجته إبداعيًّا وثقافيًّا. وهكذا، ليس ثمَّة "غرابة يمكن أن يُوظِّفها الروائي في كتاباته السرديَّة أكثر من غرابة هذا الواقع نفسه الذي نحياه ونعيشه"، والذي يفيض بـ"مظاهر اللامعقول واللامنطق" كافة. وهنا يأتي الدور الرئيس للروائي، كما يتصوَّرُه المؤلف، الذي يتمثَّل في التقاط الأسرار الغامضة والرموز داخل دائرة الواقع وتحويلها إلى مجال السرد عبر استخدام اللغة والعلامات والتخييل.
وفي هذا السياق، تأتي فصول الكتاب الخمسة لتضمَّ مجموعةً من المقالات المترابطة تناقش وتُحلِّل مجموعةً من النماذج المتنوعة من الروايات، العالمية تحديدًا، للوقوف على الطريقة التي انتهجها الكتاب للمزج بين المُتخيَّل والواقعي، وكذلك التعرُّف إلى ما يلجأ إليه بعضُهم أحيانًا حين ينتهجون أساليب إبداعية تُحلِّق بعيدًا عن مفردات الحياة اليومية الواقعية لتسبح في فضاءاتٍ مُمعِنةٍ في الخيال؛ فينشئون عوالِم متناقضة كليًّا مع المعقول والمعتاد، وتتعارض تمامًا مع الواقع الفعلي أو حتى الممكن.
ويشرح المؤلف في هذه الفصول تقنيات عوالم السرد العجائبي بنوعيه الكلاسيكي والحديث، مؤكدًا أن السرد العجائبي الحديث ينتظر من القارئ أن يكون مشاركًا وفاعلًا في العملية الإبداعية بالبحث عن تأويلات مختلفة للمضمون الإبداعي؛ لأنه سرد يعتمد أساسًا على لعبة التضليل والغموض والتشويق، كما في الروايات البوليسية. وهو، من منظور أعم وأكثر شمولًا، سردٌ بمقدوره الغوص في أعماق النفس الإنسانية لمعالجة الظواهر النفسية والاجتماعية، مثل الجنون والتسكع والعزلة.
ويوضح علي السيّاري أن حبكات هذه العوالم السرديَّة تضمُّ أيضًا ما يُعرَف بالأطياف، ويميز فيها بين أطياف الفراغ المتعلقة بالسرد العجائبي القديم حين تحضر الغابة والقلاع والصحاري، وحيث يكون الخواء فيها هو البطل، وحيث توظف الخرائب والمباني المهجورة وأرواح الموتى في عملية القص؛ وأطياف أخرى هي أطياف الامتلاء الخاصة بالسرد العجائبي الحديث، الأكثر ملاءمةً لمعالجة غرابة الواقع المعاصر، التي ينطبق عليها مفهوم "الغرابة المقلقة" التي تحدَّث عنها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد. وهذا المفهوم ينسحب، بحسب أبرز تعريفاته الواردة بالكتاب، على أي "مجال يتعلق بكل ما يثير القلق والهلع والرعب، ويبعث عليه"، وهو المجال الذي صارت ظواهره تُمثِّل جزءًا من الواقع. وتتجلى هذه الأطياف فيما طرأ على العقل الإنساني من انحرافات ضاعفت من معاناته واغترابه، وهي تُثير الفزع عمومًا، وتتعلق بالمدينة وبحاضر سكانها ومستقبلهم. تلك المدينة المعاصرة التي تُرادِف معنى الازدحام، وتتدفق فيها المنتجات الاستهلاكية والصناعية، وتنتصب بها المباني الشاهقة التي تفيض بحشود الناس "التي تَرى دون أن تُرى".
وفي هذا السياق، تأتي فصول الكتاب الخمسة لتضمَّ مجموعةً من المقالات المترابطة تناقش وتُحلِّل مجموعةً من النماذج المتنوعة من الروايات، العالمية تحديدًا، للوقوف على الطريقة التي انتهجها الكتاب للمزج بين المُتخيَّل والواقعي، وكذلك التعرُّف إلى ما يلجأ إليه بعضُهم أحيانًا حين ينتهجون أساليب إبداعية تُحلِّق بعيدًا عن مفردات الحياة اليومية الواقعية لتسبح في فضاءاتٍ مُمعِنةٍ في الخيال؛ فينشئون عوالِم متناقضة كليًّا مع المعقول والمعتاد، وتتعارض تمامًا مع الواقع الفعلي أو حتى الممكن.
ويشرح المؤلف في هذه الفصول تقنيات عوالم السرد العجائبي بنوعيه الكلاسيكي والحديث، مؤكدًا أن السرد العجائبي الحديث ينتظر من القارئ أن يكون مشاركًا وفاعلًا في العملية الإبداعية بالبحث عن تأويلات مختلفة للمضمون الإبداعي؛ لأنه سرد يعتمد أساسًا على لعبة التضليل والغموض والتشويق، كما في الروايات البوليسية. وهو، من منظور أعم وأكثر شمولًا، سردٌ بمقدوره الغوص في أعماق النفس الإنسانية لمعالجة الظواهر النفسية والاجتماعية، مثل الجنون والتسكع والعزلة.
ويوضح علي السيّاري أن حبكات هذه العوالم السرديَّة تضمُّ أيضًا ما يُعرَف بالأطياف، ويميز فيها بين أطياف الفراغ المتعلقة بالسرد العجائبي القديم حين تحضر الغابة والقلاع والصحاري، وحيث يكون الخواء فيها هو البطل، وحيث توظف الخرائب والمباني المهجورة وأرواح الموتى في عملية القص؛ وأطياف أخرى هي أطياف الامتلاء الخاصة بالسرد العجائبي الحديث، الأكثر ملاءمةً لمعالجة غرابة الواقع المعاصر، التي ينطبق عليها مفهوم "الغرابة المقلقة" التي تحدَّث عنها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد. وهذا المفهوم ينسحب، بحسب أبرز تعريفاته الواردة بالكتاب، على أي "مجال يتعلق بكل ما يثير القلق والهلع والرعب، ويبعث عليه"، وهو المجال الذي صارت ظواهره تُمثِّل جزءًا من الواقع. وتتجلى هذه الأطياف فيما طرأ على العقل الإنساني من انحرافات ضاعفت من معاناته واغترابه، وهي تُثير الفزع عمومًا، وتتعلق بالمدينة وبحاضر سكانها ومستقبلهم. تلك المدينة المعاصرة التي تُرادِف معنى الازدحام، وتتدفق فيها المنتجات الاستهلاكية والصناعية، وتنتصب بها المباني الشاهقة التي تفيض بحشود الناس "التي تَرى دون أن تُرى".
أبعد من السرد: حفريات في التضليل والغرابة والأطياف
تأليف: علي السيّاري
الناشر: نينوى، 2025م
