
لا تشكّل الحاجات الأوليّة في حياة الإنسان سوى لحظاتٍ عابرةٍ قد تشير إلى مُعطى بيولوجيٍّ ثابتٍ يتكرر من خلال وجوده في الطبيعة، ولكن لا يمكنها أن تستوعب كامل كينونته في الوجود؛ فالأصل فيه هو ما تقوله جزئيات السلوك اليوميّ؛ أي ما يُصنّف عادةً ضمن "الثقافة"، فهي التي ترقى به إلى مراتب الإنسانيّة.
السلوك الثقافيّ نقيض لحسيّة الطبيعة وإكراهاتها، أو هو "سلسلة من التحديدات المضافة المفروضة قسرًا على السلوك الطبيعيّ للكائن البشري"، بحسب لوتمان. فمعظم سلوكيات الإنسان هي في جوهرها حاجات طبيعيّة، ولكنّها تتحول إلى وظيفة ثقافيّة حين تندرج ضمن علاقات اجتماعيّة تحتكم إلى المُباح والمحظور وما تُجيزه الجماعة أو تستنكره. إنّنا نضع، من خلال هذه المحددات، "إكليلًا من الزهور" على قيودنا، بحسب تعبير روسو.
السلوك الثقافيّ نقيض لحسيّة الطبيعة وإكراهاتها، أو هو "سلسلة من التحديدات المضافة المفروضة قسرًا على السلوك الطبيعيّ للكائن البشري"، بحسب لوتمان. فمعظم سلوكيات الإنسان هي في جوهرها حاجات طبيعيّة، ولكنّها تتحول إلى وظيفة ثقافيّة حين تندرج ضمن علاقات اجتماعيّة تحتكم إلى المُباح والمحظور وما تُجيزه الجماعة أو تستنكره. إنّنا نضع، من خلال هذه المحددات، "إكليلًا من الزهور" على قيودنا، بحسب تعبير روسو.

المقابلة بين الطبيعة والثقافة
ليس غريبًا أن يُقابِل الفلاسفةُ بين "الطّبيعة" و"الثقافة". فقد كانت الأُولى في تصوّرهم مُعطًى سابقًا على وُجُود الإنسان. أمَّا الثانية فتمثّل أشكال التوسّط بينه وبين عالمه الخارجيّ، فهي أساسُ مقامه في الأرض. لقد تعلّم الإنسان من خلالها كيف يدبّر قلقه وهواجسه وخوفه من المجهول، وتعلّم كيف يلبس ويأكل، وكيف يوازن بين عوالم الأعلى والأسفل، وبين اليمين واليسار، ويفرّق بين السلميّات في الحرارة والبرودة. وتعلّم أيضًا كيف يميّزُ بين الألوان والأشكال ويحدّدُ وقعَها على وجدانه. وضمن أشكال التوسّط هذه، ابتدع اللّغة فأودع العالم داخلها، فصارت هي الدلِيلَ على وجودِ واقعٍ "مزيدٍ ومعدّلٍ" يتسرّب إلى ذاكرة المتكلّم والرّائي والسّامع.
إنّنا بذلك نتعلم من خلال الثقافة كيف ننتمي إلى الزمنيّة الإنسانية، فهي الشاهد الوحيد على شكل حضورنا في الفضاء العمومي. نحنُ جزءٌ من الطبيعة في الظّاهر فقط. أمَّا في حقيقتنا، فنحن حاصل التّمثيل الرمزي المُضاف بكل واجهاته. إننا نقبل ونرفض ونذهب إلى الآخر بالثقافة لا بطاقة "الطبيعي" فينا. فانفعالات النّاس وأهواؤهم ورغباتُهم وأحلامهم تنتشر في سلوكهم وأنماط عيشهم، كما هي مودعةٌ في طقوسهم ولباسهم وأشيائهم أيضًا. فنحن "كائنات ثقافيّة"؛ أي كائنات محددة بما يمكن أن يأتي به سلوكنا وممارساتنا. فليس هناك من محددات سابقة على وجودنا في الثقافة. إنّ الهوية نفسها تُبنى على مستوى "تفاصيل" الثقافة لا على ما تقوله تعاليم الانتماءات الكبرى أو "حقائق" العلم عنها. فكونيات العلم لا يمكن أن تغطي على خصوصية الثقافة.
ليس غريبًا أن يُقابِل الفلاسفةُ بين "الطّبيعة" و"الثقافة". فقد كانت الأُولى في تصوّرهم مُعطًى سابقًا على وُجُود الإنسان. أمَّا الثانية فتمثّل أشكال التوسّط بينه وبين عالمه الخارجيّ، فهي أساسُ مقامه في الأرض. لقد تعلّم الإنسان من خلالها كيف يدبّر قلقه وهواجسه وخوفه من المجهول، وتعلّم كيف يلبس ويأكل، وكيف يوازن بين عوالم الأعلى والأسفل، وبين اليمين واليسار، ويفرّق بين السلميّات في الحرارة والبرودة. وتعلّم أيضًا كيف يميّزُ بين الألوان والأشكال ويحدّدُ وقعَها على وجدانه. وضمن أشكال التوسّط هذه، ابتدع اللّغة فأودع العالم داخلها، فصارت هي الدلِيلَ على وجودِ واقعٍ "مزيدٍ ومعدّلٍ" يتسرّب إلى ذاكرة المتكلّم والرّائي والسّامع.
إنّنا بذلك نتعلم من خلال الثقافة كيف ننتمي إلى الزمنيّة الإنسانية، فهي الشاهد الوحيد على شكل حضورنا في الفضاء العمومي. نحنُ جزءٌ من الطبيعة في الظّاهر فقط. أمَّا في حقيقتنا، فنحن حاصل التّمثيل الرمزي المُضاف بكل واجهاته. إننا نقبل ونرفض ونذهب إلى الآخر بالثقافة لا بطاقة "الطبيعي" فينا. فانفعالات النّاس وأهواؤهم ورغباتُهم وأحلامهم تنتشر في سلوكهم وأنماط عيشهم، كما هي مودعةٌ في طقوسهم ولباسهم وأشيائهم أيضًا. فنحن "كائنات ثقافيّة"؛ أي كائنات محددة بما يمكن أن يأتي به سلوكنا وممارساتنا. فليس هناك من محددات سابقة على وجودنا في الثقافة. إنّ الهوية نفسها تُبنى على مستوى "تفاصيل" الثقافة لا على ما تقوله تعاليم الانتماءات الكبرى أو "حقائق" العلم عنها. فكونيات العلم لا يمكن أن تغطي على خصوصية الثقافة.
وبذلك، كانت الثقافة ترويضًا للغرائز والظواهر الطبيعيّة، وهي أيضًا أنسنة للأشياء في الوقت نفسه. إنها عبر ذلك كلّه "تهذيبٌ" للمُدرك الخارجي من أجل استيعابه ضمن "أشكالٍ رمزيّةٍ" هي وحدها ما يحقُّ لها ادّعاء صفة الوجود. فمن لا يُسمّى ولا يخضع للوصف والتصنيف والتمييز والعزل، يظلّ موجودًا خارج إكراهات الأنساق ومفصولًا عنها؛ أي موجودًا خارج ممكنات الثقافة. فهذا المُضاف هو ما يـمدّنا بسلسلة من المصافي التي تتوسط إدراكنا لأنفسنا وللآخرين ولمحيطنا، ووفقه أيضًا تتبلور صورة "الحقيقة" "والواقع" في أنفسنا.
وهو ما يعني أن الوظيفة الثقافية كانت أيضًا تدبيرًا لحالات الرقابة الذاتيّة والمحظورات الاجتماعيّة، وتلك ميزتها المركزيّة. فالمحظور في حياة النّاس ليس دائمًا حدًّا من ممكناتهم في السلوك أو الاعتقاد أو تقليصًا لمداها، بل هو، في حالات التعاقد الاجتماعي خاصةً، انتماءٌ "عفويّ" لنظام أخلاقيّ يرتكز على ما يمكن أن يستقيم ضمن وقائع التواصل الاجتماعيّ بكل واجهاته الثقافيّة، أو هو تنازل طوعيّ عن جزء من حريّتنا من أجل الانتماء إلى دائرة ثقافيّة بعينها. فقد نختار الصمت على الضلال خوفًا من خيانة أهلنا؛ ولذلك "كان الولاء مقولةً أخلاقيّةً، أمَّا الحقيقة فمقولةٌ نظريّةٌ"، كما يقول أومبيرتو إيكو.
وهو ما يعني أن الوظيفة الثقافية كانت أيضًا تدبيرًا لحالات الرقابة الذاتيّة والمحظورات الاجتماعيّة، وتلك ميزتها المركزيّة. فالمحظور في حياة النّاس ليس دائمًا حدًّا من ممكناتهم في السلوك أو الاعتقاد أو تقليصًا لمداها، بل هو، في حالات التعاقد الاجتماعي خاصةً، انتماءٌ "عفويّ" لنظام أخلاقيّ يرتكز على ما يمكن أن يستقيم ضمن وقائع التواصل الاجتماعيّ بكل واجهاته الثقافيّة، أو هو تنازل طوعيّ عن جزء من حريّتنا من أجل الانتماء إلى دائرة ثقافيّة بعينها. فقد نختار الصمت على الضلال خوفًا من خيانة أهلنا؛ ولذلك "كان الولاء مقولةً أخلاقيّةً، أمَّا الحقيقة فمقولةٌ نظريّةٌ"، كما يقول أومبيرتو إيكو.

ما تشمله الثقافة
استنادًا إلى ما تقدّم، كانت الثقافة شاملةً لمعارف الإنسان ومعتقداته وعاداته وتقاليده، وأنماط عيشه وخبراته؛ إذ يُصنّف ضمنها الفنُّ والحِرَف ومُجمل الصّنائعِ التي أوْدعَها الإنسان تصوّراته عن الحياة والـموتِ وإكراهاتِ العيشِ اليوميِّ.
لقد امتلك الإنسان من خلال الثقافة القُدرةَ على التّأثير في محيطه وتسْخيرِه لغاياتٍ أخرى غَير غايات البقاء ضمن محيطٍ صامتٍ. فـ"الكلام" الثقافيّ هو الذي حوّل الإنسان إِلى كائنٍ يعي وُجودَه ويعي وجود الآخرين ووجود المحيطِ في الوقت نفسه. إنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتساءل عن كيْنونته ويضعها ضمن ممكّنات الثقافة خارج الفيض الطبيعي. وهو لا يحقّق كينونته ضمن إنسانيةٍ "مجرّدةٍ"، بل داخل محددات ثقافيّة معلومة. وهذا معناه أن وقائع وجودنا لا تتحقق في عراءٍ أو داخل فضاء بلا ذاكرةٍ، بل هي في الأصل مضامين دلاليّة من طبيعةٍ غامضةٍ لا تقودُنا دائمًا إلى الكشف عن جوهر الأشياءِ كما نتوهم، بل هي ما ينقلها في الغالب إلى عوالم "المستهام" والغريب والملتبس.
استنادًا إلى ما تقدّم، كانت الثقافة شاملةً لمعارف الإنسان ومعتقداته وعاداته وتقاليده، وأنماط عيشه وخبراته؛ إذ يُصنّف ضمنها الفنُّ والحِرَف ومُجمل الصّنائعِ التي أوْدعَها الإنسان تصوّراته عن الحياة والـموتِ وإكراهاتِ العيشِ اليوميِّ.
لقد امتلك الإنسان من خلال الثقافة القُدرةَ على التّأثير في محيطه وتسْخيرِه لغاياتٍ أخرى غَير غايات البقاء ضمن محيطٍ صامتٍ. فـ"الكلام" الثقافيّ هو الذي حوّل الإنسان إِلى كائنٍ يعي وُجودَه ويعي وجود الآخرين ووجود المحيطِ في الوقت نفسه. إنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتساءل عن كيْنونته ويضعها ضمن ممكّنات الثقافة خارج الفيض الطبيعي. وهو لا يحقّق كينونته ضمن إنسانيةٍ "مجرّدةٍ"، بل داخل محددات ثقافيّة معلومة. وهذا معناه أن وقائع وجودنا لا تتحقق في عراءٍ أو داخل فضاء بلا ذاكرةٍ، بل هي في الأصل مضامين دلاليّة من طبيعةٍ غامضةٍ لا تقودُنا دائمًا إلى الكشف عن جوهر الأشياءِ كما نتوهم، بل هي ما ينقلها في الغالب إلى عوالم "المستهام" والغريب والملتبس.
فما يقوله الإنسان عن نفسه وما يحتمي به، باعتباره واجهةً عقديّةً قد تُجنّبه "نار العقاب" أو تقيه "شرّ الأحكام الاجتماعيّة"، أو باعتباره واجهةً تُحدّد عرقه أو طائفته ومذهبه، ليس في واقع الأمر سوى "قناعٍ" تختفي وراءه أشكال سلوكية "أرضية" شوّهتها التقاطعات الكبيرة بين أحكامٍ مسبقةٍ ميزتُها الثبات في الزمن، وبين إفرازات سلوك متطوّر في الثقافة. فكما أن اللغة هي كينونة الإنسان وبيته، كما يرى هايدغر، وهي امتداده في الآخر أيضًا، فإن أشياءه وطقوسه هي الواجهة الماديّة لهذه الكينونة.
لذلك، لا نستلهم من وجودنا الماديّ سوى الواجهات التي تغطيها القيم المضافة، فهي وحدَها ما يستوطن الذاكرة. أمَّا ما يتبقى بعد ذلك، فتتكفّل به الطبيعة وتعيد إنتاجه ضمن دورتها اللامتناهيّة. واستنادًا إلى هذه القيم، تتناسل كثير من الممارسات والطقوس التي لا يربطها في غالب الأحيان أيُّ رابطٍ بما نسميه العالم "الواقعي". قد يتعلق الأمر برموز صريحة استودعها الإنسان قيمًا وأحكامًا ورغباتٍ غامضة، أو هو لاشعورٌ عميقٌ تشكّل في غفلةٍ من الإنسان نفسه، فاستنسخ منه كتلًا انفعاليّة استوطنت أساطيره وحكاياته.
لقد استبطن الناس من خلال الإرث الثقافيّ طرقًا في عدّ الزمن وتحديد المسافات، واستقبال الضيف، وصد الغريب والمتطفل والفضولي. ومن خلاله أيضًا استبطنوا معايير يستندون إليها من أجل الحكم على ما يصدر عن الآخرين. وذاك ما شكّل عندهم "استعدادات عفويّة" أطلق عليها بورديو "الهابوتوس".
لذلك، لا نستلهم من وجودنا الماديّ سوى الواجهات التي تغطيها القيم المضافة، فهي وحدَها ما يستوطن الذاكرة. أمَّا ما يتبقى بعد ذلك، فتتكفّل به الطبيعة وتعيد إنتاجه ضمن دورتها اللامتناهيّة. واستنادًا إلى هذه القيم، تتناسل كثير من الممارسات والطقوس التي لا يربطها في غالب الأحيان أيُّ رابطٍ بما نسميه العالم "الواقعي". قد يتعلق الأمر برموز صريحة استودعها الإنسان قيمًا وأحكامًا ورغباتٍ غامضة، أو هو لاشعورٌ عميقٌ تشكّل في غفلةٍ من الإنسان نفسه، فاستنسخ منه كتلًا انفعاليّة استوطنت أساطيره وحكاياته.
لقد استبطن الناس من خلال الإرث الثقافيّ طرقًا في عدّ الزمن وتحديد المسافات، واستقبال الضيف، وصد الغريب والمتطفل والفضولي. ومن خلاله أيضًا استبطنوا معايير يستندون إليها من أجل الحكم على ما يصدر عن الآخرين. وذاك ما شكّل عندهم "استعدادات عفويّة" أطلق عليها بورديو "الهابوتوس".
“
احترام رؤية الآخر تقتضي قدرة الذات على التشكيك فيما تقوله ثقافتها، ولكل الثقافات حقٌّ في الوجود، شرط ألا تتناقض مع ما يُصنّف ضمن القيم الكونيّة.
وهم الاعتقاد بسمو الثقافة الخاصة
قد تكون هذه الاستعدادات هي التي أوهمت الكثيرين بالاعتقاد في سمو ثقافتهم، فهي في تصوّرهم الأساس الذي يرتكز عليه "الكونيّ" و"الإنسانيّ" (ومثال ذلك، شعارات الحملات الاستعمارية في إفريقيا التي ادّعت الإسهام في تحضّر "المتوحشين" الذين لا يعرفون أي شيء عن السيد المسيح).
إن حكايات الفرنسيّين مع الضّفادع معروفةٌ، وحكايات الصّينيين مع الأفاعي معروفةٌ أيضًا. ولكن حكاياتِنا مع كِرْشِ الخروف وأمعائه ورأسه وحوافرِه معروفة أيضًا.
تصفُ حكايات الآخرين في تصوّرنا سلوكًا "همجيًّا" يحطّ من قيمة الإنسان. أمَّا حكاياتُنا، فهي جُزء من سلوك غذائيّ "طبيعيّ". والحاصل أن نمط سرد وقائع هذه الطقوس هو ما يُشكّل حقًّا أصالة هذا السلوك أو ذاك. والحال أن التعميم في حالات السلوك لا يتحدّد من خلال الخصوصيّة الثقافية، فنحن لا نتعرّف إلى الفرد من خلال ما يخصّصه، بل من خلال ما هو مشترك بينه وبين الآخرين، وذاك هو أساس العيش المشترك.
قد تكون هذه الاستعدادات هي التي أوهمت الكثيرين بالاعتقاد في سمو ثقافتهم، فهي في تصوّرهم الأساس الذي يرتكز عليه "الكونيّ" و"الإنسانيّ" (ومثال ذلك، شعارات الحملات الاستعمارية في إفريقيا التي ادّعت الإسهام في تحضّر "المتوحشين" الذين لا يعرفون أي شيء عن السيد المسيح).
إن حكايات الفرنسيّين مع الضّفادع معروفةٌ، وحكايات الصّينيين مع الأفاعي معروفةٌ أيضًا. ولكن حكاياتِنا مع كِرْشِ الخروف وأمعائه ورأسه وحوافرِه معروفة أيضًا.
تصفُ حكايات الآخرين في تصوّرنا سلوكًا "همجيًّا" يحطّ من قيمة الإنسان. أمَّا حكاياتُنا، فهي جُزء من سلوك غذائيّ "طبيعيّ". والحاصل أن نمط سرد وقائع هذه الطقوس هو ما يُشكّل حقًّا أصالة هذا السلوك أو ذاك. والحال أن التعميم في حالات السلوك لا يتحدّد من خلال الخصوصيّة الثقافية، فنحن لا نتعرّف إلى الفرد من خلال ما يخصّصه، بل من خلال ما هو مشترك بينه وبين الآخرين، وذاك هو أساس العيش المشترك.

فالإنسان في نهاية الأمر "كائن أخلاقي"، وفقًا لجون رولز، وأخلاقيته هي التي تذهب به إلى الآخر وفق كونيات إنسانيّة لا استنادًا إلى حاضن ثقافي يميزه عنه. فلا وجود لثقافة، إلا في النادر، تبلورت وتطوّرت بمعزلٍ عن الثقافات الأخرى.
إن احترام رؤية الآخر تقتضي قدرة الذات على التشكيك فيما تقوله ثقافتها، والاعتراف بأن الثقافة تتشكّل من حيث نسبيّتها الناتجة عن زمنيّة السلوك وطبيعة التعاقدات الاجتماعيّة. هذا التنوُّع يؤكد حقَّ كل الثقافات في الوجود، شرط ألا تتناقض مع ما يُصنّف ضمن "القيم الكونيّة"، أو ما يمكن أن يناهض "الضمير الإنساني"، بوصفه واحدًا في ذاته، ولكنّه متعدد في السلوك الثقافي. يقول ليفي شتراوس: "أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ما هو شعورها بالعزلة". فمن حقّنا أن نأخذ، ولكن علينا أن نتعلم كيف نعطي أيضًا؛ علينا أن نتخلى عن جزءٍ منا لكي ننتمي إلى الكونيّ.
إن احترام رؤية الآخر تقتضي قدرة الذات على التشكيك فيما تقوله ثقافتها، والاعتراف بأن الثقافة تتشكّل من حيث نسبيّتها الناتجة عن زمنيّة السلوك وطبيعة التعاقدات الاجتماعيّة. هذا التنوُّع يؤكد حقَّ كل الثقافات في الوجود، شرط ألا تتناقض مع ما يُصنّف ضمن "القيم الكونيّة"، أو ما يمكن أن يناهض "الضمير الإنساني"، بوصفه واحدًا في ذاته، ولكنّه متعدد في السلوك الثقافي. يقول ليفي شتراوس: "أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ما هو شعورها بالعزلة". فمن حقّنا أن نأخذ، ولكن علينا أن نتعلم كيف نعطي أيضًا؛ علينا أن نتخلى عن جزءٍ منا لكي ننتمي إلى الكونيّ.
سعيد بنكراد: باحث ومفكّر مغربي.