

اختلفت عناصر العملية الفنيّة جذريًّا مع التلفزيون الذي أدخل الفنون بأنواعها المختلفة إلى غرف الجلوس بالمنازل، إلى أن وصلنا إلى انفجار المحتوى الفنيّ الهائل في الأجهزة الذكيّة الشخصية عبر منصات البثّ المتعددة، التي تتدفق خلالها الفنون بجميع أنواعها في حالةٍ لا نهائيةٍ من البثّ المتواصل، وأصبحت مشاهدة المواد الفنية ممارسةً اجتماعيّة يوميّة لدى جميع الفئات، على اختلاف مواقفها من الفن وخبراتها به، وكل ما يمكن أن نسميه "الثقافة الفنيّة".
وبذلك اضطرت المنتجات الفنيّة وصنّاعها إلى الخضوع لشروط المتلقي ورغباته ومزاجه واتجاهاته أكثر مما تخضع لمعايير الفن؛ لأن الفنون تحوّلت في العالم المعاصر إلى صناعةٍ تستجيب لمعادلة العرض والطلب والربح والخسارة. وهي حالةٌ لا تخلو من الإيجابيات والسلبيات، مثلها مثل غيرها من التحوّلات الاجتماعيّة والثقافيّة.
من بين عناصر هذه المعادلة الثقافية المركبة، ثمَّة ملاحظات وإشارات حول بعض جوانب التلقي الجماهيري؛ إذ ينشأ من وقت إلى آخر حوارٌ اجتماعيّ وثقافيّ وإعلاميّ حول بعض الأعمال الفنيّة، من أفلام ومسلسلات وروايات وغيرها من المنتجات السّردية التي تنتسب إلى فضاء الخيال الإبداعي. ويحدث أن تتطور بعض أشكال الحوار إلى الجدل أو الاحتراب والمرافعة الأخلاقية والدينية والقيمية، وما يتبع ذلك من استدعاء واستعداء ومطالبات بعقوبات المنع والتجريم والمحاسبة. والواقع أن مثل هذه الممارسات ليست محصورةً في مكانٍ أو زمانٍ، فهي تشمل أوساطنا المحليّة والعربيّة بمستويات متباينة وأشكال متعددة.

مشهد من مسلسل "العاصوف".
ليس الجدل حول الأعمال الفنية أمرًا جديدًا على مجتمعنا المحلي. فقد اعتاد المجتمع السعودي هذا الجدل منذ مواسم "طاش ما طاش" الأولى، والتلقي العنيف الذي قُوبل به. وعلى الرغم من منطقية التحليلات التي تربط تلك الحدة بحالة التشدّد التي سادت المجتمع لأكثر من ثلاثين عامًا، فإننا نتساءل: لماذا لم تتوقف بعد انحسار تلك المرحلة وتأثيراتها في المجتمع والإعلام؟ صحيحٌ أن نسبةً لا بأس بها ما زالت تتبنى الموقف الأيديولوجي نفسه من الفنون، ولسنا معنيين بنقاش ذلك، فلكلٍّ مذهبه الثقافيّ الذي يعتنقه، لكن حالة التلقي العنيف والأحكام والمطالبات المتشددة بالإيقاف والمنع والعقوبة لم تعُد مقتصرةً على فئة واحدة، بل تمدّدت لتشمل أطيافًا شتّى من المجتمع.
الواضح أننا وصلنا إلى مستوى من الحدّة يجعلنا أمام ما يشبه الظاهرة التي تتصاعد أشكالها وتجلياتها مع التأثير العميق لوسائل التواصل الاجتماعي، وامتلاك كل فردٍ منصته الخاصة. هذه الظاهرة، غير الصحية في نظري، تدفعنا إلى النظر فيها من زاوية أساسية تتعلق بأصل العمل الفني، والوعي بمفاهيم جوهريّة مرتبطة بقوانين الفنّ والإبداع؛ إذ من المتفق عليه أن مولِّد العمل الفني ومجاله الأساس الذي يتخلّق فيه هو الخيال. والخيالُ، وما اشتُّق منه من مصطلحات ومرادفات، مصطلحٌ عميقُ الجذور في الفكر والأدب لدى فلاسفة الإغريق والعرب ونقادهم، وهو "قوةٌ للنفس تحفظ ما يدركه الحسّ المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة". ولا تتوقف هذه القوة المتخيِّلة أو المفكِّرة عند عملية استعادة تلك الصور، بل تتعداها إلى وظيفة ابتكارية متميزة؛ إذ تُعالج تلك الصورَ المخزّنة في الخيال وتعيد إنتاجها في أشكالٍ وهيئاتٍ جديدة لم يدركها الحسّ من قبلُ، وهي ما نسميه "الفنّ" بكافة أجناسه ووسائطه وأدواته وتقنياته.

مشهد من مسلسل "طاش ما طاش".
“
عمل الفنان ليس كعمل المؤرخ، وعلى التلقّي الفني السليم ألا يُعامل العملَ الفنيّ بوصفه وثيقةً تقريريةً يمكننا بناء الأحكام القانونيّة أو الاجتماعيّة أو الإحصائيّة، وفقًا لما ورد فيها.
وإذا نظرنا في مقولة "يمثّلنا أم لا يمثّلنا"، وما أشبهها من عباراتٍ تضجُّ بها منصاتُ التواصل الاجتماعي حول مسلسلات، مثل "شارع الأعشى" أو "الجرادية"، أو فِلم "ناقة" وفِلم "الهامور ح.ع"، فلا بدَّ من الإشارة إلى ما أثاره بعض أرباب النقد السرديّ في العصر الحديث تحت مفهومي "العوالم المتخيَّلة" (Fictional Worlds) و"العوالم الممكنة" (Possible Worlds)، وذلك في الأعمال والفنون السرديّة على وجه التحديد. إذ يمثّل العالم الممكن فضاءً افتراضيًا مُخترَعًا من الفنّان، ويخضع لقوانينه الداخلية الخاصة به، وتتحرك خلالَه كائناتٌ يمكن أن توجَد في العالم المرجعيّ (عالم الحقيقة). كما يمكن أن تخضع لمنطقٍ يشبه المنطق الذي ينتظم مثيلاتِها في عالم البشر. وقد قرّر أرسطو في كتابه المؤسِّس "فنّ الشعر" أن المحاكاة الفنيّة ليست عملية نسخٍ للعالم بالكلمات، وإنما هي إحكامُ صُنعِ "المحتَمل والممكن الوقوع". فعمل الفنان يختلف عن عمل المؤرخ من حيث أنَّ الثاني يروي ما وقع فعلًا، في حين يروي الأول ما يمكن أن يقع.
كما هو الحال في فِلم "القيد"، حيث لا وجود لـشخصية "رمّاح" في تاريخنا، ولكن ليس هناك ما يمنع وجودها، ومثلها شخصية "فؤاد" في "طاش ما طاش"، و"أبو عيسى" في "خيوط المعازيب"، وكذلك في الأحداث مثل حكاية اللقيط في "العاصوف" أو المخيم في فِلم "ناقة"، ومعظم علاقات "شارع الأعشى" وأمكنته. وفي هذه الحالة يبدو العالم المتخيّل شبيهًا بالعالم الممكن، فإذا ما حدث اختراقٌ للممكن بالإيغال في المتخيل ممتنعِ الوجود فهنا يفترق العالَمان، كما في أعمال الفانتازيا والخيال العلمي.

مشهد من الإعلان الرسمي لفِِلم "الهامور ح.ع".
إن العمل الفنيّ يمثّل تصوّرًا مخصوصًا يتبنّاه ويقدّمه صانعُه، أو صنّاعُه، لقراءة الحالة التاريخية أو الاجتماعية، وتقديم الأحداث والأفكار والمشاعر ومختلِف الجوانب، فهو لا يمثّل إلا طيفًا ما من أطياف المجتمع أو الثقافة. ويتضح هذا في أعمال الفنان الواحد؛ إذ تختلف وتتباين باختلاف تحولاته الفكرية والثقافية، ورؤيته الفنية والجمالية. كما أن الإبداعات الفنيّة تختلف من مبدعٍ إلى آخر داخل العصر الواحد أو الحقبة الواحدة أو الدولة الواحدة. فكل عمل من هذه الأعمال منسوبٌ إلى حقبته، ولكنه لا يمثّل إلا صاحبَه. لذا، إذا أردنا رسم صورةٍ مرجعيةٍ واقعيةٍ عن حقبة زمنية أو مجتمع ما، فعلينا التوجُّه إلى المواد التاريخية والوثائق والشهادات والتقارير الموثقة. وتظلُّ الفنونُ دالةً من الدوالّ التي يمكن الاستئناس بها واستثمارها في القراءة والتحليل، من دون أن نحمّلها وظائف لم تُحمّل إيّاها، وأدوارًا لا يمكنها تأديتها.
لا يختلف اثنان على أهمية موقف جمهور المتلقين ودوره المحوري في عمليات التلقي المختلفة، بل إنه لا وجود للفنون من دون جمهور يقوم بأدوار التقويم والمراجعة والنقد. ولكن يجب ألا يغيب عنا أن هذا الجمهور ليس نمطًا واحدًا متطابقًا، بل هو أطيافٌ متعددة ومتباينة في الثقافة والخبرة والذائقة والمعتقدات، وأن الهوية الاجتماعية ليست بنيةً صلبة أو ناجزة، بل هي صيرورةٌ دائمة التحوُّل والإضافة والحذف عبر الأزمنة.
د. علي زعلة: كاتب وناقد سعودي.