Hero image

كيف يعالج الفنُّ ما لا نستطيع البوح به؟

آلاء الحاجي

مايو 6, 2026

شارك
غالبًا ما مرَّت على مسامعك بعضُ المواقف التي عجز أصحابُها عن وصفها والحديث عنها. فكثيرًا ما تختفي الكلمات في لحظات الصدمة الكبرى، وكأن اللغة نفسها تقفُ عاجزةً أمام ما جرى. ومع ذلك، فإن ما يعجز عنه الكلام قد تستطيع الفنون التعبيرية أن تلامسه برفق. فالرسم والموسيقى والحركة والمسرح، جميعها تفتح مساراتٍ مختلفةً داخل النفس البشرية؛ وهي مسارات لا تمرُّ عبر اللغة وحدَها، بل عبر الحواس والخيال والجسد.

من هنا ظهر ما يُعرّف بـ"العلاج بالفن" أو "العلاج بالفنون التعبيرية"، وهو مجال علاجي يستخدم الأنشطة الفنية المختلفة بوصفها وسيلةً للتعبير والفهم والشفاء النفسي. لا يُطلب من الشخص فيها أن يكون فنانًا أو مُتمرِّسًا في الرسم أو الموسيقى أو التمثيل، بل يكفي أن يشارك في العملية الإبداعية نفسها. فالغاية ليست إنتاج عمل فني جميل، بل إتاحة مساحةٍ آمنةٍ للتعبير عن التجارب العميقة والحسَّاسة في تفاصيلها.
وقد ازداد الاهتمام بهذه الممارسات خلال العقود الأخيرة، ولا سيَّما في سياق العمل مع الصدمات النفسية، مثل تجارب الحروب والكوارث والعنف والفقد. لكن، ما الذي يجعل الفنَّ قادرًا على الوصول إلى تلك المناطق المعتمة في الذاكرة الإنسانية؟
 
لماذا يصمت الدماغ حين نحتاج إليه أكثر؟

تُظهر دراساتُ تصوير الرنين المغناطيسي أن التجارب الصادمة تُحدِث تغيراتٍ ملحوظةً في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات. فقد بيَّنت أبحاث علم الأعصاب أن الأحداث الصادمة تُنشِّط بدرجة أكبر النصف الأيمن من الدماغ، في حين يقل نشاط النصف الأيسر المرتبط باللغة والتفكير المنطقي.
النصف الأيمن هو الجانب المرتبط بالإدراك الحسي والخيال والصور والانفعالات. وهو المسؤول عن معالجة الإشارات غير اللفظية، مثل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، والإحساس بالمكان، كما أن لهذا الجانب أهميةً في تخزين الذكريات الحسية، مثل الأصوات، والروائح، والصور، والانطباعات الجسدية.

 أمَّا النصف الأيسر، فهو الجانب الأكثر ارتباطًا باللغة والتحليل والتنظيم المنطقي للأحداث. إنه الجزء الذي يساعدنا على سرد قصة حياتنا بطريقةٍ متسلسلةٍ ومفهومةٍ.
عندما يتعرَّض الإنسان إلى صدمة شديدة، يعمل الدماغ بطريقةٍ دفاعيةٍ، فيُجزّئ التجربة إلى عناصر حسيَّة صغيرة: صوت، أو صورة، أو إحساس جسديّ، أو رائحة. وغالبًا ما تُخزَّن هذه الأجزاء في الذاكرة بطريقة مُجزَّأة، وهو ما يجعل استرجاعها لاحقًا يحدثُ عبر محفّزات حسيَّة، لا عبر قصة متماسكة.
وقد أظهرت بعض الدراسات أن منطقة "بروكا"، المسؤولة عن إنتاج الكلام في الدماغ، يقل نشاطُها في أثناء استرجاع هذه الذكريات الصادمة؛ لأنها لم تُخزَّن في الدماغ في صورة قصة، بل في صورة إحساس، مما يُفسِّر صعوبة التعبير اللفظي عنها.
 
 لماذا قد لا يكون الكلام وحدَه كافيًا؟

العلاج القائم على الحوار والنقاش يظلُّ ركيزةً رئيسةً في العلاج النفسي، لكنه يواجه حدودًا في حالات الصدمة؛ لأن التجربة لم تُخزَّن أصلًا في قالب لغوي.
هنا تظهر الفنون التعبيرية بوصفها مسارًا موازيًا يتيحُ التعبيرَ عبر الحواس. فبدلًا من "شرح" الألم، يمكن "إظهاره" في لوحة، أو حركة، أو لحن. يُمكن النظر إلى الفنون التعبيرية على أنها لغةٌ أخرى تتعامل مع الرموز بدلًا من الكلمات؛ فاللون قد يكون غضبًا، والخطوط المتقطعة قلقًا، والمساحات الفارغة إحساسًا بالفَقْد.

فلا غرابة إذًا أن تؤكد الدراسات أنّ الانخراط في هذه العملية الإبداعية يساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالسيطرة.
 في جلسات العلاج بالفن، لا يُطلب من الإنسان أن يُفسِّر، بل أن يُعبِّر. وهذا بحدّ ذاته يفتح أبوابًا كانت مغلقةً أمام اللغة.
 
 تجارب عالمية: الفنُّ في مواجهة الصدمة

 لم تبقَ الفنون التعبيرية إطارًا نظريًّا، بل وجدت طريقها إلى تطبيقات واسعة حول العالم، ولا سيَّما في البيئات التي تُعاني الصدماتِ الجماعية.
 في أعقاب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994م، استُخدمت برامج الرسم والمسرح المجتمعي لمساعدة الناجين، وخصوصًا الأطفال، على التعبير عن تجاربهم المؤلمة. وقد أظهرت تقاريرُ ميدانية أن هذه الأنشطة ساعدت على تقليل العزلة وتعزيز التواصل الاجتماعي.

وفي مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان، اعتمدت منظمات دولية، مثل منظمة اليونيسف، على ورش الرسم والدراما وسيلةً لدعم الأطفال نفسيًّا؛ إذ أُتيح لهم التعبير عن مشاعرهم من خلال الفن بدلًا من استرجاع التجربة بالكلام المباشر.
كما طُبِّقت برامجُ العلاج بالموسيقى والحركة مع قدامى المحاربين في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يعانون "اضطراب ما بعد الصدمة"، وأظهرت الدراسات تحسُّنًا في الأعراض المرتبطة بالقلق والتوتر. 

 وبعد كارثةِ تسونامي في جنوب شرق آسيا، استُخدمت الفنونُ البصرية والأنشطة الجماعية في المدارس لمساعدة الأطفال على استعادة الإحساس بالأمان والانخراط مُجدَّدًا في الحياة اليومية.
 هذه التجارب لا تعني أن الفنَّ حلٌ سحريٌّ، لكنها تشير إلى إمكانية أن يكون أداةً مساندة فعّالة، ولا سيَّما عندما يُدمَج ضمن برامج دعم نفسي متكاملة.
 
الفنون التعبيرية: مسارات متعددة لتجربة واحدة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الرسم والمسرح والموسيقى عوالم منفصلة، لكن في سياق العلاج التعبيري، تلتقي هذه الفنون في هدف واحد: الوصول إلى التجربة الإنسانية في مستواها الحسي العميق.
فالفنون البصرية، مثل الرسم والتلوين أو تشكيل الكولاج، تُتيح للشخص أن يضع مشاعره أمامه في صورة مرئية. قد تكون خطوطًا حادة تُعبِّر عن توتر، أو مساحات داكنة تشير إلى حزن، أو أشكالًا غير مكتملة تعكس ارتباكًا داخليًّا. لا يُشترط أن تكون هذه الأعمال مفهومةً للآخرين، بل يكفي أن تكون صادقةً لصاحبها. وفي كثير من الأحيان، تكون عملية الرسم نفسها، بحركتها المتكررة وتركيزها الهادئ، وسيلةً لتهدئة الجهاز العصبي قبل أن تكون وسيلةً للتعبير.

أمَّا حين ينتقل التعبير إلى الجسد، كما في المسرح أو الحركة أو الرقص، فإن التجربة تأخذ بُعدًا مختلفًا؛ هنا لا يُرسم الشعور، بل يُعاش. في الدراما العلاجية، قد يُجسّد الفرد موقفًا أو علاقة، أو حتى شعورًا مُجرَّدًا في صورة دور أو مشهد. هذا التمثيل لا يهدف إلى إعادة الصدمة بحدِّ ذاتها، بل إلى إعادة صياغتها في سياقٍ أكثر أمانًا يمنح الشخصَ مسافةً تسمح له بالملاحظة والفهم.

وفي بعض الأحيان، تكون الحركة وحدَها كافيةً للتعبير. فالجسد، كما تشير بعض النظريات الحديثة، يحتفظ بآثار التجربة الصادمة، ليس في الذاكرة فحسب، بل في التوتر العضلي وأنماط الحركة. ومن خلال الإيقاع والحركة الحرة، يمكن تحرير بعض هذه الآثار بطريقةٍ لا تحتاج إلى تفسير لغوي.

وتأتي الموسيقى لتُضيف طبقةً أخرى من هذا التعبير، فهي تخاطب العاطفة مباشرة؛ فلحنٌ بسيطٌ قد يُوقِظ شعورًا قديمًا، وإيقاع متكرر قد يمنح إحساسًا بالاستقرار، وصوت جماعي قد يخلق شعورًا بالانتماء. وقد أظهرت أبحاثٌ أن الموسيقى تُنشِّط مناطقَ متعددة في الدماغ مرتبطةً بالعاطفة والذاكرة، مما يجعلها أداةً فعَّالة في التعامل مع المشاعر المُعقَّدة.
في هذا التداخل بين الصورة والحركة والصوت، يجد الإنسان أكثر من مدخلٍ إلى ذاته. وإذا تعذَّر التعبير عبر طريقٍ ما، فقد ينجح عبر آخر. وهذه المرونة هي ما يمنح الفنون التعبيرية قوتها.
 
الفنون التعبيرية: مسارات متعددة لتجربة واحدة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الرسم والمسرح والموسيقى عوالم منفصلة، لكن في سياق العلاج التعبيري، تلتقي هذه الفنون في هدف واحد: الوصول إلى التجربة الإنسانية في مستواها الحسي العميق.
فالفنون البصرية، مثل الرسم والتلوين أو تشكيل الكولاج، تُتيح للشخص أن يضع مشاعره أمامه في صورة مرئية. قد تكون خطوطًا حادة تُعبِّر عن توتر، أو مساحات داكنة تشير إلى حزن، أو أشكالًا غير مكتملة تعكس ارتباكًا داخليًّا. لا يُشترط أن تكون هذه الأعمال مفهومةً للآخرين، بل يكفي أن تكون صادقةً لصاحبها. وفي كثير من الأحيان، تكون عملية الرسم نفسها، بحركتها المتكررة وتركيزها الهادئ، وسيلةً لتهدئة الجهاز العصبي قبل أن تكون وسيلةً للتعبير.
أمَّا حين ينتقل التعبير إلى الجسد، كما في المسرح أو الحركة أو الرقص، فإن التجربة تأخذ بُعدًا مختلفًا؛ هنا لا يُرسم الشعور، بل يُعاش. في الدراما العلاجية، قد يُجسّد الفرد موقفًا أو علاقة، أو حتى شعورًا مُجرَّدًا في صورة دور أو مشهد. هذا التمثيل لا يهدف إلى إعادة الصدمة بحدِّ ذاتها، بل إلى إعادة صياغتها في سياقٍ أكثر أمانًا يمنح الشخصَ مسافةً تسمح له بالملاحظة والفهم.

وفي بعض الأحيان، تكون الحركة وحدَها كافيةً للتعبير. فالجسد، كما تشير بعض النظريات الحديثة، يحتفظ بآثار التجربة الصادمة، ليس في الذاكرة فحسب، بل في التوتر العضلي وأنماط الحركة. ومن خلال الإيقاع والحركة الحرة، يمكن تحرير بعض هذه الآثار بطريقةٍ لا تحتاج إلى تفسير لغوي.
وتأتي الموسيقى لتُضيف طبقةً أخرى من هذا التعبير، فهي تخاطب العاطفة مباشرة؛ فلحنٌ بسيطٌ قد يُوقِظ شعورًا قديمًا، وإيقاع متكرر قد يمنح إحساسًا بالاستقرار، وصوت جماعي قد يخلق شعورًا بالانتماء. وقد أظهرت أبحاثٌ أن الموسيقى تُنشِّط مناطقَ متعددة في الدماغ مرتبطةً بالعاطفة والذاكرة، مما يجعلها أداةً فعَّالة في التعامل مع المشاعر المُعقَّدة.
في هذا التداخل بين الصورة والحركة والصوت، يجد الإنسان أكثر من مدخلٍ إلى ذاته. وإذا تعذَّر التعبير عبر طريقٍ ما، فقد ينجح عبر آخر. وهذه المرونة هي ما يمنح الفنون التعبيرية قوتها.
 
بين الحماس والنقد: هل ثمَّة جدل؟

على الرغم من انتشار منهجية العلاج بالفن، فإنه، وكغيرها من الحقول، لا يخلو من النقد العلمي. إذ يشير بعض الباحثين إلى أن الأدلة التجريبية، مع تزايدها، لا تزال متفاوتة من حيث القوة والمنهجية، مقارنةً ببعض العلاجات النفسية التقليدية.
ويرى بعض النقاد أن نتائج العلاج بالفن قد تعتمد بدرجة كبيرة على مهارة المعالج وطبيعة العلاقة العلاجية، مما يجعل تعميم نتائجه أكثر تعقيدًا.
وتنبّه بعض الهيئات العلمية إلى عدم استخدام الفنون التعبيرية أسلوبًا وحيدًا للعلاج في الحالات الشديدة، مؤكدةً أنها تكون أكثر فاعليةً عندما تكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة.
 ومع ذلك، يتفق كثيرٌ من المختصين على أن هذا المجال واعد، وأن الحاجة إلى مزيدٍ من الدراسات المُحكمة لا تنفي قيمته العملية، لا سيَّما في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على العلاج بالكلام وحدَه.
 
 ما وراء الكلمات

لا يُعَدُّ الفنُّ علاجًا سحريًّا لمحو الآلام، لكنه يفتح طريقًا مختلفًا للتعامل معها؛ طريقًا يمرُّ عبر اللون والصوت والحركة، لا عبر الكلمات فقط.
وفي عالم تتزايد فيه الضغوط والصدمات، قد يكون هذا الطريق، بكل بساطته وعمقه، أحد أكثر المسارات إنسانيةً نحو التعافي.
فحين تعجز اللغة، يبقى الفنُّ قادرًا على القول، وحين تتشظّى الذاكرة، يمنحها الإبداعُ فرصةً لكي تلتئم، في سبيل الوصول إلى حياة طيبة وتجربة إنسانية متعافية.
 

 

آلاء الحاجي: كاتبة سعودية متخصصة في العلاج بالفن والإرشاد النفسي.
رسومات: أسماء خوري.