Hero image

فرط الحركة وتشتت الانتباه

د. عبدالهادي عتيق الهباد

مايو 11, 2026

شارك
في الصف، قد يبدو طفلٌ وكأنه ينظر إلى السبورة، لكنه لا يرى ما يراه الآخرون. وفي المنزل، تُعاد القصة: واجبات غير مكتملة، وأشياء تُنسى، ووعود تتبخر، حتى يُقال عنه إنه "مُهمل". لكن الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك بكثير. فحين نسمع مصطلح "اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه" (ADHD)، قد نتخيَّل تعريفًا طبيًّا يُتداول في عيادات الأطفال؛ لكنه أصبح أكثر من ذلك؛ إذ بات ظاهرةً واسعةً تثير أسئلةً تتجاوز الطبّ إلى التربية والثقافة ونمط الحياة المعاصر.
اضطراب أم مرآة للعصر؟ 

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذا الاضطراب هو حالة نمائية عصبية مُعقّدة، تتداخل فيها عوامل وراثية قوية مع تأثيرات بيئية يصعب فصلها بدقةٍ. وهو لا يظهر في صورةٍ واحدةٍ، بل يتجلّى بوصفه طيفًا متنوعًا من الأعراض يتفاوت في شدّته وتأثيره، وهو ما يجعل فهمه تحديًا يتطلب تجاوز التفسيرات التي تختزله في خلل دماغيٍّ صرفٍ.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتسارع فيه وتيرة الحياة، لم يعُد السؤال يقتصر على ماهية هذا الاضطراب فحسب، بل ماذا يكشف عن علاقتنا بالانتباه نفسه؟ وهل يمكن أن يكون، ولو جزئيًا، مرآةً لتحولات أعمق في عالمنا؟ كما تساءلت مجلة (ScienceDirect).
 
كيف فهم العلم هذا الاضطراب عبر الزمن؟

لم يكُن هذا الاضطراب، كما نفهمه اليوم، مفهومًا ثابتًا عبر الزمن، بل هو نتيجة مسار طويل من إعادة التعريف والتفسير. ففي المراحل المبكرة من البحث، ولا سيَّما خلال النصف الثاني من القرن العشرين، انصبّ الاهتمام أساسًا على تشخيص الاضطراب وعلاجه دوائيًا، في إطار مقاربةٍ طبيّةٍ ترى فيه خللًا وظيفيًّا يتطلب تصحيحًا مباشرًا.
ومع تطوُّر أدوات البحث، انتقل التركيز تدريجيًّا إلى الدماغ نفسه من ناحية بنيته ووظائفه والعمليات المعرفية المرتبطة به، مثل الانتباه والتحكّم التنفيذي. ثم جاءت مرحلة لاحقة تعزّز فيها الاهتمامُ بالأسس الوراثية، مدفوعةً بأدلةٍ متزايدة على قابلية الاضطراب للانتقال عبر الأجيال. 

غير أن هذا المسار، على الرغم من أهميته، كان يميل إلى اختزال الاضطراب في بُعده البيولوجي. ومع تراكم الدراسات، بدأ هذا التصوُّر يتعرّض للمراجعة. فقد أظهرت تحليلات حديثة لآلاف الأبحاث أن فهْمَ هذا الاضطراب لا يكتمل من دون إدخال العوامل البيئية والنفسية والاجتماعية في المعادلة، بما في ذلك ضغوط الأداء، والسياقات التعليمية، وأنماط الحياة المعاصرة.
هكذا، لم يعُد يُنظر إلى هذا الاضطراب بوصفه مجرّد خلل دماغيّ معزول، بل حالةً تتشكّل عند تقاطع الاستعداد البيولوجي مع البيئة المحيطة. وذهب بعض الباحثين أبعد من ذلك، حين عدُّوا أن هذا الاضطراب يكشف، في جزءٍ منه، عن التوتر القائم بين طبيعة الإنسان ومتطلبات عالمٍ يزداد سرعةً وتعقيدًا.

وفي السنوات الأخيرة، اتسع نطاق البحث ليشمل موضوعات جديدة، بدءًا من السموم البيئية والميكروبيوم، وصولًا إلى دور النشاط البدني والعوامل النفسية، سعيًا لفهم الصورة الكاملة للاضطراب. ويعكس هذا التحوّل انتقالًا تدريجيًّا من نموذج تفسيريّ واحد إلى رؤية أكثر تكاملًا، تعترف بأن الانتباه ليس وظيفةً بيولوجيةً فحسب، بل هو ظاهرةٌ تتأثر بعمق بالسياق الذي تعمل فيه، وفقًا لما جاء في (Pediatrics Open Science).
 
هل تصنع وسائل التواصل تشتّت الانتباه؟

في خضم التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعُد الانتباه مجرّد قدرةٍ ذهنيّة فرديّة، بل موردًا تتنازعه تطبيقات مصمَّمة لجذبه. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز سؤال جديد: هل تسهم هذه البيئة في تشكيل أنماط الانتباه، وربَّما في تضخيم اضطراباته؟

في هذا الصدد، تشير دراسةٌ طولية واسعة نُشرت في مجلة (Pediatrics Open Science)، تابعت أكثر من ثمانية آلاف طفلٍ على مدى أربع سنوات، إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادةٍ تدريجيّةٍ في أعراض تشتّت الانتباه، حتى بعد أخذ العوامل الوراثية والاجتماعيّة في الحسبان. واللافت أن هذا التأثير لم يظهر مع أنشطة رقمية أخرى، مثل الألعاب أو مشاهدة الفيديو، وهو ما يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في الشاشات بحدّ ذاتها، بل في طبيعة التفاعل الذي تفرضه هذه المنصات.

وقد أكدت تحليلات حديثة نُشرت في مجلة (The Conversation) أن هذه المنصات قد تسهم في تفاقم المشكلة، ويرجّح أن السبب يعود إلى طبيعتها القائمة على المقاطعات المستمرة والتنقل السريع بين محتويات قصيرة ومتنوعة، مما يضعف القدرة على الحفاظ على تركيز متواصل.
ومع أن التأثير يبدو محدودًا على مستوى الفرد، فإن تعميمه على نطاق واسع قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في عدد الحالات التي تتجاوز عتبة التشخيص. وبذلك، لا تبدو التكنولوجيا سببًا مباشرًا للاضطراب، لكنها تخلق بيئةً تجعل الحفاظ على الانتباه أصعب.
 

فهْمُ هذا الاضطراب هو نتيجة مسار طويل من إعادة التعريف والتفسير. والعلاجات المتاحة، وخصوصًا الدوائية، فعّالةٌ في تخفيف الأعراض وتحسين الأداء ليس أكثر.

من الفرد إلى المجتمع

إذا كان "اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه" يُفهم تقليديًا بوصفه حالةً فرديّةً ذات أساس بيولوجي، فإن التحولات الحديثة تدفع إلى النظر إليه أيضًا بوصفه ظاهرةً تتأثر ببنية المجتمع نفسه. فالأمر لا يتعلق بدماغٍ فرديٍّ يعاني صعوبةً في التركيز فقط، بل ببيئةٍ كاملةٍ تعيد تعريف ما يعنيه أن يكون الإنسان منتبهًا.

تشير الأبحاث في هذا الصدد إلى أن التغيرات الصغيرة في متوسط الانتباه داخل المجتمع قد تؤدي إلى زيادات ملحوظةٍ في عدد الحالات المشخّصة، حتى لو بقي التأثير الفردي محدودًا. وهذا يعني أن انتشار بعض أنماط الحياة، مثل الاستخدام المكثف لوسائل التواصل، قد ينعكس على مستوى التشخيص العام، لا من خلال خلقِ اضطرابٍ جديدٍ، بل عبر دفع عددٍ أكبر من الأفراد إلى تجاوز العتبة التشخيصية. 

ولا تقتصر آثار "اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه" على الأداء المعرفي أو السلوكي في الطفولة، بل تمتد إلى مسار الصحة على المدى الطويل. فقد أظهرت دراسة حديثة، نشرتها "مجلة جمعية الطب الأمريكية" (JAMA) في 21 يناير 2026م، أن سمات الاضطراب في سنٍّ مبكرةٍ ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض جسدية متعدّدة في منتصف العمر، إضافةً إلى ارتفاع مستويات الإعاقة المرتبطة بالصحة. ويبدو أن جزءًا من هذه العلاقة يمرّ عبر عوامل قابلة للتعديل، مثل التدخين والضغط النفسي والسُّمنة، وهو ما يشير إلى أن التأثير لا ينبع من الاضطراب وحدَه، بل من التفاعل بينه وبين أنماط الحياة عبر الزمن.

والحال أن المسألة لا تقف عند حدود التكنولوجيا؛ فالمجتمعات الحديثة، بما تفرضه من إيقاع سريع وتعدّد مستمر في المهام، تضع الانتباه تحت ضغط دائم. فالتوقّع المتزايد بالاستجابة الفورية، والتنقّل السريع بين مصادر متعدّدة للمعلومات، والسعي المستمر للإنتاجية، جميعها عوامل قد تجعل خصائصَ كانت يومًا ضمن التباين الطبيعي للانتباه تبدو اليوم أعراضًا مرضية.

لكن هذا لا يعني إنكار الأساس البيولوجي للاضطراب، بل إعادة وضعه في سياق أوسع. فكما أن الجينات تهيئ القابلية، فإن البيئة قد تحدّد كيفية ظهورها وحدّتها. وبين الاثنين، تتشكّل تجربة الانتباه في العالم الحديث، لا بوصفها وظيفةً ذهنيّةً معزولةً، بل نتاجًا لتفاعلٍ مستمرٍّ بين الدماغ والثقافة ونمط الحياة. كما قد يظهر لدى بعض الأفراد قدرٌ من الإبداع وسرعة الربط بين الأفكار، وإن لم تكُن هذه السمات قاعدةً عامة.
في المحصِّلة، وعلى الرغم من التقدّم الكبير في فهم هذا الاضطراب، لا يزال علاجه الكامل بعيد المنال. ومع ذلك، تُظهر العلاجات المتاحة، وخصوصًا الدوائية، فعاليةً واضحة في تخفيف الأعراض وتحسين الأداء، إلى جانب دورٍ مهمٍّ للتدخلات السلوكية في دعم التكيّف اليومي. إذ لم يعُد الانتباه مجرّد وظيفةٍ دماغيّةٍ، بل أصبح ساحةَ تفاعلٍ بين الجينات والثقافة والتكنولوجيا.
 

 

د. عبدالهادي عتيق الهباد: استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين.